السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إيَّاكُمْ ومُحَقَّرَاتِ الذُّنوبِ؛ فإنَّهنَّ يَجْتَمِعْنَ على الرَّجلِ حتى يُهْلِكْنَهُ، وإنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- ضَربَ لهُنَّ مثلًا: كمثلِ قومٍ نزلوا أرضَ فَلاةٍ، فحضرَ صَنِيعُ القومِ، فجعلَ الرَّجلُ ينطلِقُ، فيجيءُ بالعُودِ، والرَّجلُ يجيءُ بالعُودِ، حتَّى جمعُوا سوادًا، فأَجَّجُوا نارًا، وأَنْضَجُوا ما قذفُوا فيها».


رواه أحمد برقم: (3818)، واللفظ له، والطبراني في الكبير برقم: (10500)، والبيهقي في الكبرى برقم: (20762) والشُّعب برقم: (281)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2687) وصحيح الترغيب والترهيب برقم: (2470).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«مُحَقَّرَاتِ»:
بفتح القاف المشددة، أي: صغائرها (والتي يحتقرها فاعلُها). حاشية السند على مسند أحمد (1/647).

«فَلَاةٍ»:
الفَلاة: المَفازة، والجميع فَلَوات وفلاءً، وسُميت ‌الفَلاةُ فَلاءً؛ لأنها فُليَتْ عن مائها أي: فُطِمَت عنه لبُعده. المحيط في اللغة، للصاحب بن عباد (10/ 340).
قال الفيومي -رحمه الله-:
الفلاة: هي الأرضُ القَفْر. فتح القريب المجيب (10/ 417).

«صَنِيعُ القومِ»:
هو طعامُهم. فتح القريب المجيب، للفيومي (10/ 417).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
(وفي) حديثُ الخُدَري... «أوْقِدُوا واصْطَنِعُوا» أي: اتّخِذوا صَنِيعًا، يعني: طَعَامًا، تُنْفِقونه في سبيلِ اللَّهِ. النهاية (3/ 56).


شرح الحديث


قوله: «إيَّاكُم ومُحَقَّرَاتِ الذنوبِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«محقَّراتِ الذنوبِ» بفتح القاف المشدّدة، وهي التي يحتقرها فاعلُها. إرشاد الساري (18/ 286).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ومحقَّراتِ الذنوبِ» أي: صغائرها، وخصّ بها؛ فإنه ربما يتسَامَح صاحبها فيها بعدم تداركها بالتوبة، وبعدم الالتفات لها في الخشية؛ غفلة منه أنه لا صغيرة مع الإصرار، وأنَّ كل صغيرة بالنسبة إلى عظمة الله وكبريائه كبيرة، والقليلة منها كثيرة؛ ولذا قد يعفو الله عن الكبيرة، ويعاقب على الصغيرة، كما يُستفاد من قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} النساء: 48. مرقاة المفاتيح (8/ 3357).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إياكم ومحقَّراتِ الذنوبِ» أي: صغائرها التي لا تستعظمونها، فلا تتحرزون عنها، فإنها مؤدية إلى ارتكاب كبائرها. التيسير (1/ 405).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«إيّاكم ومحقَّراتِ الذنوبِ» أي: صغائرها؛ لأن صغارها أسباب تؤدي إلى ارتكاب كبارها، كما أنَّ صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها...، وإنَّ الله يعذب مَن شاء على الصغير، ويغفر لمَن شاء الكبير. فيض القدير (3/ 127).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومحقَّراتِ الذنوبِ»...ليس المراد من المحقرات الصغائر، بل كل ما تستحقرُهُ النفوسُ، وتراه ليس بجُرم، فلا يتوب عنه، ولا ينزجر عن فعله، فالمراد ما عدّوه حقيرًا، وقد يكون كبيرًا في نفسه. التنوير(4/ 403 - 404).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
المحقَّرات إذا كثرت صارت كبائر بالإصرار عليها، والتمادي فيها، وقد روى ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران أنه سمع أبا أيوب يقول: «إنَّ الرجل ليعمل الحسنةَ فيثق بها (أي: يتكل عليها) ويغشى المحقَّرات، فيلقى الله يوم القيامة وقد أحاطت به خطيئته، وإنَّ الرجل ليعمل السيئة، فما يزال منها مشفقًا حذِرًا حتى يلقى الله يوم القيامة آمنًا»، وذكر أسد بن موسى عن ابن مسعود قال: «إياكم ومحقَّرات الذنوب...»... وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: «مثلُ الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقَّرات كرجل لقاه سبعٌ فاتّقاه حتى نجا منه، ثم لقيه فحلُ إبل فاتّقاه فنجا منه، فلدغته نملةٌ فأوجعته، ثم أخرى، ثم أخرى حتى اجتمعن عليه فصرعْنه، وكذلك الذي يجتنب الكبائر ويقع في المحقَّرات»، وقال أبو بكر الصديق: «إنَّ الله يغفرُ الكبائرَ فلا تيأسوا، ويعذبُ على الصغائر فلا تغترُّوا». شرح صحيح البخاري (10/ 202 - 203).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أنَّ الكبيرة قد يَقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رُتَبِها، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره. مدارج السالكين (1/ 337).

قوله: «فإنَّهنَّ يجتمعْنَ على الرجلِ حتى يُهلكنَهُ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإنهن يجتمعن على الرجل» وصفٌ طرديّ، والمراد: الإنسان. التيسير (1/ 405).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
يعني: أنَّ الصغائر إذا اجتمعت ولم تكفَّر أهلكت، ولم يذكر الكبائر؛ لنُدرة وقوعها من الصدر الأول، وشدة تحرزهم عنها، فأنذرهم مما قد لا يكترثون به. فيض القدير (3/ 127).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: بل لأنَّ المحقَّرات تتساهل بها النفوس، والكبائر قد عُلِمَ الزجر عنها. التنوير (4/ 404).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«فإنهن يجتمعْنَ على الرجل» المراد: الإنسان ذكرًا كان أو أنثى أو خُنثى «حتى يهلكنه». السراج المنير (2/ 226).
وقال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-:
صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض، حتى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة. إحياء علوم الدين (3/ 60).
وقال ابن النحاس -رحمه الله-:
اعلم أنه كما يجب اجتناب الكبائر الموبقات، يجب اجتناب الصغائر والمحقَّرات؛ لأن الصغيرة الواحدة متى أصرّ عليها العبد صارت من الكبائر، فالصغائر إذا اجتمعن أهلكن يوم تُبلى السرائر، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتم»، وروى أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح، عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إياك ومحقَّرات الذنوب، فإنما مثل محقَّرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعودٍ حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنَّ مُحَقَّرَات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه»...
والمقصود: أن العاقل اللبيب الطالب نجاة نفسه يوم القيامة يجب أنْ يتفطنَ للصغائر من الذنوب؛ لأن أكثرها خفيٌّ لا يدركه كثير من الناس؛ لكثرة وجودها، وعدم إنكارها، وغلبة الجهل بمحلها من الدِّين. تنبيه الغافلين (ص:310 - 311).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة، وهي تقدح في الأصول، كاستعارة طلاب العلم جزءًا لا يردُّونه، وقَصْدِ الدخول على مَن يأكل ليأكل معه، وتناول طعامٍ لم يُدعَ الإنسان إليه، والتسامح بعِرض العدو التذاذًا بذلك، واستصغارًا لمثل هذا الذنب، وإطلاق البصر هوانًا بتلك الخطيئة، وفتوى مَن لا يعلم؛ لئلا يقال: هو جاهل، ونحو ذلك مما يظنه صغيرًا وهو عظيم...، قال بعض السلف: "تسامحتُ بلقمة فتناولتها، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خَلْف"، فالله الله! اسمعوا ممن قد جرَّبَ، كونوا على مراقبة، وانظروا في العواقب، واعرفوا عظمة الناهي، واحذروا من نفخة تُحتقر، وشررة تُستصغر، فربما أحرقت بلدًا، وهذا الذي أشرتُ إليه يسير يدل على كثير، وأنموذج يُعرِّف باقي المحقَّرات من الذنوب. صيد الخاطر (ص: 149).

قوله: «وإنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ضربَ لهنَّ مثلًا: كمَثَلِ قومٍ نزلوا أرضَ فَلَاةٍ، فحضرَ صَنِيعُ القومِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«كمثل قوم» أي: كمثل فِعل قوم، أو قوم على أنه تمثيل غير ملاحظ فيه الأفراد. التنوير (4/ 403).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«بأرض فلاة» ذِكْرُ الأرض أو الفلاة مُقحم «فحضر صنيعُ القوم» بطعامهم. التيسير (1/ 405).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«صنيعُ القومِ» أي: صُنْعُهُم الطعام. التنوير (4/ 405).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
يحتمل أنَّ المراد بالرجل الجمع، أي: كرجالٍ كانوا بأرض فلاة، فحضر صنيعهم، أي: بطعامهم، أي: وقت صنيعهم، فـ"صنيع" مرفوع على الفاعلية، وإنْ بقي اللفظ على ظاهره، فالظاهر أنَّ صنيعَ منصوب على المفعول به، والفاعل ضمير الرجل. السراج المنير (2/ 226).
قوله: «فجعلَ الرجلُ ينطلقُ، فيجيءُ بالعودِ، والرجلُ يجيءُ بالعودِ، حتى جمعُوا سوادًا، فأجَّجُوا نارًا، وأنضجُوا ما قَذَفُوا فيها»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فجعلَ الرجلُ يجيءُ بالعُود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا من ذلك سوادًا» أي: شيئًا كثيرًا «وأجَّجوا» بجيمين: أوقدوا «نارًا، فأنضجوا ما فيها»، والقصد به: الحث على عدم التهاون بالصغائر، ومحاسبة النفس عليها؛ فإن في إهمالها الهلاك؛ ولذا قيل: أعظم الذنوب ما صغُر عند صاحبها. التيسير (1/ 405).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
(في حديث سهل بن سعد) «فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم» يحتمل أنه تمثيل للجملة من المخاطبين، بالجملة من القوم، وأنه تحذير لكل فرد من الأفراد، عن فرد من محقَّرات الذنوب؛ لأنها تجتمع من الجملة ذنوب يهلكون بسببها، ويمُنعون الرحمة من الإعانة والنصر ونحوهما، ويحتمل أنَّ المراد تمثل الحال مِن تأتِّي المحقَّرات من الأفراد بحال القوم المذكورين، وإنه لا يزال يجمع لنفسه من الذنوب كل حين ما يحصل به إنضاج بدنه بالعذاب...
فإنْ قلتَ: إنْ أريد الصغائر... فهي مكفَّرة باجتناب الكبائر فكيف تجتمع؟
قلتُ: المراد ما تعُدُّه النفوس حقيرًا، فإنَّ احتقار الذنوب معصية لا تُعَدُّ في كِبَرِهَا، وإنْ كان المحتقَر صغيرًا. التنوير (4/ 403 - 405).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
معناه: أنَّ كل واحد منهم جاء بعود حطب، حتى أوقدوا نارًا عظيمة، فطبخوا واشْتَوَوا، ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها، فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالًا منه. بدائع الفوائد (2/ 261).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وكذلك حذّر من محقّرات الذنوب، وضرب لها مثلًا بقوم نزلوا أرضًا، فأرادوا أن يطبخوا، فذهب كل واحد منهم وأتى بعود، فأتى هذا بعود وهذا بعود، فجمعوها، فأضرموا نارًا كبيرة، وهكذا المعاصي؛ فالمعاصي لها تأثير قوي على القلب، وأشدها تأثيرًا الشهوة، فهي أشد من الشبهة؛ لأن الشبهة أيسر... على مَن يسَّرها الله عليه؛ إذ إنَّ مصدرها الجهل، وهو يزول بالتعلم، أما الشهوة -وهي إرادة الإنسان الباطل- فهي البلاء الذي يُقتل به العالم والجاهل؛ ولذا كانت معصية اليهود أكبرَ من معصية النصارى؛ لأن معصية اليهود سببها الشهوة، وإرادة السوء والباطل، والنصارى سببها الشبهة؛ ولهذا كانت البدع غالبها شبهة، ولكن كثيرًا منها سببه الشهوة؛ ولهذا يُبَيَّنُ الحقُّ لأهل الشهوة من أهل البدع، فيصرون عليها، وغالبهم يقصد بذلك بقاء جاهه ورئاسته بين الناس، دون صلاح الحق، ويظن في نفسه، ويملي عليه الشيطان أنه لو رجع عن بدعته لنقصت منزلته بين الناس، وقالوا: هذا رجل متقلب وليس عنده علم، لكن الأمر ليس كذلك، فأبو الحسن الأشعري مَضْرَبُ الْمَثَل في هذا الباب؛ فإنه لما كان من المعتزلة لم يكن إمامًا؛ ولما رجع إلى مذهب أهل السُّنة صار إمامًا؛ فكل مَن رجع إلى الحق ازدادت منزلته عند الله سبحانه، ثم عند خلقه. مجموع فتاوى (9/ 378 - 379).


وللمزيد من الفائدة ينظر:

حكم ارتكاب المعاصي والاحتجاج بيسر الدِّين.

ما هي صغائر الذنوب وكبائره ؟


إبلاغ عن خطأ