الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«إنَّما بُعثتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ».


رواه أحمد برقم: (8952)، والبخاري في الأدب المفرد برقم: (273)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند البزار برقم: (8949)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (20782): «إنَّما ‌بُعثتُ ‌لأتمِّمَ ‌مَكارمَ الأخلاقِ».
وفي لفظ عند مالك في الموطأ برقم: (3357): «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخلاقِ».
صحيح الجامع برقم: (2349)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (45)، صحيح الأدب المفرد برقم: (273).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بُعِثْتُ»:
أُرْسِلْتُ. التيسير، للمناوي (1/ 362).

«مَكَارِمَ»:
المكارم: جمع مَكرُمَة، وهي خصلةٌ يُكرم الشخصُ بها. المفاتيح، للمظهري (6/ 112).
وقال العيني -رحمه الله-:
مَكارم: أي: الفضائلُ والمحاسنُ، لا الرذائلُ والقبائح. عمدة القاري (22/ 118).


شرح الحديث


قوله: «إنَّما بُعثتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ»:
قال العزيزي -رحمه الله-:
«لأتمم» اللام للتعليل. السراج المنير (2/ 162).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّما بُعثتُ» أُرسلتُ «لأتمِّم» أي: لأجل أنْ أُكملَ «صالح» في رواية بدله «مَكَارِمَ» «الأخلاق» بعدما كانت ناقصة، أو أجمعها بعد التفْرقة.
الأنبياء بعثوا بمكارم الأخلاق، وبقيت بقيَّة، فبُعثت بما كان معهم وبتمامها، أو أنها تفرَّقت فيهم، فأُمِرَ بجمعها لتخلُّقه بالصفات الإلهية (كذا قال مع أنَّ من الصفات الإلهية ما هو من خصائص الله، ومنها ما يمكن أنْ يتصف به المخلوق، وله منه ما يناسب كونه عبدًا مخلوقًا). التيسير (1/ 362).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«إنَّما بُعثت لأتمِّم صالحَ الأخلاق» وأخرجه البزار من هذا الوجه بلفظ: «مكارم» بدل «صالح» وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، عن صفية بنت حُيي قالت: «ما رأيتُ أحدًا أحسن خُلُقًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»، وعند مسلم (طرفه الأول، والبقية للطبراني في الأوسط) من حديث عائشة: «كان خُلُقه القرآن، يغضبُ لغضبه، ويرضى لرضاه». فتح الباري (6/ 575).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
«إنَّما بُعثتُ لأتممَ صالحَ الأخلاقِ» فكان معنى ذلك عندنا -والله أعلم-: أنَّ الله -عز وجل- إنَّما بعثه ليكمِّل للناس دينهم، وأنزل عليه مما يدخل في هذا المعنى، وهو قوله -عز وجل-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} المائدة: 3، فكانت بعثته إياه -عز وجل- ليُكمل للناس أديانهم التي قد كان تعبَّد مَن تقدَّمه من أنبيائه بما تعبَّده به منها، ثم كمَّلها -عز وجل- له بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} المائدة: 3، والإكمال: هو الإتمام، فهو معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «بُعثتُ لأتمِّم صالحَ الأخلاق» أي: صالح الأديان، وهو الإسلام، وبالله التوفيق. شرح مشكل الآثار (11/ 262).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنَّما بُعثتُ لأتمم صالحَ الأخلاق» أي: التي جَبل الله عباده عليها، من الوفاء والمروءة والحياء والعفة؛ ولِمَا قد علمهم رسل الله من قبل، قيل: الأخلاق هي صلاح الدين والدنيا والمعاد التي جمعها في قوله: «اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلِح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي». التنوير (4/ 190).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«إنَّما بُعثتُ لأتمِّم صالحَ الأخلاقِ» وهذا حديث مدنيّ صحيح، ويدخل في هذا المعنى: الصلاح والخيرُ كله، والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل؛ فبذلك بُعث ليتمِّمه -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال العلماء: إنَّ أجمع آية للبِرِّ والفضل ومكارم الأخلاق قوله -عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل: 90، وروينا عن عائشة -ذكره ابن وهب وغيره- أنها قالت: «مكارم الأخلاق: صدق الحديث، وصدق الناس، وإعطاء السائل، والمكافأة، وحفظ الأمانة، وصِلة الرحم، والتذمم للصاحب، وقِرَى الضيف، والحياء رأسها». التمهيد (16/ 276).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنَّما بعثتُ لأتمم صالح الأخلاق» وفي اللفظ الآخر: «لأتمم مكارمَ الأخلاق» فبعثه الله ليدعو الناس لمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وأساسها: توحيد الله، والإخلاص له، هذا هو أصل الأخلاق الكريمة وأساسها، وأعظمها وأوجبها، وهو توحيد الله، والإخلاص له، وترك الإشراك به، ثم يلي ذلك الصلوات الخمس، فهي أعظم الأخلاق، وأهمها بعد التوحيد، وترك الإشراك بالله -سبحانه وتعالى-، وقد وصف الله -سبحانه وتعالى- نبيه بأنه على خُلُق عظيم، فقال -جل وعلا-: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: 4، وخُلقه -صلى الله عليه وسلم- هو اتباع القرآن، والسير على منهج القرآن فعلًا للأوامر، وتركًا للنواهي، هذا هو خُلقه -عليه الصلاة والسلام-، كما قالت أم المؤمنين -رضي الله عنها- عائشة لما سُئلت عن خُلُق النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: «كان خُلُقه القرآن». مجموع فتاوى (7/ 152 - 153).

وفي لفظ: «إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» بل الأظهر أنَّ الأخلاق كلّها كانت ناقصة فيمَن قبلنا، وإنَّما كمُلت في ديننا ببركة نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذا قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران:110. مرقاة المفاتيح (8/ 3182).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«مكارم الأخلاق» جمع مَكرُمة: خصلة يستحق الشخص بها أنْ يكون كريمًا، والمراد من الأخلاق الأحوال...، وحاصله: أنَّ شريعته أفضل الأفعال، وطريقته أكمل الأحوال. مرقاة المفاتيح (9/ 3691).
وقال الحكيم الترمذي -رحمه الله-:
قال -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق» فهذا يدل على أنَّ الأنبياء -عليهم السلام- قبله -صلى الله عليه وسلم- كانت معهم هذه الأخلاق، وبقيت منها بقية بُعِثَ هو ليتممها. نوادر الأصول (2/ 312).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: إنَّ الله سبحانه بعثني إلى العالم؛ ليتمِّمَ بوجودي مكارم أخلاق عباده. المفاتيح (6/ 112).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
إنَّ مكارم الأخلاق قابلة للازدياد، فكان حظ إبراهيم منها حظًّا كاملًا، لعله أكمل من حظِّ نوح، بناءً على أنَّ إبراهيم أفضل الرسل بعد محمد -صلى الله عليه وسلم-، وادّخر الله منتهى كمالها لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلذلك قال: «إنَّما بُعثتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق»، ولذلك أيضًا وُصفت ملة إبراهيم بالحنيفيَّة، ووصف الإسلام بزيادة ذلك في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بُعثتُ بالحنيفيَّة السَّمحة». التحرير والتنوير (23/ 138).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«إنَّما بُعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاق» وهكذا كانت شريعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تنمية للأخلاق الفاضلة، وتطهيرًا من كل رذيلة؛ فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير؛ كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه، فإنَّ الإسلام يأمر به وهذه تزكية؛ وينهى عن ضد ذلك؛ ينهى عن الإثم والقطيعة والعدوان والعقوق والكذب والغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، وهذه أيضًا تزكية، وحال الناس قبل الإسلام بالنسبة للعبادة لا تسأل! شرك، وكفر؛ وبالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تسأل أيضًا عن حالهم! القوي يأكل الضعيف؛ والغني يأكل الفقير؛ ويأكلون الربا أضعافًا مضاعفة؛ يغِيرُ بعضهم على بعض؛ يتعايرون بالأنساب؛ يدعون بدَعوى الجاهلية...، (و) جاء الإسلام وهدَمَ كل هذا، ومَن تدبر التاريخ قبل بعثه -صلى الله عليه وسلم- وبعده، علمَ الفَرْقَ العظيم بين حال الناس قبل البعثة، وحالهم بعدها؛ وظهر له معنى قوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ} الجمعة: 2. تفسير الفاتحة والبقرة (2/ 67 - 68).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
مكارمُ الأخلاق: أي: الأخلاق الكريمة، والخُلق الكريم هو مكرمةٌ لصاحبه، وقد جاء في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إنَّما بُعِثتُ لأُتمِّمَ مَكارِمَ الأخلاقِ»، وقد تمَّم الله بنبيه -صلى الله عليه وسلم- مكارم الأخلاق بما شرع له وهداه إليه، فتمّم -صلى الله عليه وسلم- مكارم الأخلاق تعليمًا ودعوة وتخلُّقًا، حتى أثنى عليه ربُّه في قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: 4. الجامع لفوائد بلوغ المرام (3/ 308).

وفي لفظ: «بعثتُ لأتمِّمَ حُسْنَ الأخلاقِ»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
(عن) مالك أنَّه بلغه أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «بُعثتُ لأتمم حُسْن الأخلاق» وهذا الحديث يتصل من طرق صحاح عن أبي هريرة وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. التمهيد (24/ 333).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بُعثتُ» بصيغة المفعول، أي: أُرسلتُ إلى الخلقِ «لأتممَ حُسْن الأخلاقِ» بضم حاء، وسكون سين، أي: الأخلاق الحسنة، والأفعال المستحسنة، وفي نسخة: بفتحتين، أي: لأن أجعلَ حَسَنَها أحْسَنَها. مرقاة المفاتيح (8/ 3183).
وقال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-:
«بُعثتُ لأتمِّمَ حُسْن الأخلاقِ» يحتمل أنْ يريد به بُعثتُ بالإسلام؛ لأتممَ شرائعه، وحُسن هديه وزيه وسمته حسن الأخلاق؛ لأنَّ العرب وإنْ كانت أحسن الناس أخلاقًا بما بقي عندهم مما تقدَّم من الشرائع قبلهم، فقد كانوا ضلوا بالكفر عن كثير منها، ومنها ما خُص به نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فتتم بالأمرين محاسن الأخلاق. المنتقى شرح الموطأ (7/ 213).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لأتمم حُسْن الأخلاق» يحتمل أنْ يُراد به أنه كمَّلها بعد النقصان، وأنه جمعها بعد التفْرقة، وعليه قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنعام: 90. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3240).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا- على كلام الطيبي:
ولا منْعَ من الجمع بين القولين؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان في مرتبة جَمْعِ الجمع، الله يجمع بيننا في المسير، وإليه المصير. مرقاة المفاتيح (8/ 3183).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«بعثتُ لأتمم حُسْن الأخلاق»... هو -صلى الله عليه وسلم- كان جامعًا لجميع خصائل الأنبياء وكمالاتهم -صلوات الله عليهم أجمعين-، مع ما يُخَصُّ به من الفضائل والكرامات، وقد تمَّت به دائرة النبوة، وخُتمت به، فلم يبقَ شيءٌ من الكمالات التي تترقب للإنسان، فلا حاجة إلى بعث نبيٍّ آخر، وإنَّما بقي الاحتياج إلى مَن يحفظه، وهم علماء أمَّته الحافظون لشريعته، كأنبياء بني إسرائيل الذين حَفِظُوا دِين موسى، وأقاموا أحكام التوراة بعده، بل الحافظ في الحقيقة والمتكفِّل لحفظ هذا الدين القويم هو الله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9، قالوا: وكَّل الله تعالى حفظ التوراة إلى الأحبار والربانيين الذين استُحفظوا من كتاب الله، فلا جرم إنَّ تَطَرَّقَ إليه التحريف والتغيير...، فتتميمه -صلى الله عليه وسلم- مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال بالزيادة بعد النقصان، وبالجمع بعد التفريق إلى أنْ نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} المائدة: 3، فارتحل -صلى الله عليه وسلم- من هذا العالَم، وترك بعده خلفاء -رضوان الله عليهم أجمعين-. لمعات التنقيح (8/ 335 - 336).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الخُلُق: هو السَّجية والطَّبع، وهو كما يقول أهل العلم: صورة الإنسان الباطنة، لأن للإنسان صورتين:
صورة ظاهرة: وهي شكل خِلقته التي جعل الله البدن عليه. وهذه الصورة الظاهرة منها ما هو جميل حسن، ومنها ما هو قبيح سيئ، ومنها ما بين ذلك.
صورة باطنة: وهي حال للنفس راسخة، تصدر عنها الأفعال من خير أو شر، من غير حاجة إلى فكر ورويّة. وهذه الصورة أيضًا منها ما هو حسن إذا كان الصادر عنها خُلقًا حسنًا، ومنها ما هو قبيح إذا كان الصادر عنها خُلقًا سيئًا.
وهذا ما يُعبر عنه بالخُلق؛ فالخُلق إذن هو الصورة الباطنة التي طبع الإنسان عليها. مكارم الأخلاق(ص: 9 ـ 10).


وللمزيد من الفائدة ينظر:

أحبّ الناس إلى رسول الله ﷺ أحاسنهم أخلاقًا.

الوصية بحسن الخلق مع الناس.


إبلاغ عن خطأ