«مَن قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كان له عَدل رقبة من ولد إسماعيل، وكُتب له عشرِ حسنات، وحُطَّ عنه عشر سيئات، ورُفِعَ له عشر درجات، وكان في حِرْزٍ من الشيطان حتى يمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح».
رواه أحمد برقم: (16583)، وأبو داود برقم: (5077)، وابن ماجه برقم: (3867) من حديث أبي عياش الزرقي -رضي الله عنه-.
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (656)، مشكاة المصابيح برقم: (2395).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«عَدل»:
العِدل والعَدل بالكسر والفتح في الحديث: وهُما بمعنى: الْمِثْل، وقيل: هو بالفتح ما عادله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس. النهاية، لابن الأثير(3/ 191).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
العَدْل: مَا عَادلَ الشَّيْء من غير جنسِه. والعِدْل: المِثل. تهذيب اللغة(2/١٢٣).
«رقبة»:
الرقبة: المملوك، وأَعْتَقَ رقبة أي: نَسَمَةً. تاج العروس، للزبيدي (2/ 518).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هي في الأصل العُنُق، فجُعلت كناية عن جميع ذات الإنسان؛ تسمية للشيء ببعضه، فإذا قال: أَعْتَقَ رقبة، فكأنه قال: أَعْتَقَ عبدًا أو أَمَة. النهاية في غريب الحديث(2/ 249).
«حِرْز»:
الحِرْزُ: المكان الذي يُحفظ فيه، والجمع أَحْرَاز. المصباح المنير، للفيومي(1/ 129).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أَحْرَزْت الشيء أُحْرِزه إحرازًا إذا حفظتَه، وضَمَمْتَه إليك، وصُنْتَه عن الأخذ. النهاية (1/ 366).
شرح الحديث
قوله: «من قال إذا أصبح»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من قال» شرطية «إذا أصبح» ظرفية. مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
قوله: «لا إله إلا الله»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لا إله»: أي: لا مألوه، وليس بمعنى لا آله، والمألوه: هو المعبود محبة وتعظيمًا، تحبه وتعظمه؛ لِمَا تعلم من صفاته العظيمة، وأفعاله الجليلة.
وقوله: «إلا الله»: أي: لا مألوه إلا الله، ولهذا حُكي عن قريش قولهم: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 64).
وقال الشيخ البسام -رحمه الله-:
«لا إله إلَّا الله»: هي نفي الإلهية عن كل ما سوى (الله) تعالى كائنًا من كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون أحد سواه.
وهذا هو التوحيد الذي أُرْسِلَت به الرسل، ونَزَلت من أجله الكتب. قال الوزير: وجملة الفائدة في ذلك: أنْ تَعْلَمَ أنَّ هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ فإنَّك لَمَّا نفيت الإلهية وأثبتَّ الإيجاب لله سبحانه، كنتَ ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.
وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلَّاَّ الله، ولم يعلم معناها، ولم يعمل بمقتضاها: أنه يقاتل حتى يعمل بما دلَّت عليه من النفي والإثبات. توضيح الأحكام (7/ 533).
قوله: «وحده لا شريك له»:
قال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«وحده لا شريك له» هذا تأكيد وبيان لمضمون معنى لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله. توضيح الأحكام (7/ 533).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وحده لا شريك له» «وحده»: توكيد للإثبات «لا شريك له»: توكيد للنفي في كل ما يختص به من الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 67).
قوله: «له الملك، وله الحمد»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«له الملك» أي: أبدًا، «وله الحمد» أي: سرمدًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
وقال عبيد الله المباكفوري -رحمه الله-:
«له الملك وله الحمد» أي: على وجه الاختصاص حقيقة وإن وجِدا في الجملة لغيره صورة. مرعاة المفاتيح (8/ 135).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
استفدنا توحُّده بالملك من تقديم الخبر «له الملك»؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
والْمُلْك يشمل مُلك الذوات -أي: الأعيان- ومُلك التصرف، والله -سبحانه وتعالى- مالك لكل ما في السموات والأرض، مالكٌ للتصرف فيهما لا شريك له في ملكه ولا في تدبيره.
وقوله: «وله الحمد» يعني: أنه يُحمد على كمال صفاته، وعلى كمال إنعامه وإحسانه، وكذلك على كمال تصرفه وأفعاله، وأعقب به قوله: «له الملك»؛ ليفيد أن مُلكه مُلك يُحمد عليه، فما كل مَن مَلَك شيئًا وتصرف فيه يُحمد على تصرفه، لكن الله -عز وجل- يُحمد على مُلكه وتصرفه. شرح حديث جابر في صفة حجة النبي (ص: 38).
قوله: «وهو على كل شيء قدير»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وهو على كل شيء قدير» أي: دائمًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «وهو على كل شيء قدير» كل شيء فالله تعالى قادر عليه، إن كان موجودًا فهو قادر على إعدامه وتغييره، وإن كان معدومًا فهو قادر على إيجاده، والقدرة: صفة يتمكن بها من الفعل بدون عجز، وهي أخص من القوة من وجه، وأعم من وجه؛ لأن القوة يوصف بها من له إرادة ومن لا إرادة له، فيقال: حديد قوي، وإنسان قوي، وأما القدرة فلا يوصف بها إلا من كان ذا إرادة، فيقال: الإنسان قدير، ولا يقال: الحديد قدير، لكن القوة أخص؛ لأنها قدرة وزيادة، ولهذا نقول: كل قوي ممن له قُدرة فهو قادر، ولا عكس. شرح حديث جابر بن عبد الله في صفة حجة النبي (ص: 39).
قوله: «كان له عَدل رقبة من ولد إسماعيل»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان له» أي: لذلك القائل. مرشد ذوي الحجا (23/ 89).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كان له عَدل رقبة» أي: إعتاق رقبة. بذل المجهود (13/ 473).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «من ولد إسماعيل» صفة «رقبة»، المعنى: حصل له من الثواب مثل ما لو اشترى ولدًا من أولاد إسماعيل -عليه السلام- وأعتقه، وإنما خصه لأنه أشرف الناس. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1880).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من ولد إسماعيل» صفة رقبة، وهو بفتح الواو واللام وبضم وسكون أي: أولاده، والتخصيص لأنهم أشرف من سُبِيَ، ولا دلالة للحديث على جواز ضرب الرِّق على العرب، ولا على نفيه، خلافًا لما فهمه ابن حجر من الجواز، وقال: والقول بمنعه عجيب. مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
وقال عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«من ولد إسماعيل» أي: من ذرية إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 322).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
أي: حصل له من الثواب ما لو اشترى ولدًا من أولاد إسماعيل -عليه الصلاة والسلام- وأعتقه، وإنما خصه لأنه أشرف الناس. إرشاد الساري (9/ 227).
قوله: «وكُتِبَ له عشر حسنات»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وكُتِبَ» أي: أُثبت مع هذا «له عشر حسنات». مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
قوله: «وحُطَّ عنه عشر سيئات»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وحُطَّ» أي: وُضِعَ ومُحِيَ «عنه عشر سيئات». مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وحُطَّ عنه عشر سيئات» أي: صغائر. بذل المجهود (13/ 473).
قوله: «ورُفِعَ له عشر درجات»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وَرُفِعَ» أي: أُثبت وكُتب «له» أي: لذلك القائل. مرشد ذوي الحجا (23/ 89).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ورفع له عشر درجات» أي: من درجات الجنان. مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
قوله: «وكان في حِرزٍ من الشيطان حتى يُمسي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وكان في حِرز» أي: حِفظٍ رفيعٍ وحصنٍ منيعٍ. مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من الشيطان» أي: من وسوسته وغوايته في ذلك اليوم «حتى يُمسي». مرشد ذوي الحجا (23/ 89-90).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى يمسي» ذلك القائل، أي: حتى يدخل في مساء ذلك اليوم، وهو آخر النهار إلى نصف الليل. مرشد ذوي الحجا (23/ 90).
قوله: «وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يُصبح»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وإذا أمسى» ذلك القائل، وقال في المساء مثل ما قال في النهار «فمثل ذلك». مرشد ذوي الحجا (23/ 90).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان له مثل ذلك» أي: ما ذُكر من الجزاء. مرقاة المفاتيح (4/ 1663).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فمثل ذلك» أي: فيكون له من الأجر مثل ذلك؛ أي: مثل ما كان له في النهار مِن عَدْلِ رقبة وما بعده «حتى يصبح» أي: حتى يدخل في صباح اليوم الثاني. مرشد ذوي الحجا(23/ 90).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهذا يدل على فضل هذا الدعاء، وعِظَم شأنه، ومع وجازته فيه هذا الثواب العظيم الذي يعادل إعتاق رقبة من ولد إسماعيل، وأنه يرفع له عشر درجات، ويحط عنه عشر خطيئات، فهذا كلام يسير، وعمل يسير، ولكن ثوابه جزيل وعظيم عند الله سبحانه. شرح سنن أبي داود (576/ 24).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
في الحديث: فضيلة هذا الذكر الذي هو أساس الإِسلام وأصله، والذي هو الباب الوحيد إلى الدخول في الإِسلام. توضيح الأحكام، باختصار (7/ 534).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
في هذا الحديث فوائد:
منها: فضيلة هذا الذكر: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».
ومنها: أنه لا زيادة فيه، أي: ليس فيه زيادة: «يحيي ويميت»، لكنها وردت في الذِّكر الذي بعد المغرب والعشاء، أما هذه فليس فيها: «يحيي ويميت».
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي في الأمور المهمة أن تؤكَّد سواء كانت إثباتًا أو نفيًا؛ من قوله: «وحده لا شريك له».
ومن فوائد الحديث: الإشارة إلى فضيلة العرب، لماذا؟ لأنه قال: «من ولد إسماعيل»، ولم يقل: كمن أعتق أحدًا من الأَرِقَّاء، قال: «من ولد إسماعيل»، وهذا أمر ذكرنا الإشارة إليه في الشرح أن العرب هم أفضل أجناس البشر. فتح ذي الجلال والإكرام، باختصار (6/ 468-470).
ولمعرفة المزيد في فضل هذا الذكر، ينظر حديث رقم: (500).