«بُعثتُ أنا والساعةُ كهاتينِ» قال: وضَمَّ السبَّابةَ والوُسطَى.
رواه البخاري برقم: (6504)، ومسلم برقم: (2951) واللفظ له، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بُعِثْتُ»:
أي: أُرْسِلْتُ. التيسير، للمناوي (1/ 433).
وقال الراغب -رحمه الله-:
أصل البَعْث: إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بَعَثْتُهُ فَانْبَعَثَ...، فالبعث ضربان:
- بشريٌّ، كبعث البعير، وبعث الإنسان في حاجة.
- وإلهي، وذلك ضربان:
أحدهما: إيجاد الأعيان والأجناس والأنواع...، وذلك يختص به الباري تعالى، ولم يقدر عليه أحد.
والثاني: إحياء الموتى، وقد خص بذلك بعض أوليائه، كعيسى -صلّى اللّه عليه وسلم- وأمثاله. المفردات(1/ 144-145).
«السَّاعةَ»:
جزءٌ من أجزاء الزمان، ويعبَّر به عن القيامة، قال (تعالى): {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} القمر: 1. المفردات، للراغب(ص: 434).
وقال الفتني -رحمه الله-:
«الساعة» يوم القيامة، وهي في الأصل تكون عبارة عن جزءٍ قليل من ليل أو نهار. مجمع بحار الأنوار(3/ 147).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «بُعثتُ أنا والساعةُ كهاتينِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«بُعثتُ» بضم الباء الموحدة، مبنيًّا للمفعول، أي: أُرسلتُ «أنا والساعة» يوم القيامة «كهاتين» الإصبعينِ، و«الساعة» نُصِبَ مفعول معه، ويجوز الرفع عطفًا على ضمير الرفع المتصل مع عدم الفاصل، وهو قليل، وفي رواية أبي ضمرة، عن أبي حازم -عند ابن جرير-: «وضمَّ بين إصبعيه الوسطى، والتي تلي الإبهام، وقال: ما مثلي ومثل الساعة، إلا كفرسَي رِهان». إرشاد الساري (15/ 448 - 449).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «بُعثتُ أنا والساعةَ» روي بنصبها ورفعها، والمشهور نصبها على المفعول معه. المنهاج شرح مسلم (6/ 154).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
إنْ أراد النووي بالمشهور: المشهور من حيث الرواية فذاك، وإلا فمن حيث القاعدة النحوية في مثل هذا الرفع أولى؛ لأنه إذا أمكن العطف بلا ضعف فهو أحق، وهنا كذلك للفصل بالضمير المنفصل، وإلا فالنصب أحق، نحو سرتُ وزيدًا؛ لعدم الفصل، وإلى هذا أشار ابن مالك -رحمه الله- في الخلاصة (ألفيته) حيث قال:
والعطف إنْ يمكن بلا ضعف أحق *** والنصب مختار لدى ضعف النَّسَق. البحر المحيط الثجاج (17/ 259).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«بُعثتُ أنا والساعة» الإعراب الذي يُعتمد عليه من طريق الرواية هو الرفع، وللنصب فيه مساغ، وتكون الواو بمعنى "مع" ولم تبلغنا فيه رواية. الميسر (4/ 1180).
وقال أبو البقاء العكبري -رحمه الله-:
في حديثه: «بُعثتُ أنا والساعةَ» لا يجوز فيه إلا النصب، والواو فيه بمعنى "مع" والمراد به المقدَّر، ولو رفع لفسد المعنى؛ لأنَّه يكون تقديره: بُعثتُ أنا وبُعثت الساعةُ، وهذا فاسد؛ إذ لا يقال: بُعثت الساعةُ إلا في الوقوع؛ لأنَّها لم تُوجَد بعد، (و) حذف حرف الجر، وتعدية الفعل بنفسه. إعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث النبوي (ص: 12).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وأجاز غيره (أي: غير أبي البقاء) الوجهين، بل جزم عياض بأنَّ الرفع أحسن، وهو عطف على ضمير المجهول في «بعثتُ» قال: ويجوز النصب...
قلتُ: والجواب عن الذي اعتل به أبو البقاء أولًا: أنْ يُضمَّن «بُعثتُ» معنًى يجمع إرسال الرسول، ومجيء الساعة، نحو: جئت.
وعن الثاني: بأنها نزلت منزلة الموجود؛ مبالغة في تحقق مجيئها.
ويرجِّح النصب ما وقع في تفسير سورة والنازعات من هذا الصحيح من طريق فضيل بن سليمان عن أبي حازم بلفظ: «بعثتُ والساعة»؛ فإنَّه ظاهر في أنَّ الواو للمعية. فتح الباري (11/ 348).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قوله: "فإنَّ الواو للمعية" أي: لأنه لو عطف للزم العطف على الضمير المتصل بلا فاصل، وهو ضعيف، كما قال ابن مالك -رحمه الله- بعد البيت السابق:
أو فاصلٍ ما وبلا فصلٍ يَرِدْ *** في النظم فاشيًا وضَعْفَهُ اعْتَقِدْ
والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (45/ 11).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
أما قوله: «بعثتُ أنا والساعة كهاتين» فمعناه: أنا النبي الآخِر؛ فلا يليني نبيٌّ آخر، وإنما تليني القيامةُ، كما تلي السبابةَ الوسطى، وليس بينهما إصبع آخر، وهذا لا يوجب أنْ يكون له عِلْم بالساعة نفسها، وهي مع ذلك دانية؛ لأن أشراطها متتابعة، وقد ذكر الله الأشراط في القرآن، فقال: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} محمد: 18، أي: دنَت، وأولها النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه نبي آخر الزمان، وقد بُعث وليس بينه وبين القيامة نبيّ. التذكرة (3/ 1219).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«بعثتُ أنا والساعة كهاتين» يريد أنَّ دِينه وملَّته متصل بقيام الساعة، لا يفصله عنه دين آخر، ولا يفرق بينهما دعوة أخرى، كما لا يفصل شيء بين السبابة والوسطى، وقيل: معناه: أنَّ نسبة تقدُّم بعثته على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الإصبعين على الأخرى. تحفة الأبرار (3/ 384 - 375).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «بعثتُ أنا والساعة» قيل: بالنصب على أنه مفعول معه، وقيل: بالرفع على العطف، ويُشكل عليه أنَّ الساعة لا توصف بالبعث، ولو سُلِّم فلا يصح أنْ يقال: إنَّ الساعة بُعثت؛ لعدم المضي، فالوجه أنه على تضمين معنى الجعل، والتقدير: جُعلتُ أنا، أو "قدِّرت أنا والساعة كهاتين"، والمقصود بيان القرب بينهما؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين. كفاية الحاجة (2/ 496).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
الساعة: جزءٌ من أجزاء الزمان، ويُعبَّر بها عن القيامة، وقد وردت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- على أقسام ثلاثة:
الساعة الكبرى: وهي بعث الناس للجزاء (وهي المرادة هنا).
والساعة الوسطى: وهي انقراض القرن الواحد بالموت.
والساعة الصغرى: وهي موت الإنسان. الميسر (4/ 1181).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
يحتمل وجهًا آخر وهو: أنْ يكون المراد منه ارتباط دعوته بالساعة، لا تفترق أحدهما عن الأخرى، كما أنَّ السبابة لا تفترق عن الوسطى، ولا يوجد بينهما ما ليس منهما. الميسر (4/ 1180).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«كهاتين» حال، أي: مقترنين، فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، وعلى الرفع يحتمل هذا، ويحتمل أنْ يقع بالتفاوت الذي بين السبابة والوسطى فتأمله، ويدل عليه قول قتادة في بعض رواياته: «كفضل إحداهما على الأخرى» وحاصله: تقريب أمر الساعة التي هي القيامة، وسرعة مجيئها، وهذا كما قال (تعالى): {فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا} محمد: 18، قال الحسن (البصري): أول أشراطها: محمد -صلى الله عليه وسلم-. المفهم (7/ 305).
قال: «وضَمّ السبَّابةَ والوُسطَى»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
ولبعض السلف في تعيين ذلك (التفاوت الذي بين الأصبعين المذكورتين) كلام افتضح فيه بمرور زمان طويل بعده، ولم يقع ما قاله، فالصواب الإعراض عن ذلك. إرشاد الساري (8/ 171).
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «بعثتُ أنا والساعةَ كهاتين» وذكر أنَّه أشار بالسبّابة والوسطى، وفي الرواية الأخرى: «وقرنَ»، وفي الأخرى: «وضم» يعني: لتقارب إحداهما من الأخرى، إما في المجاورة، وإمّا في قدرِ ما بينهما من قُرب لحاق السبابة بالوسطى، ويعضد هذا التأويل الآخر قولُه في الرواية الأخرى: «كفضل إحداهما على الأخرى»، وقد حاول بعض الناس أن يجعل نسبة ما بينهما كنسبة ما يذكر مما بقي من مدة الدنيا مما مضى، في أخبارٍ لا تصح، لكن أبا داود خرّج تأخير هذه الأمة بنصف يوم، وفسَّره بخمسمائة سنة، فيأتي من حساب أيام الجمعة (أي: الأسبوع) نصف سُبع، وهو قريب مما بين الأصبعين المذكورين. إكمال المعلم (8/ 507).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
«بعثتُ أنا والساعة، كهذه من هذه، أو كهاتينِ» وقرن بين السبابة والوسطى»...يريد أنَّ ما بيني وبين الساعة من مستقبلِ الزمان بالقياس إلى ما مضى منه، مقدار فضلِ الوسطى على السبّابة، ولو كان أراد غير هذا المعنى لكان قيام الساعة مع بعثته في زمان واحد. أعلام الحديث (3/ 2037).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ويحتمل أنه تمثيل لمقاربتهما، وأنه ليس بينهما أصبع أخرى، وأنَّ كل واحدة متصلةٌ بصاحبتها، كما أنه لا شيء بين محمد -عليه السلام- والساعة، وقد تكون لتقريب ما بينهما من المدة تُقدَّر بقدرِ السبابة من الوسطى. إكمال المعلم (3/ 268).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«بعثتُ أنا والساعة كهاتين» ويقرن بين السبابة والوسطى، يعني: بين الإصبعين، السبابة وهي التي بين الوسطى والإبهام، والوسطى، وأنت إذا قرنتَ بينهما وجدتهما متجاورين، ووجدتَ أنه ليس بينهما إلا فرق يسير، ليس بين الوسطى والسبابة إلا فرق يسير، مقدار الظفر، أو نصف الظفر...، والمعنى: أنَّ أجَلَ الدنيا قريب، وأنه ليس ببعيد، وهذا كما فعل -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم حيث خطب الناس في آخر النهار، والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إنه لم يبقَ من ديناكم، إلا مثل ما بقي من هذا اليوم» فإذا كان الأمر كذلك والنبي -صلى الله عليه وسلم- الآن مات له ألف وأربعمائة سنة، ولم تقم القيامة، دل هذا على أنَّ الدنيا طويلة الأمد، ولكن ما يقدره بعض الجيولوجيين من عمر الدنيا الماضي بملايين الملايين فهذا خرصٌ، لا يصدَّق ولا يكذَّبُ، فهو كأخبار بني إسرائيل؛ لأنه ليس لديْنا علم من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في مقدار ما مضى من الدنيا، ولا في مقدار ما بقيَ منها على وجه التحديد، وإنما هو كما ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الأمثال. شرح رياض الصالحين (2/ 334 - 335).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«السبابة» سميت سبابة؛ لأنه يشار بها عند السبّ، ومسبِّحة؛ لأنه يشار بها إلى تسبيح الله تعالى، «والوُسطى» سميت به؛ لأنها كانت وسط الأصابع الخمسة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (1/ 171 - 172).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
فيه: إشارةٌ إلى أنه آخر الأنبياء، ليس بعده نبي، ولا يَلْحَقُ شرعَه نسخٌ. مصابيح الجامع (9/ 90).
ولمعرفة المزيد من أشراط الساعة ينظر حديث رقم: (826) ورقم: (135) ورقم: (658) ورقم: (235).