أَعتَمَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ليلةً بالعشاءِ، حتى رقدَ الناسُ واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقامَ عمرُ بنُ الخطابِ فقال: الصلاة، -قال عطاءٌ: قال ابن عباسٍ: فخرجَ نبيُّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كأني أنظرُ إليه الآنَ، يقطر رأسه ماءً، واضعًا يده على رأسه، فقالَ: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرْتُهم أن يصلُّوها هكذا».
رواه البخاري برقم: (571)، ومسلم برقم: (642)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وفي رواية عند مسلم برقم: (638)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «حتى ذهبَ عامَّةُ الليلِ ...فقال: إنه لوقتها».
وفي رواية عند البخاري برقم: (661)، ومسلم برقم: (640)، من حديث أنس -رضي الله عنه-: «أخَّرَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- العشاءَ ذاتَ ليلةٍ إلى شَطْرِ الليلِ»، وزاد مسلم: «أو كادَ يذهبُ شَطْرُ الليلِ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَعْتَمَ»:
أَعْتَمَ الناس إِذا دخلُوا فِي ظُلمَة اللَّيْل، مثل أَشْمَلُوا وأَجْنَبُوا إِذا دخلُوا فِي الشمَال والجنوب. غريب الحديث لابن قتيبة(1/٤٤٣)
شرح الحديث
قوله: «أَعْتَمَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ليلةً بالعشاءِ، حتى رقدَ الناسُ واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أعتم» أي: أخّر «نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة» أي: ليلة من الليالي «العشاء» أي: صلاة العشاء إلى وقت العتمة أي: ظلمة الليل «قال» ابن عباس أخرها إلى وقت العتمة «حتى رقد» ونام «ناس» حضروا المسجد للصلاة معه «واستيقظوا» بعد رقدتهم «ورقدوا» ثانيًا «واستيقظوا» كذلك أي: ناموا وانتبهوا مرة بعد مرة في حال انتظارهم إياه. الكوكب الوهاج (9/ 53).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «أعتم» معناه: أخّر الصلاة لظُلمة الليل، وعتمة الليل ظُلمتها، وبها سُميت صلاة العشاء عَتَمَة. أعلام الحديث (1/ 562).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وقوله: «أعتم بالعشاء» أي: أخَّرها؛ فالعتمة ظُلمة الليلة، ووقتها بعد غيبوبة الشفق. الإفصاح (3/ 46).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
النوم المذكور في هذا الحديث إنما هو نوم القاعد الذي يخفق برأسه لا نوم المضطجع، والدليل على ذلك: أنه لم يكن يذكر أحد من الرواة أنهم توضؤوا من ذلك النوم، ولا يدل قوله: «ثم استيقظوا» على النوم المستغرِق الذي يزيل العقل وينقض الوضوء؛ لأن العرب تقول: استيقظ من سِنَتِه وغفلَتِه، وإلى هذا ذهب الشافعي في أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، ويُشبه أيضًا مذهب مالك في مراعاته النوم الخفيف في كل الأحوال؛ لأنه ليس بحدث، وهو ردٌّ على المزني في قوله: "إنَّ قليل النوم وكثيره حدث ينقض الوضوء"؛ لأنه محال أن يذهب على أصحاب الرسول أن النوم حدث ينقض الوضوء، فيصلون بالنوم، ولا يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وقد روي عن ابن عمر وابن عباس وأبي أمامة وأبي هريرة أنهم كانوا ينامون قعودًا، ولا يتوضؤون، فدل هذا أنه كان نومًا خفيفًا، فإن قال قائل: فقد جاء عن أنس أنهم حين كانوا ينتظرون الصلاة مع النبي -عليه السلام- ناموا مضطجعين، ثم صلوا ولم يتوضؤون ، ذكره الطبري عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: «كان أصحاب رسول الله ينتظرون الصلاة مع الرسول فيضعون جنوبهم، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون»، ففي هذا حجة لمن لم يرَ من النوم وضوءًا أصلًا، وهو قول أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وعمرو بن دينار، فهذا خلاف ما تأولت في هذه الأحاديث، أنهم كانوا ينامون نومًا خفيفًا، قيل: قد جاء حديث قتادة، عن أنس بلفظ آخر، وفيه ما يدل على ما قلناه وهو قوله: «ثم يقومون فمنهم مَن يتوضأ ومنهم مَن لا يتوضأ»، ذكره الطبري، فبان بهذا الحديث أن مَن استغرق في نومه مضطجعًا أو جالسًا، فهم الذين كانوا يتوضؤون ، ومَن كان نومه خفيفًا فهم الذين كانوا لا يتوضؤون كما قلنا، وإجماع العلماء على أن النوم الـمزيل للعقل ينقض الوضوء يردُّ قولَ مَن لم يرَ من النوم وضوءًا أصلًا، وأما نوم ابن عمر قبل العِشاء، فيدل -والله أعلم- أنه كان منه نادرًا إذا غلبه النوم، فكان يوكِل مَن يوقظه على ما ذهب إليه بعض الكوفيين، وروى معمر عن أيوب عن نافع: أن ابن عمر كان ربما رقد من العِشاء الآخرة، ويأمر أن يوقظوه، وقوله: "ربما" يدل أنه كان منه في النادر، فيحتمل أن يفعله إذا أراد أن يجمع بأهله، أو لعذر يمنعه من حضور الجماعة، ثم يجمع بأهله، والله أعلم. شرح صحيح البخاري (2/ 196- 197).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء فيها (مسألة: انتقاض الوضوء من النوم) على مذاهب:
أحدها: أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج وشعبة.
والمذهب الثاني: أن النوم ينقض الوضوء بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري والمزني وأبي عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعي، قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: وروي معناه عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة -رضي الله عنهم-.
والمذهب الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بحال، وهذا مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
والمذهب الرابع: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد، لا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة وداود، وهو قول للشافعي غريب.
والمذهب الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، روي هذا عن أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-.
والمذهب السادس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد، وروي أيضًا عن أحمد.
والمذهب السابع: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، وهو قول ضعيف للشافعي -رحمه الله تعالى-.
والمذهب الثامن: أنه إذا نام جالسًا ممكِّنًا مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض سواء قَلَّ أو كثر، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي، وعنده أن النوم ليس حدثًا في نفسه، وإنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير مُمَكِّن المقعدة غلب على الظن خروج الريح، فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقَّق، وأما إذا كان ممكنًا فلا يغلب على الظن الخروج، والأصل بقاء الطهارة. شرح مسلم (4/ 73).
قوله في رواية: «أخَّرَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- العشاءَ ذاتَ ليلةٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «ذات ليلة» لفظ: ذات، مقحَم، أو هو من باب إضافة المسمى إلى اسمه. عمدة القاري (6/ 138).
وقال النووي -رحمه الله-:
واعلم أن التأخير المذكور في هذا الحديث وما بعده كله تأخير لم يخرج به عن وقت الاختيار، وهو نصف الليل أو ثلث الليل على الخلاف المشهور الذي قدمنا بيانه في أول المواقيت. المنهاج شرح مسلم (5/ 137).
قوله في رواية: «حتى ذهبَ عامَّةُ الليلِ» وفي رواية: «إلى شَطْرِ الليلِ»، وزاد مسلم: «أو كادَ يذهبُ شَطْرُ الليلِ»:
قال النووي -رحمه الله-:
وقوله في رواية عائشة: «ذهب عامة الليل» أي: كثير منه، وليس المراد أكثره، ولا بد من هذا التأويل؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لوقتها»، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء: إنها تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. المنهاج شرح صحيح مسلم (5/ 137).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«إلى شطر الليل» أو «كاد يذهب شطر الليل» أي: نصف الليل، وهذا كقوله في حديث ابن عمرو: «ووقت العشاء مغيب الشفق إلى نصف الليل»، فكلاهما حجة لما صار إليه ابن حبيب من أن آخر وقت العشاء الآخرة نصف الليل. المفهم (2/ 266).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «شطر الليل» أي: نصفه، والشطر أكثر ما يستعمل بمعنى النصف، وقد يستعمل بمعنى مطلق الجزء. منة المنعم (1/ 402).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أو كاد» من باب تعب أي: قارب «يذهب شطر الليل».البحر المحيط الثجاج (14/ 89).
قوله: «فقام عمرُ بنُ الخطابِ فقال: الصلاةَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقام عمر بن الخطاب» -رضي الله عنه- «فقال: الصلاة» منصوب بفعلٍ مقدَّر، أي: صلِّ الصلاة، وفي رواية النسائي: «الصلاةَ الصلاةَ» بالتكرار، والتكرار للتأكيد، ويحتمل أن يكون منصوبًا على الإغراء، وعامله محذوف وجوبًا؛ لكون الْمُغْرَى به مُكررًا. البحر المحيط الثجاج (14/ 106- 107).
قوله: «قال عطاءٌ: قال ابنُ عباسٍ: فخرجَ نبيُّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، كأني أنظرُ إليه الآنَ، يقطُرُ رأسُهُ ماءً، واضعًا يدَهُ على رأسِهِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال ابن عباس: فخرج نبي الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: مِن حُجرته إلى المسجد «كأني أنظر إليه الآن» أي: كأني أُشاهده في الوقت الذي أحدثكم فيه، وهذا قاله ابن عباس -رضي الله عنهما- تأكيدًا لكلامه، وأنه ما نسي الواقعة، بل استحضرها في ذهنه، حتى كأنها مشاهدة له حين التحديث بها، و«الآن» منصوب على الظرفية، متعلق بـ«أنظر»، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ويلزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز للمشتركات، وليس لهذا ما يُشركه في معناه...، والجملة في محل نصب حال من محذوف، أي: أُخبركم به حال كوني مشبِّهًا نفسي ناظرة إليه في الوقت الحاضر، «يقطر رأسه ماء» وكأنه اغتسل قُبيل خروجه، والجملة حال من الضمير في «إليه»، ويحتمل أن تكون حالًا من «نبي الله»، و«ماءً» تمييز محوَّل عن الفاعل، «واضعًا يده» حال أيضًا، إما مترادف أو متداخل، «على شق رأسه» أي: على جانب رأسه، وإنما وضع يده عليه؛ ليعصر ما فيه من الماء. البحر المحيط الثجاج (14/ 107).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «فخرج رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم- كأني أنظر إليه يقطر رأسه ماء» بيّن أنه إنما أخرَّها لعذر طرأ عليه، ووصفه وضع أطراف أصابعه على قرن رأسه فقال: «ثم صبَّها يمرّها كذلك على الرأس» الحديث صفة عصر الماء من الشعر باليد. إكمال المعلم (2/ 606).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
«فخرج نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كأني أنظر إليه الآن... إلخ»، وهذه الواقعة متأخرة جدًّا، فإن ابن عباس -رضي الله عنه- جاء السنة الثامنة وقد أدركها، ثم إن نحو قوله: «كأني أنظر... إلخ»، سماه النحاة استحضارًا وحكاية للحال، والظاهر أنه لم يُرِدْ بذلك بيان التثبت فقط، بل أراد شركته فيها. فيض الباري (2/ 173).
قوله: «فقالَ: لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرْتُهم أن يصلُّوها هكذا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقال:» -عليه الصلاة والسلام- «لولا أن أشق على أمَّتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا» وفي نسخة: «كذا» أي: في هذا الوقت. إرشاد الساري (1/ 504).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» وفي نسخة: «فقال»، أي: قال -صلى الله عليه وسلم- حين خرج إليهم، مبينًا استحباب تأخير العشاء: «لولا أن يشق على أمَّتي» «لولا» حرف امتناع لوجود، و«أن يشق» في تأويل المصدر مبتدأ خبره محذوف وجوبًا؛ لقيام جواب «لولا» مقامه، وهو قوله: «لأمرتهم» أي: لولا خوف المشقة على أمَّتي في تأخير صلاة العشاء إلى هذا الوقت لأمرتهم «أن يصلوها» في تأويل المصدر مجرور بباء مقدرة قياسًا، أي: بصلاتها، «كذلك» أي: في حال مشابه لهذا، وهو كونها مؤخَّرة إلى هذا الوقت، ولفظ البخاري: «أن يصلوها هكذا»، وفي رواية النسائي: «أن لا يصلوها إلا هكذا»، وفي رواية له: «إنه الوقت، لولا أن أشق على أمَّتي»، والله أعلم. البحر المحيط الثجاج (14/ 107- 108).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«يقول» -صلى الله عليه وسلم-: «لولا أن أشق على أمَّتي» إنْ أمرتُهم بتأخير صلاة العشاء، «أو» قال: «لولا أن أشق على الناس» يعني: من أمَّته إن أخروها، «لأمرتهم» بتأخير «الصلاة» حتى يصلوها «هذه الساعة». كشف اللثام (2/ 32).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ثم «قال» نبي الله -صلى الله عليه وسلم-: «لولا» خوف «أن يشق» ويثقل تأخير صلاة العشاء «على أمَّتي لأمرتهم أن» يؤخروها و«يصلوها» أي: يصلوا العشاء «كذلك» أي: مؤخرين تأخيرًا مثل تأخيري هذا، واستعار اسم إشارة البعيد للقريب؛ تنْزيلًا للبعد الرتبي منزلة البعد الحسي، والأصل: «أن يصلوها هكذا» كما هو في رواية البخاري، أي: مؤخرين مثل تأخيري هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم. الكوكب الوهاج (9/ 53).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«ولأمرتهم» أي: انتفاء الأمر لوجود المشقة، واستدل الأصوليون به على أن الأمر معناه الإيجاب، «وهكذا» أي: هذا الوقت أو بعد الغسل، والله أعلم. الكواكب الدراري (4/ 213).
وقال البرماوي -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: الخلاف في صيغته، وأما لفظ الأمر فينطلق على الندب على الأصح، فالمنفي هنا أمر الإيجاب. اللامع الصبيح (3/ 387).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
اختلف أهل العلم في تعجيل العشاء وتأخيرها؛ فقالت طائفة: تأخيرها أفضل، كان ابن عباس يرى أن تأخيرها أفضل ويقرأ: {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} هود: 114 الآية، وروينا عن ابن مسعود أنه كان يؤخر العشاء، وقال مالك: أما العشاء فتؤخر بعد غيبوبة الشفق أحب إليّ... وكان الشافعي يقول: وأُحِبُّ أن يؤخرها الإمام ساعة لا يبلغ فيها المشقة على الناس، وقال أصحاب الرأي: أحَبّ إلينا أن يؤخرها ما بينه وبين ثلث الليل، وقال أبو ثور كنحو قول الشافعي... واحتج مَن رأى تعجيل العشاء بعد دخول الوقت أفضل بالأخبار التي ذكرناها في باب اختيار تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها... وقال: إن الأخبار التي رُويت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تأخير العشاء دالة على أنه إنما فعل ذلك ليلة واحدة لعارض عَرَضَ له شَغَلَه ذلك عنه فأخَّر العشاء في تلك الليلة، وذكر أخبارًا تدل على ما قال. الأوسط (2/ 369- 370).
وقال النووي -رحمه الله-:
واختلف العلماء هل الأفضل تقديمها أم تأخيرها، وهما مذهبان مشهوران للسلف وقولان لمالك والشافعي، فمَن فضّل التأخير احتج بهذه الأحاديث، ومَن فضّل التقديم احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقديمها، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز أو لشغل أو لعذر، وفي بعض هذه الأحاديث الإشارة إلى هذا، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (5/ 136).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الراجح عندي: أن التأخير هو الأفضل إلا لأجل المشقة، بأن كان إمام جماعة يشق عليهم التأخير، فيكون في حقه التقديم أفضل، وهو الذي كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث إنه بين أن تأخيرها هو الأولى، فقال في حديث عائشة -رضي الله عنها-: «إنه لَوَقْتُها لولا أن أشق على أمَّتي» رواه مسلم، وقال في حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤخر العشاء الآخرة» رواه مسلم، وفي حديث أبي برزة -رضي الله عنه-: «وكان يَسْتَحِبُّ أن يؤخر العشاء» متفق عليه، وقال: «لولا أن أشق على أمَّتي لأمرتهم بتأخير العشاء» الحديث، وهو حديث صحيح رواه أحمد وأصحاب السنن، وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- الآتي: «لولا أن يشق على أمَّتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا» متفق عليه، فهذه الأحاديث الصحيحة نصوص صريحة بينة المبنى واضحة المعنى، لا تقبل التأويل، تدل دلالة واضحة كالشمس في رابعة النهار على أن تأخير العشاء لمن لا يشق عليه هو الأفضل، وبهذا تجتمع الأدلة بدون إهمال لبعضها.
وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم، فأحاديث الباب خاصة، فتُقَدَّم عليه، كما بينه العلامة الشوكاني -رحمه الله-.
والحاصل أن التأخير لمن لا يشق عليه هو الأفضل، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (14/ 85- 86).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
لكن إن كان الجماعة في مكان واحد كأن يكونوا في البر مثلًا فالتأخير أفضل، وكذا حكم النساء في بيوتهن، وفي هذا الحديث دليل على أنه لم يكن من شأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تأخيرها، والفيصل في ذلك ما تقدم في حديث جابر -رضي الله عنه-، والله تعالى أعلم. منحة العلام (2/ 184- 185).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وفي حديث عمر دليل على تنبيه الأكابر وإعلامهم حضور الجماعة وبدخول وقت الصلاة. فتح القريب المجيب (3/ 431).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: جواز إذكار الإمام بالصلاة ودعائه إلى الخروج إليها.
وفيه: استحباب تأخير العِشاء ما لم يشق على المأمومين...
وفيه: أنه يستحب تأخيرها ما لم تخف غلبة النوم، فإن النوم قبلها مكروه.
وفيه: أن شَعْرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن محلوقًا؛ لأنه قال: خرج وهو يقطر رأسه، ولا يقطر إلا مِن الشَّعر الوافر. الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 45).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
ومنها: بيان حرص السلف -رحمهم الله تعالى- في طلب الأَولى والأفضل من الأوقات لإيقاع أفضل الطاعات بعد الشهادتين، وهي الصلاة فيه.
ومنها: أنه ينبغي للسائل أن يتثبت في نقل العلم، ويشدد في الأخذ؛ ليكون على بصيرة. البحر المحيط الثجاج (14/ 110- 111).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- فضل تأخير صلاة العشاء وامتياز الأمة بها.
- هل من الأفضل تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل؟