الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«كُنَّا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال: والله لأنت يا رسول الله أحبُّ إليَّ من كُل شيء، إلا نفسي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا يؤمن أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه، فقال عمر: فلَأَنْتَ الآن –والله- أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‌الآن ‌يا ‌عمر».


رواه البخاري برقم: (6632)، من حديث عبد الله بن هشام -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «كُنَّا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«أخذ بيد عمر» دليل على غاية المحبة، وكمال المودة والاتحاد. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (10/ 270).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب» فيه: أن أخذه بيده لم يكن للمصافحة، بل هو للتأنيس إلا أن ترقى على الجنس، وتقول: إن المصافحة أيضًا للتأنيس.
واعلم أن التصافح عند الملاقاة توكيد للتسليم القولي، فإن التسليم إيذان بالأمن قولًا، والتصافح نحو بيعة، وتلقين على ذلك؛ ليكون كل من المتلاقيين على أمن من صاحبه. فيض الباري على صحيح البخاري (6/ 205).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
هذا الحديث في المصافحة أن الأخذ باليد يستلزم التقاء صفحة اليد بصفحة اليد غالبًا، ومن ثم أفردها (يعني: البخاري) بترجمة تلي هذه لجواز وقوع الأخذ باليد من غير حصول المصافحة.
قال ابن عبد البر: روى بن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة، وذهب إلى هذا سحنون وجماعة، وقد جاء عن مالك جواز المصافحة، وهو الذي يدل عليه صنيعه في الموطأ، وعلى جوازه جماعة العلماء سلفًا وخلفًا، والله أعلم. فتح الباري (11/ 55).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبها مالك بعد كراهة، وهي مما تُنْبِتُ الود وتُؤَدِّي المحبة، ألا ترى قول كعب بن مالك في حديثه الطويل حين قام إليه طلحة وصافحه: «فوالله لا أنساها لطلحة أبدًا»؟ فأخبر بعظيم موقع قيام طلحة إليه من نفسه ومصافحته له، وسروره بذلك، وكان عنده أفضل الصلة والمشاركة له، وقد قال أنس: إن المصافحة كانت في أصحاب رسول الله، وهم الحجة والقدوة الذين يلزم اتباعهم، وقد ورد في المصافحة آثار حسان. شرح صحيح البخاري (9/ 44).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
اعلم أن كمال السُّنة فيها (أي المصافحة) أن تكون باليدين، ويتأدى أَصل السُّنة من يد واحدة أيضًا. فيض الباري على صحيح البخاري (6/ 204).

قوله: «مِن كل شيء إلا من نفسي»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«من كل شيء إلا من نفسي» ذَكَرَ حُبَّهُ لنفسه بحسب الطبع. إرشاد الساري (9/ 369).

قوله: «لا يؤمن أحدكم»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لا يؤمن» نفي، وهو جواب القسم. عمدة القاري (1/ 143).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لا يؤمن» أي: إيمانًا كاملًا. فتح الباري (1/ 58).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
يريد: لا يبلغ حقيقة الإيمان وأعلى درجاته. شرح صحيح البخاري (6/ 96).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: لا يكون مؤمنًا كاملًا. شرح المصابيح (1/ 30).
وقال السفيري -رحمه الله-:
«لا يؤمن أحدكم» محمول على نفي الكمال أي: لا يكمل إيمان أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده، فمن لم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحبَّ إليه من والده وولده فهو ناقص الإيمان. شرح البخاري (1/ 405).

قوله: «حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أحبَّ» هو أفعل، بمعنى المفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفَصَلَ بينه وبين معموله بقوله: «إليه»؛ لأن الممتنع الفصل بأجنبي. فتح الباري (1/ 58).
وقال حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«حتى أكون أحبَّ إليك مِن نفسك» أي: حتى يصبح النبي -صلى الله عليه وسلم- أحبَّ إليك من نفسك. منار القاري (5/ 316).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أحبَّ» أي: أَمْيَلَ بالقلب إليه وأشدَّ حبًّا له، وذلك يحصل بتذكر أن كل نعمة وصلت العباد بواسطته، وقيل: ليس المراد الميل الطبيعي، بل أن يؤثر أمره ونهيه على أمر ولده ووالده والناس أجمعين، ويحتمل أن يراد المعنى الأول. التنوير شرح الجامع الصغير (11/ 171).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«حتى أكون أحبَّ...» أي: لا يكفي ذلك لبلوغ الرتبة العليا حتى يضاف إليه ما ذُكر، وعن بعض الزهاد تقدير الكلام: لا تَصْدق في حبي حتى تُؤْثِر رضاي على هواك، وإن كان فيه الهلاك. فتح الباري (11/ 528).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك» قال ذلك لقوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} الأحزاب: 6. الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (10/ 251).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
حبُّ الإنسان نفسَه طبع، وحبُّه غيرَه اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد -صلى الله عليه وسلم- بقوله لعمر حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جُبِلَت عليه.
يقول: لا تَصْدُق في حُبِّي حتى تفدي في طاعتي وتوثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكُكَ. أعلام الحديث (4/ 2282).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: فعلى هذا فجواب عمر أولًا كان بحسب الطبع، ثم تأمَّل فعرف بالاستدلال أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحبُّ إليه من نفسه؛ لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، ولذلك حصل الجواب بقوله: «الآن يا عمر». فتح الباري (11/ 528).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أن المراد بهذه المحبة: المحبة الشرعية، فإنه يجب على المسلمين أن يَقُوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنفسهم وأولادهم، وليس المراد بهذا المحبة الطبيعية؛ فإنهم قد فرُّوا عنه في القتال وتركوه، وكل ذلك لإيثار حب النفس. كشف المشكل (3/ 231).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
يجب تقديم محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكين، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} آل عمران: 31، وسئل بعضهم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال، فعَلَامة تقديم محبة الرسول على محبة كل مخلوق: أنه إذا تعارض طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أوامره وداعٍ آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة، فإنْ قدَّم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي كان دليلًا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء، وإنْ قدَّم على طاعته وامتثال أوامره شيئًا من هذه الأشياء المحبوبة طبعًا دلَّ ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه، وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مُرْسِله -عزَّ وجلَّ-، هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات، فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة، فإنْ بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى (هذه) الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها. فتح الباري (1/ 49).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
هذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا، ومن علامة الحب المذكور: أن يعرض على المرء أنْ لو خُيِّرَ بين فَقْدِ غرض من أغراضه أو فَقْدِ رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- أنْ لو كانت ممكنة، فإن كان فَقْدُها أن لو كانت ممكنة أشدَّ عليه مِن فَقْدِ شيء مِن أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا، وليس ذلك محصورًا في الوجود والفَقْدِ، بل يأتي مثله في نُصرة سُنته، والذَّب عن شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فتح الباري (1/ 59).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هذا معناه: يجب أن يكون حبُّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مقدَّمًا على حب النفس بالصدق لا بالدعوى، فحبُّه يثمر طاعة الله ورسوله. الحلل الإبريزية (4/ 292).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدِّم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مُرْسِله، والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة في حب المحبوبات وبغض المكروهات، قال -عز وجل-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} التوبة: 24، وقال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} آل عمران: 31، قال الحسن: قال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله، إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ الله أن يجعل لحبه عَلَمًا، فأنزل الله هذه الآية. جامع العلوم والحكم (2/ 396).

قوله: «فقال عمر: فَلَأَنْتَ الآن –والله- أحبُّ إليَّ من نفسي»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«لَأَنْتَ أحب إليَّ من نفسي» فأخبر بما اقتضاه الاختيار بسبب توسط الأسباب. إرشاد الساري (9/ 369).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال الداودي: وقوف عمر أول مرة، واستثناؤه نفسه، إنما أشفق حتى لا يبلغ ذلك منه، فيحلف بالله كاذبًا، فلما قال -عليه السلام- ما قال تقرر في نفسه أنه أحبُّ إليه من نفسه، فحلف. التوضيح لشرح الجامع الصحيح (30/ 234).

قوله: «‌الآن ‌يا ‌عمر»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
«الآن» يعني: كمل إيمانك. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (23/ 96).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«الآن» عرفتَ فنطقتَ بما يجب عليك «يا عمر». إرشاد الساري (9/ 369).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فلما قال عمر: «قال: الآن يا عمر» أي: كمل إيمانك؛ لقوله في أبواب الإيمان: «لا يُؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (10/ 251).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «الآن يا عمر» أي: الآن عرفتَ، فنطقتَ بما يجب، وأما تقرير بعض الشراح: الآن صار إيمانك معتدًا به؛ إذ المرء لا يعتد بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول، ففيه سوء أدب في العبارة، وما أكثر ما يقع مثل هذا في كلام الكبار عند عدم التأمل والتحرز لاستغراق الفكر في المعنى الأصلي! فلا ينبغي التشديد في الإنكار على من وقع ذلك منه، بل يكتفى بالإشارة إلى الرد والتحذير من الاغترار به؛ لئلا يقع المنكر في نحو مما أنكره. فتح الباري (11/ 528).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
ومعنى الحديث -والله أعلم-: أن من استكمل الإيمان عَلِمَ أن حق الرسول وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن بالرسول استنقذ الله أُمَّته من النار وهداهم من الضلال، فالمراد بهذا الحديث: بذل النفس دونه -صلى الله عليه وسلم-، وقال الكسائي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الأنفال: 64، أي: حسبك الله ناصرًا وكافيًا، وحسبك مَن اتَّبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك. شرح صحيح البخاري (1/ 66).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فإنَّ مَن رجَّح جانب المطمئنة كان حبه للنبي -صلى الله عليه وسلم- راجحًا، ومن رجَّح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس. فتح الباري (1/ 59).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن الحب المحمود بالشرع لا بالطبع، وأنه لا ينبغي لمؤمن أن يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله تعالى، فعلى هذا لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين، ثم ينزل المؤمن من الصحابة والأخيار على ذلك، فإن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، فأما من يحب ولده فإن ذلك مما قد جَبَلَ عليه الله البشر، من حيث إنَّ الله سبحانه جعله سببًا لرعاية النسب، وإلا فلو أفاق الوالد لمعنى الولد، وأنه خَلَفٌ منه يسلبه ماله وداره ومكانه؛ لكان من أبغض الأشياء إليه؛ ولكن الله تعالى جَبَلَ الخلق على الغفلة على هذا حتى ربَّى الأطفال في حجور آبائهم؛ فإنْ عرض للمؤمن الحب الطبعي اعتراضًا يؤثر عنده في الحب الشرعي فمتعين عليه أن يجاهده ويدفعه. الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 162).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
ومِن أدلة صدق المحبة اتباعه -صلى الله عليه وسلم-، والتَّمسك بما جاء به، والحذر مما يخالف ذلك، لقول الله -عزَّ وجلَّ-: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} آل عمران: 31.


وللمزيد من الفائدة ينظر:

محبة النبي ﷺ شرط كمال الإيمان.

ثمرة محبة الله ورسوله.


أحاديث ذات صلة

إبلاغ عن خطأ