«أمَّا أهلُ النَّارِ الذينَ هم أهلُهَا فإنَّهم لا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ، ولكنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بذنوبِهِمْ، أو قال: بِخَطَايَاهُمْ، فأَمَاتَهُمْ إماتةً، حتَّى إذا كانوا فَحَمًا أُذِنَ بالشَّفاعةِ، فَجِيءَ بهم ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا على أنهارِ الجنَّةِ، ثم قيلَ: يا أهلَ الجنَّةِ، أَفِيضُوا عليهم، فَيَنْبُتُونَ نباتَ الحِبَّةِ تكونُ في حَمِيلِ السَّيْلِ»، فقالَ رجلٌ مِن القومِ: كأنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قدْ كان بالباديةِ.
رواه مسلم برقم: (185)، من حديث أبي سعيد الخُدْرِي -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فَحَمًا»:
الفَحَمُ، محرَّكةً وبالفتح: الجَمْرُ الطافِئُ، والفَحْمَةُ: واحِدَتُه. القاموس المحيط، للفيروز أبادي (ص: 1144).
«بالشَّفاعةِ»:
الشَّفَاعة: هي السُّؤالُ في التَّجاوُز عنِ الذُّنوب والجرائِم بينهم (أي: العباد)، يُقالُ: شَفَعَ يَشْفَعُ شَفَاعَةً، فهو شَافِعٌ وشَفِيعٌ، والْمُشَفِّعُ: الذي يَقْبل الشَّفاعةَ، والْمُشَفَّعُ الذي تُقْبَل شفاعتُه. النهاية، لابن الأثير (2/ 485).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الشَّفاعةُ: الانضمام إلى آخَر ناصِرًا له، وسائِلًا عنه، وأكثر ما تُستعمل في انضمام مَن هو أعلى حُرمة ومرتبة، إلى مَن هو أدنى، ومنه: الشَّفاعةُ في القيامة. المفردات (ص: 457-458).
«ضَبَائِرَ»:
ضَبَائِر: هم الجماعات في تَفْرِقَة، واحِدتها ضِبَارَة، مِثْلُ عِمارة وعَمَائِرَ، وكلُّ مُجْتَمَعٍ: ضِبَارَة، وفي رواية أخرى: «فيخرُجُون ضِبَارَاتٍ ضِبَارَات» هو جمع صِحة للضِّبَارَة، والأول جمع تكسير. النهاية (3/ 71-72).
«فَبُثُّوا»:
أصل البَثِّ: التفريق، وإثارة الشيء، كبَثِّ الريح التراب، وبثُّ النفس ما انطوت عليه من الغمِّ والسِّرِّ، يقال: بَثَثْتُهُ فَانْبَثَّ، ومنه قوله -عز وجل-: {فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا} الواقعة: 6، وقوله -عز وجل-: {وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} البقرة: 164. المفردات، للراغب (ص: 108).
«أَفِيضُوا»:
أصلُ الفيض: سَيَلان الماء مِن جوانب ما هو فيه لزيادته. حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي(1/ 12).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
أفاض الماء على نفسه أي أفرغه... وأصل الإفاضة: الصبُّ فاستعيرت للدفع في السير... كل ما كان في اللغة من باب الإفاضة فليس يكون إلا عن تفرُّق أو كثرة. لسان العرب(7/ 210-213)
«الحِبَّة»:
الحِبَّةُ: بِزْر كل نَبَات يَنْبُتُ وحده مِن غير أنْ يُبذَر، وكل ما بُذِر فبزره حَبَّة بالفتح. المحكم لابن سيده(2/ 545).
«حَمِيلِ السَّيْلِ»:
حَمِيل السَّيل: هو ما يجيء به السَّيْل من طينٍ أو غُثَاء، وغيره، فَعِيل بمعنى: مفعولٍ، فإذا اتَّفَقَت فيه حِبَّة، واسْتَقَرَّت على شَطِّ مجرى السَّيْل فإنها تَنْبُت في يوم وليلة، فشُبِّه بها سُرْعة عَوْد أبدانهم وأجسامهم إليهم بَعْدَ إحراق النار لها. النهاية لابن الأثير(1/ 442).
شرح الحديث
قوله: «أمَّا أهلُ النَّارِ الذينَ هم أهلُهَا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«أمَّا أهل النَّار الذين هم أهلها» وهم الكفار؛ لأنهم الذين يستحقون الإضافة إليها؛ لخلودهم فيها. التنوير (3/ 212).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الذين هم أهلها» أي: المختصون بالخلود فيها، المستوجِبون لعذاب الأبد.
وفيه: إيذانٌ بأنَّه لا يُسمَّى أهل النار إلا الكفار. فيض القدير (2/ 169).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
لفظ: «أهل النار» لا يختص (يعني: لا يُطلَق) بالموحِّدين؛ بل يختص بمن عداهم (ولعل هذا في الغالب). المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 108).
وقال الشيخ الراجحي -حفظه الله-:
«أمَّا أهل النار الذين هم أهلها...» أي: الكفرة هم أهلها، ولا يخرجون منها، أمَّا المؤمن فدخولُهُ عارضٌ؛ بسبب المعاصي. شرح صحيح ابن حبان (10/ 20).
قوله: «فإنَّهم لا يَمُوتُونَ فيها، ولا يَحْيَوْنَ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنَّهم لا يموتون فيها» فيستريحون من عذابها، «ولا يحيون» حياة يحبونها، ويتلذَّذون بها، كما قال تعالى: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} طه: 74. التنوير (3/ 212).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«ولا يحيون» أي: حياة يَنْتَفِعُونَ بها، ويستريحون معها. الديباج شرح مسلم (1/ 242).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإنَّهم لا يموتون فيها» موتًا يريحهم «ولا يحيون» فيها حياة تريحهم، كما قال تعالى: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} طه: 74، وهذا مذهب أهل السُّنة أنَّ النَّعيم والعذاب دائمٌ. فيض القدير (2/ 169).
وقال النووي -رحمه الله-:
فالظاهر -والله أعلم- من معنى هذا الحديث: أنَّ الكفار الذين هم أهل النار، والمستحقون للخلود، لا يموتون فيها، ولا يحيون حياة ينتفعون بها، ويستريحون معها، كما قال الله تعالى: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} فاطر: 36، وكما قال تعالى: {ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} الأعلى: 13، وهذا جارٍ على مذهب أهل الحق: أنَّ نعيم أهل الجنة دائمٌ، وأنَّ عذاب أهل الخلود في النار دائمٌ. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 38).
قوله: «ولكنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بذنوبِهِمْ، أو قال: بِخطاياهُمْ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ولكنْ» استِدْرَاك مِن توهُّم نفي العذاب عنهم، «ناسٌ» مِن المؤمنين «أصابتْهُم النَّار بذُنُوبِهِم». التيسير (1/ 231).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم» هم الموحدون. التنوير (3/ 212).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولكن ناسٌ أصابتهم النار بذنوبهم» أي: بسبب ارتكابهم الذنوب الموجبة لدخول النار «أو» للشك من الراوي «قال: بخطاياهم». البحر المحيط الثجاج (5/ 224).
قوله: «فأَمَاتَهُمْ إماتةً»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «فأماتهم» أي: أماتهم إماتة، وحُذف للعلم به، وفي بعض النَّسخ «فأماتتهم» بتاءين، أي: أماتتهم النار. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/37- 38).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «فأماتهم الله» حقيقة في الموت؛ لأنَّه أكَّده بالمصدر؛ وذلك تكريمًا لهم، وقيل: يجوز أنْ يكون إماتتهم عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتًا على الحقيقة، والأول أصح، وقد أجمع النحويون على أنَّك إذا أكَّدتَ الفعل بالمصدر لم يكن مجازًا، وإنَّما هو على الحقيقة، ومثله: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} النساء: 164. الجامع لأحكام القرآن (1/ 250).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فأَمَاتَهُمْ إماتةً» معناه: أنَّ المذنبين من المؤمنين يميتهم الله تعالى إماتة بعد أنْ يُعذَّبوا المدة التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية، يذهب معها الإحساس، ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدرها الله تعالى، ثم يخرجون من النار موتى، قد صاروا فَحَمًا، فيُحملون ضبائر كما تُحمل الأمتعة، ويُلقون على أنهار الجنة، فيُصبُّ عليهم ماء الحياة، فيَحْيَون وينبتون نبات الحِبَّة في حَمِيل السَّيل في سرعة نباتها وضعفها، فتخرج لضعفها صفراء ملتوية، ثم تشتد قوَّتهم بعد ذلك، ويصيرون إلى منازلهم، وتكمل أحوالهم، فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث ومعناه، وحكى القاضي عياض -رحمه الله- فيه وجهين، أحدهما: أنَّها إماتة حقيقية، والثاني: ليس بموت حقيقي، ولكن تغيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال: ويجوز أنْ تكون آلامهم أخف، فهذا كلام القاضي، والمختار ما قدمناه، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (3/ 38).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «فأَمَاتَهُمْ إماتةً» ظاهر هذا: أنَّهم يموتون بمفارقة أرواحهم لأجسادهم، ويحيون بإعادتها، ويكون ذلك قبل ذبح الموت، ويشهد له: ما خرَّجه البزار في مسنده من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ أدنى أهل الجنة منزلة أو نصيبًا: قومٌ يخرجهم الله من النار، فيرتاح لهم الرب -عز وجل- أنَّهم كانوا لا يشركون بالله شيئًا، فينبذون بالعراء، فينبتون كما ينبت البقل، حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم، قالوا: ربنا كما أخرجتنا من النار، ورجعت الأرواح إلى أجسادنا، فاصرف وجوهنا عن النار، فتُصرف وجوههم عن النار». فتح الباري (1/ 97).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
إنَّهم (الموحِّدون المعَذَّبون) يموتون، فيكون عذابهم إحراقهم وحبسهم عن دخول الجنة سريعًا، كالمسجونين، بخلاف الكفار الذين لا يموتون أصلًا؛ ليذوقوا العذاب، ولا يحيون حياة يستريحون بها، على أنَّ بعض أهل العلم أوَّل ما وقع في حديث أبي سعيد من قوله: «يموتون فيها إماتةً» بأنَّه ليس المراد أنْ يحصل لهم الموت حقيقة، وإنَّما هو كناية عن غيبة إحساسهم؛ وذلك للرفق بهم، أو كنَّى عن النوم بالموت، وقد سَمَّى الله النوم وفاة، ووقع في حديث أبي هريرة: «أنَّهم إذا دخلوا النار ماتوا، فإذا أراد الله إخراجهم أمسهم ألم العذاب تلك الساعة». فتح الباري (11/ 462-463).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ هذا الصَّلْي لأهل النار الذين هم أهلها، وأنَّ الذين ليسوا من أهلها فإنَّها تصيبهم بذنوبهم، وأنَّ الله يميتهم فيها، حتى يصيروا فَحَمًا، ثم يُشْفَع فيهم، فيخرجون، ويُؤتَى بهم إلى نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَمِيل السَّيل، وهذا المعنى مستفيض عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بل متواتر في أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وغيرهما. مجموع الفتاوى (16/ 195-196).
وقال الكلاباذي -رحمه الله-:
فإنْ قيل: فما معنى إدخالهم النار وهم فيها غير متألمين (يعني: بعد موتهم)؟
قيل: يجوز أنْ يدخلهم النار تأديبًا لهم، وإنْ لم يعذبهم فيها، ويكون صَرْف نِعَم الجنة عنهم مدة كونهم فيها عقوبة لهم، كالمحبوسين في السجون، فإنَّ الحبس عقوبة وإنْ لم يكن معه غَلٌّ ولا قيدٌ، ويجوز أنْ يكونوا متألمين غير أنَّ آلامهم تكون أخف من آلام الكفار؛ لأنَّ آلام المعذبين وهم موتى أخف من عذابهم وهم أحياء، قال الله تعالى في قصة آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَونَ أَشَدّ العَذَابِ} غافر: 146، فأخبر أنَّ عذابهم إذا بُعثوا يكون أشد من عذابهم وهم موتى، وهم في حالة الموت معذبون، فكذلك الموحِّدون يميتهم في النار، ويكونون معذبين متألمين وهم موتى، ويكون عذابهم وآلامهم أخف من عذاب الكفار.
على أنَّ قوله: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} الأعلى: 13 في صفة الكفار؛ لأنه قال: {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} الأعلى: 11 - 13، والأشقى هو الذي بلغت شقاوته نهايتها، وهو الذي لا يسعد أبدًا، وهو الذي يخلد فيها، فأما الموحد وإنْ شقي بدخوله فيها فإنَّه يسعد بخروجه منها، فهو وإنْ شقي فليس بالأشقى، وإذا كان قوله: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} الأعلى: 13 في الكفار، خرج الموحِّدون منها، فيجوز أنْ يموتوا، ولا يكون ذلك خلافًا للآية. معاني الأخبار(ص: 47).
قوله: «حتَّى إذا كانوا فَحَمًا»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «حتَّى إذا كانُوا فَحَمًا» بفتح الحاء، قال ابن دريد: ولا يُقال بسكونها، وهو الجَمْر إذا طفئ ناره.
قال القاضي (عياض): وقياس هذا الباب السكون والفتح. مطالع الأنوار (5/ 197).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فَحَمًا» أي: كالحطب الذي أُحْرِق حتَّى اسودَّ. التيسير (1/ 231).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«حتى إذا كانوا فَحَمًا» فدلَّ أنَّ النار مع هذا تعمل في أجسادهم أو بعْضها. إكمال المعلم (1/ 364).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(فإنْ قيل): كيف يعرفون أثر السجود مع قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: «فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فَحَمًا أذن الله بالشفاعة» فإذا صاروا فَحَمًا كيف يتميَّز محل السجود من غيره حتى يُعرف أثره؟
وحاصل الجواب: تخصيص أعضاء السجود من عموم الأعضاء التي دل عليها من هذا الخبر، وأنَّ الله منع النار أنْ تحرق أثر السجود من المؤمن، وهل المراد بأثر السجود نفس العضو الذي يسجد أو المراد مَن سجد؟
فيه نظر، والثاني أظهر. فتح الباري (11/ 456).
قوله: «أُذِنَ بالشَّفاعةِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«أُذِنَ بالشفاعة» فيهم للرسل وغيرهم. التنوير (3/ 212).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أُذِنَ» بالبناء للمفعول، أي: أذن الله -سبحانه وتعالى- للشافعين «بالشفاعة» أي: في الشفاعة لهؤلاء الموحِّدين. الكوكب الوهاج (4/ 324).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أُذِنَ» بالبناءِ للمفعول، أو للفاعل، أي: أَذِنَ اللهُ «بالشفاعة» فيهم، فحُملوا، أو أُخرجُوا. التيسير (1/ 231).
قوله: «فَجِيءَ بهم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجيء بهم» أي: بأولئك الناس الذين كانوا فَحَمًا في النار؛ بسبب شفاعة الشافع لهم، إلى أنهار الجنة؛ يعني: إلى أنهار الحياة التي في أطراف الجنة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 305).
قوله: «ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ضَبائر ضَبائر» فكذا هو في الروايات والأصول: «ضَبائر ضَبائر» مكرَّر مرتين، وهو منصوب على الحال. المنهاج شرح مسلم (3/ 38).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ضَبائر ضَبائر» بمعجمة مفتوحة، فموحدة مُخَفّفَة، أي: يُحملون كالأمتعة، جماعات جماعات، منفردين، عكس أهل الجنَّة؛ فإنَّهم يدخلون يتحاذون بالمناكب، لا يدخل آخِرهم قبل أوَّلهم، ولا عكسه. التيسير (1/ 231).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
«ضَبَائِرَ» جمْع ضِبارة، بفتح الضاد وكسرها، وهي الجماعات في تَفْرِقَة. مطالع الأنوار (4/ 324-325).
قوله: «فَبُثُّوا على أنهارِ الجنَّةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فبُثُّوا» بضم الموحدة على البناء للمفعول، من باب شَدُّ؛ من البَثِّ؛ وهو النشرُ؛ أي: نُشِروا وفُرِّقوا على أنهار الجنة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 306).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فَبُثُّوا» بباء موحدة مضمومة، ثم مثلثة، أي: فُرِّقُوا «على أنهار الجنة» أي: على حافاتها (وفي رواية أحمد: «فَيُبَثُّونَ على نَهَرِ الحَيَا، أو قال: الحَيَوَانِ، أو قال: الحَيَاةِ، أو قال: نَهَرِ الجنَّةِ» ولا تعارض). فيض القدير (2/ 169).
قوله: «ثم قيلَ: يا أهلَ الجنَّةِ، أَفِيضُوا عليهم»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«ثم قيل»...أي: قالت الملائكة بإذن الله، أو قال اللهُ. السراج المنير (1/ 327).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يا أهل الجنة، أفيضوا» من الإفاضة: الصَّب «عليهم» أي: من الماء الذي في أنهار الجنة. التنوير (3/ 212).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أفيضوا عليهم» أي: صُبُّوا عليهم ماء الحياة...، فيُصب عليهم، فيحيون. السراج المنير (1/ 327).
قوله: «فَيَنْبُتُونَ نباتَ الحِبَّةِ تكونُ في حَمِيلِ السَّيْلِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فينبتون» أي: فيَصبُّ عليهم أهلُ الجنة من ماءٍ، فينبتون بذلك الماء الذي صُبَّ عليهم «نباتَ الحِبَّةِ» أي: نباتًا سريعًا، مثل نبات الحِبَّة من الأبازير «تكون في حَميلِ السَّيلِ» أي: في التراب الذي حمله السَّيل من فوق الجبل، ورماه في جوانب المسيل. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 306).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فينبتون منه كما تنبت الحِبَّة في حَمِيل السَّيل» هكذا هو في الأصول «فينبتون منه» بالميم والنون، وهو صحيح، ومعناه: ينبتون بسببه.
وأما «الحِبَّة»: فبكسر الحاء، وهي بِزْرُ (حَبُّ) البقول والعُشْب، تنبت في البراري وجوانب السيول، وجمعها: حِبَب، بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء، وأما حَمِيل السَّيل: فبفتح الحاء، وكسر الميم، وهو ما جاء به السَّيل من طين أو غُثاء، ومعناه: محمول السَّيل، والمراد: التشبيه في سرعة النبات، وحُسْنه وطراوته. المنهاج شرح مسلم (3/ 23).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن أبي جمرة: فيه (أي: قوله: «فَيَنْبُتُونَ نباتَ الحِبَّةِ تكونُ في حَمِيلِ السَّيْلِ»): إشارة إلى سرعة نباتهم؛ لأنَّ الحِبَّة أسرع في النبات من غيرها، وفي السيل أسرع لما يجتمع فيه من الطين الرخو الحادث مع الماء، مع ما خالطه من حرارة الزبل المجذوب معه، قال (ابن أبي جمرة): ويُستفاد منه: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان عارفًا بجميع أمور الدنيا بتعليم الله تعالى له، وإنْ لم يباشر ذلك. فتح الباري (11/ 458).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فينبتون نباتَ الحِبَّة» بكسر الحاء المهملة، حَبُّ الرياحين ونحوها، مما ينبت في البرية مما «تكون في حَمِيل السَّيل» وهو ما حمله السَّيل في سرعة، فتخرج لضعفها صفراء متلونة، وذا كناية عن سرعة نباتهم، وضعف حالهم، ثم تشتدُّ قواهم، ويصيرون إلى منازلهم. التيسير (1/ 463).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
شَبَّهَ نبات الخارجين من النار إذا أُلقوا في نهر الحيا أو الحياة بنباتِ هذه الحِبَّة لمعنيين:
أحدهما: سرعة نباتها.
والثاني: أنَّها صفراء ملتوية، ثم تستوي وتحسن، فكذلك ينبت مَن يخرج من النار بهذا الماء نباتًا ضعيفًا، ثم يقوى ويكمُل نباته، ويحسن خَلْقه، وقد جعل الله نبات أجساد بني آدم كنبات الأرض، قال الله تعالى: {وَاللهُ أَنْبَتَكُم مِن الأَرْضِ نَبَاتًا} نوح: 17، وحياتهم من الماء، فنشأتهم الأُولى في بطون أمهاتهم من ماءٍ دافقٍ، يخرج من بين الصُّلْب والترائب، ونشأتهم الثانية من قبورهم من الماء الذي ينزل من تحت العرش، فينبتون فيه كنبات البَقْل، حتى تتكامل أجسادهم، ونبات مَن يدخل النار، ثم يخرج منها من ماء نهر الحياة أو الحيا. فتح الباري (1/ 96).
قوله: «فقالَ رجلٌ مِن القومِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال رجل من القوم» لم أرَ مَن سمَّاه. البحر المحيط الثجاج (5/ 226).
قوله: «كأنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قدْ كان بالباديةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كان في البادية» فرأى سرعة نبات الحِبَّة في حَمِيل السَّيل، فشبَّه سرعة نبات القوم بسرعة نبات الحِبَّة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 306).
وقال السندي -رحمه الله-:
«قد كان بالبادية» حيث عرف أحوال السيول. كفاية الحاجة (2/ 583).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«كأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد كان بالبادية» أي: حيث علم كيفية نبات الحِبَّة في جانب السَّيل؛ لأنَّه لا يصف هذا الوصف الدقيق إلا من عاش في البادية، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (5/ 226).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا الحديث: ردٌّ على الخوارج والمعتزلة، حيث حكموا بخلود أهل الكبائر في النار، وأنَّهم لا يخرجون منها أبدًا...، وردٌّ على المرجئةِ، حيث يقولون: لا يدخلون النار. المفهم (3/ 78).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: أنَّ فيه: إثبات الشفاعة...
ومنها: بيَّن أنَّ أصحاب النار الذين حكم الله تعالى بكونهم مخلدين فيها من الكفار وغيرهم، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون حياة تسرهم، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} فاطر: 36.
ومنها: أنَّ العصاة من أهل الإيمان الذي أدخلوا النار، فإنَّ الله تعالى يرحمهم؛ بأنْ يميتهم، فيصيروا حِمَمًا حتى لا يحسوا بألمها، وشدة عذابها.
ومنها: أنَّ فيه الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يحكمون بخلود أهل الكبائر في النار، وأنَّهم لا يخرجون منها أبدًا، وهو مذهب باطل بنصوص الكتاب والأحاديث الصحيحة.
ومنها: أنَّ الله تعالى يأذن للملائكة والأنبياء والمؤمنين أنْ يشفعوا في أهل التوحيد، فيخرجوهم من النار.
ومنها: أنَّ أهل الجنة يؤمرون بإفاضة الماء على هؤلاء الذين صاروا حِمَمًا على أبواب الجنة، حتى يحيوا حياة جديدة؛ ليعيشوا معهم في أطيب عيش، وأهنئه، نعيم بلا نكد، وملك إلى الأبد؛ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (5/ 226-227).