الثلاثاء 23 ذو الحجة 1447 | 2026-06-09

A a

«إنَّ العَرَقَ يومَ القِيامةِ لَيَذهبُ في الأرضِ سبعينَ باعًا، وإنَّهُ لَيَبْلُغُ إلى أَفْوَاهِ الناسِ، أَو إلى آذانِهمْ».


رواه البخاري برقم: (6523)، ومسلم برقم: (2863) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-
ولفظ البخاري: «يعْرَقُ ‌الناس ‌يوم ‌القيامة ‌حتى ‌يذهب ‌عرَقُهُم ‌في ‌الأرض ‌سبعين ‌ذراعًا، ويُلْجِمُهُمْ ‌حتى ‌يبلغ ‌آذانَهم».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«باعًا»:
البَاعُ والبَوْع: ما بَين طرفَي الذراعينِ إِذا مُدَّتَا يمينًا وشمالًا. كشف المشكل، لابن الجوزي (3/ 410).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «إنَّ العَرَقَ يوم القيامة ليذهب في الأرضِ سبعينَ باعًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ العرَقَ» بالتحريك: الرَّشْح من البدن «يوم القيامة» في المَوقف «لَيَذْهَبُ في الأرض سبعين باعًا» أي: ينزل فيها من كثرته شَيْءٌ كثيرٌ جدًا، فالسبعين للتَّكثير لا للتَّحديد. فيض القدير (2/ 376).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّ العَرَق» من العباد وهو: رَشْحُ جلد الحيوان... حين تدَلَّى عليهم الشمس «يوم القيامة لَيَذْهَب» يَسِيل «في الأرض» أرض المحشر، أو ينزل أو يرتفع عليها، والأول أوضح كما يأتي، «سبعين باعًا» بالموحَّدة والمُهملة، وهو قدر مَدِّ اليدين، ومِثْله البَوْع. التنوير (3/ 515).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
ومعنى «يَذْهَبُ في الأرضِ» ينزل ويغوص. تطريز رياض الصالحين (ص: 273).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنَّ العَرَق» وهو: رشَحَات البدن «يوم القيامة لَيَذهب في» عُمْقِ «الأرض سبعين باعًا» وهو ما بين أطراف أصابع اليدين إذا مُدَّت اليدان من الجانبين، وهو قَدْر أربعة أذرع. الكوكب الوهاج (26/ 11).

قوله: «يعْرَقُ ‌الناس ‌يوم ‌القيامة ‌حتى ‌يذهب ‌عرَقُهُم ‌في ‌الأرض ‌سبعين ‌ذراعًا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«يَعْرَق الناس» بفتح الراء «يوم القيامة» بسبب تَرَاكُمِ الأهوال، ودنو الشمس من رؤوسهم، والازدحام، «حتى يَذْهَبَ عَرَقُهم» يجري سائحًا «في» وجه «الأرض» ثُم يغوص فيها «سبعين ذراعًا» أي: بالذراع المتعارف أو الذراع المَكِّي، وللإسماعيلي من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال: «سبعين باعًا». إرشاد الساري (9/ 310).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يَعْرَق» بفتح الراء «الناس» أي: جميعًا، والجِنُّ أولى، فتركَه من باب الاكتفاء، والظاهر استثناء الأنبياء والأولياء، «يوم القيامة» أي: في ابتداءِ أَمْرِهِ، «حتى يَذْهَبَ عَرَقُهم في الأرض سبعين ذراعًا» قيل: هذا العرق مِن تراكم الأهوال، وحصول الحياء، والخجالة والندامة والملامة، وتزاحم حَرِّ الشمس والنار، كما جاء في رواية: «إنَّ جهنم تُدِير أهل المحشر فلا يكون إلى الجنة طريق إلا الصراط». مرقاة المفاتيح (8/ 3516).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا العَرَقُ يكون ذهابُه في الأرض سبعين ذراعًا، فيَعْلم الناس أن الماء البارد في هذه الدُّنيا لو قَد زاد وطغى حتى يعلو على نحو الجبال لم يكن يَذْهَب في الأرض عُمقًا على نحو هذا المقدار، وإنما معنى ذلك: أي أنه رَشْحٌ فيأتي شيئًا فشيئًا، ويكون هذا قد خرج عن أبدان مَن أَحْرَقها الخوف مقدرة في حرارة في مُجْتَمَعِ أنفاسٍ، وزكام يكون هذا الريح على نحو الحميم من شدة حَرِّه؛ فلذلك نفذ في الأرض هذا النفوذ.
ولأن العَرَق من الآدمي ينفذ نفوذًا شديدًا؛ لأنه ليس كغِلَظ الماء، بل هو من سرعة نُفوذه كالماء الذي قد أنضجَتْهُ الحرارة، فلم ينفذ إلى ظاهر الجلد منه إلا ما هو في غاية اللطافة؛ فلذلك نفذ هذا النفوذ؛ ولطول مكث الناس في القيامة. الإفصاح (6/ 269).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فكيف تكون حرارة تلك الأرض وماذا يرويها من العَرَق حتى يبلغ منها سبعين ذراعًا، مع أنَّ كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عَرَقهم مع تَنَوُّعِهم فيه؟! إنَّ هذا لَمِمَّا يُبهر العقول، ويدل على عظيم القُدْرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة أنْ ليس للعقل فيها مجال، ولا يُعْتَرَضُ عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنَّما يُؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومَن تَوَقَّفَ في ذلك دَلَّ على خسرانه وحرمانه، وفائدة الإخبار بذلك: أن يَتَنَبَّهَ السامع؛ فيأخذ في الأسباب التي تُخَلِّصه مِن تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التَّبِعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بِمَنِّهِ وكرمه. فتح الباري (11/ 395).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يُحتمل أن يريد: عَرَقُه نَفْسُه؛ لحذره وخوفه، وما يشاهده من تلك الأهوال، أو يُؤَمِّلُه ويَرجيه، فيكون عرقه بقدر ذلك، ويحتمل أن يكون عرقه وعرق غيره، فَيُخَفَّفُ عن بعض، ويُشَدَّد على آخرين بحسب أعمالهم، وهذا كله بتزاحم الناس، وانضمام بعضهم لبعض، حتى صار العرق بينهم سائحًا في وجه الأرض، كالماء في الأواني، بعد أن شَرِبَت منه الأرض، وغاص فيها سبعين عامًا أو باعًا أو ذراعًا. إكمال المعلم (8/ 392 ، 393).

قوله: «وإنَّهُ لَيَبْلُغُ إلى أَفْوَاهِ الناسِ، أَو إلى آذَانِهِمْ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإنَّه لَيَبْلُغُ إلى أفواه النَّاس أو إلى آذانهم» يُحتمل أنَّه شَكٌّ من الراوي، أو لِلتَّقْسِيم، وأنَّ منهم من يبلغ هذا، ومنهم من يبلغ هذا. التنوير (3/ 515).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وإنَّه لَيَبْلُغ إلى أفواه الناس» أي: يَصِل إلى أفواههم؛ فيصير لهم بمنزلة اللجام؛ فيمنعهم من الكلام «أو إلى آذانهم» بأنْ يُغطي الأفواه، ويعلو عليها؛ إذ الأُذُن أعلى من الفَمِّ. فيض القدير (2/ 37 6).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واسْتُشْكِل بأنَّ الجماعة إذا وَقَفوا في الماء الذي على أرض معتدلة كانت تغطية الماء لهم على السواء، لكنهم إذا اختلفوا في الطول والقِصَر تفاوتوا، فكيف يكون الكل إلى الأُذُن؟
والجواب: أنَّ ذلك من الخوارق الواقعة يوم القيامة...، ولا ينفي أن يصل الماء لبعضهم إلى دون ذلك، فقد أخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر، رَفَعَه: «تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة؛ فيعرق الناس فمنهم من يبلغ عَرَقُه عَقِبَه، ومنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فَخِذَه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ مَنْكِبَه، ومنهم من يبلغ فاهُ، وأشار بيده فألجمها فاه، ومنهم من يُغَطِّيه عَرَقُه، وضرب بيده على رأسه»، وله شاهد عند مسلم من حديث المقداد بن الأسود، وليس بتمامه، وفيه: «تُدْنَى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على مقدار أعمالهم في العرق» الحديث، فإنه ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم، ويتفاوتون في حصوله فيهم. فتح الباري (11/ 393، 394).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
وهذا (رواية: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه») ظاهرٌ في أنَّ العَرَق يحصل لكل شخص من نفسه، وفيه تَعَقُّبٌ على مَن جوَّز أن يكون مِن عَرَقِهِ فقط، أو من عرقه وعرق غيره. فتح الباري (11/ 393).

قوله في لفظ: «ويُلْجِمُهُمْ حتى يبلغ آذانَهُمْ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ويُلْجِمهم» بضم التحتية، وسكون اللام، وكسر الجيم مِن ألْجَمَه الماء إذا بَلَغَ فاه. إرشاد الساري (9/ 310).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ويُلْجِمهم» أي: يصل العرق إلى أفواههم، فيصير لهم كاللجام يمنعهم عن الكلام «حتى يبلغ آذانهم». شرح المصابيح (6/ 32).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويُلْجِمهم حتى يبلغ آذانهم» أي: يصل العَرق إليها، وهي بالمد جمع أُذُن. مرقاة المفاتيح (8/ 3516).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى يَبْلَغ آذانهم» وهذا لبعض الناس؛ لتفاوت الناس في ذلك. دليل الفالحين (4/ 296).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذا العرق إنَّما هو لشدة الضغط، وحر الشمس التي على الرؤوس، بحيث تَغلي منها الْهام، وحرارة الأنفاس، وحرارة النار المُحْدِقة بأرض المحشر، ولأنَّها تَخرج منها أعناق تَلْتَقِط الناس من الموقف، فتَرْشَح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله، ثم يُجمع عليه ما يَرْشح منه بعد أن يغوص عَرَقُهم في الأرض مقدار سبعين باعًا، أو ذراعًا، أو عامًا، على اختلاف الروايات. المفهم (7/ 156).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
ووجه وصوله إلى آذانهم مع اختلافهم طولًا وقصرًا، واعتدال الأرض الواقفين فيها: إمَّا لأن الأمر يومئذ على خلاف المعتاد، أو أنَّه لا اختلاف بينهم يومئذ في الْقامَة، أو الاختلاف بقدر أعمالهم؛ فمنهم إلى الذَّقَن، ومنهم إلى الصدر، ومنهم إلى الرُّكْبة، ومنهم إلى الساق، ونحو ذلك. اللامع الصبيح (16/ 44).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
قال ابن العربي: وَكُلُّ واحد يقوم عرقه معه؛ فيغرق فيه إلى أنصاف ساقيه، وإلى جانبيه، مثلاً: يمين من يبلغ كعبيه، ومن الجهة الشمال من يبلغ ركبتيه، ومن أمامه من يكون عرقه إلى نصفه، ومن خلفه من يبلغ العرق صدره، وهذا خلاف المعتاد في الدنيا، فإنَّ الجماعة إذا وقفوا في الأرض المعتدلة أخذهم الماء أخذًا واحدًا لا يتفاوتون، كما ذكرنا مع استواء الأرض ومجاورة المحل، وهذا من القُدرة التي تَخْرق العادات في زمن الآيات. التذكرة (ص: 591، 592).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: قد وصف الله تعالى أرض المحشر بقوله: {لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا} طه: 107، حتى قيل: لو وُضِع خَطٌّ لا يتفاوت من الشرق إلى الغرب، فكيف يتفاوت الناس في العَرَق؟
قلتُ: أمور الآخرة خارجة من القياس، فإذا أخبر الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- بشيء يَجِب الإيمان به. الكوثر الجاري (10/ 194).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أَمْر الآخرة كلَّه ليس على وفق العادة، أما ترى أنَّ شخصين في قبر واحد يُعَذَّبُ أحدهما وَيُنَعَّم الآخر، ولا يدري أحدهما عن غيره، ونظيره في الدنيا: نائمان مختلفان في رؤياهما، فيحزن أحدهما ويفرح الآخر، بل شخصان قاعدان في مكان واحد أحدهما في عِلِّيِّين، والآخر في أسفل سافلين، أو أحدهما في صحة والآخر في وَجَعٍ أو بَلِيَّة. مرقاة المفاتيح (8/ 3517).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: ظاهر الحديث ‌تعميم ‌الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم في العَرَق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم مَن بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار كما تقدم تقريره في حديث بعث النار. فتح الباري(11/٣٩٥).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
هذا (أي: العَرَق إلى الأفواه) في حَقِّ الكفار، ومن كان مؤمنًا فعلى قدر ذنبه، وأمَّا الذين أَخْرَجُوا في الدنيا عَرَقهم في الجهاد، والحج وسائر الأعمال الشاقة، فَهُمْ في ظل عرش الرحمن، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الكوثر الجاري (10/ 194).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده: منها: بَيانُ هَول يوم القيامة، وأنَّه لا هول فوقه، نسأل الله تعالى أنَّ يُهَوِّنَه علينا بِمَنِّه وكرمه.
ومنها: أنَّ فائدة الإخبار بهذه الأمور أنْ يَتَنَبَّه السامع؛ فيأخذ في الأسباب التي تُخَلِّصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التَّبِعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، وَيَتَضَرَّع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بِمَنِّه، وكرمه. البحر المحيط الثجاج (44/ 47).


ولمعرفة المزيد من أهوال يوم القيامة ينظر:

صفة حشر الناس يوم القيامة.

هوان المتكبّرين في عرصات القيامة.


إبلاغ عن خطأ