«واللهِ ما الدنيا في الآخرةِ إلا مِثلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعَهُ هذه -وأشارَ يحيى بالسبابةِ- في اليمِّ، فلينظرْ بمَ يرجعُ؟».
رواه مسلم برقم: (2858)، من حديث المسْتَوْرِد بن شَدَّاد -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«اليَمّ»:
البحرُ الذي لا يُدرك قَعْرُه، ولا شطَّاه، ويقال: اليَمّ: لُجَّتُه. العين، للفراهيدي (8/ 431).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
اليَمُّ: البحرُ، وهو معروف، وأصله بالسريانية، فعرَّبَتْه العرب، وأصله: "يَمًا"، ويقع اسم "اليَمّ" على ما كان ماؤه مِلحًا زُعافًا، وعلى النهر الكبير العَذب الماء. تهذيب اللغة (15/ 460).
شرح الحديث
قوله: «واللهِ ما الدنيا في الآخرةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واللهِ» قسمٌ للمبالغة في تحققِ الحُكم، «ما الدنيا» «ما» نافية، أي: ما مثلُ الدنيا من نَعيمها وزمانِها «في الآخرة» أي: في جَنبها، ومقابلة نعيمها وأيامِها. مرقاة المفاتيح (8/ 3225).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«والله» أَقْسَمَ -صلى الله عليه وسلم- لتأكيد الخبر، وتحقيقه. التنوير (11/ 29).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قال الشيخ سعد الدين (التفتازاني) أي: في جنبها وبالإضافة إليها، وهي حال، عاملها معنى النفي، وقد يقدَّر مضاف، أي: "ما تقدير الدنيا واعتبارها" فهو العامل. اهـ. نواهد الأبكار (3/ 110).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «ما الدنيا في الآخرة» أي: عُمر الدنيا من حين وُجدَت، إلى وقتِ إفنائها، إذا قُوبلت بعُمُر الآخرة، أو ما نعيمُ الدنيا من حين أُخرجت، إلى حين تفيء في جنب نعيم الآخرة ونِعمها. الكوكب الدري (3/ 239).
قوله: «إلا مِثْلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعهُ هذه -وأشار يحيى بالسبابةِ- في اليَمِّ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
«إلا مثلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعه هذه -وأشار يحيى بالسبابة- في اليم» ثم قال في الرواية الأخرى: «وأشار إسماعيل بالإبهام» كذا عند جميعهم، وعند السمرقندي: «بالبهام».
اليمّ: البحر، وأصله اسم البحر الذي غرق فيه فرعون... قال السُّدي في تفسير «اليَمّ»: إنه النِّيل، وقوله في الرواية الواحدة: «السبّابة» خلاف قوله في الأخرى: «الإبهام» وهو أوجه وأشبه بالتمثيل بما تكون به الإشارة، وأما مَن قال: «البِهَام» فخطأ، إنما البِهام جمع بَهمة، وهي صغار الضأن والمعز، ومعنى الحديث: ما قدْرُ الدنيا من الآخرة -في المساحة والقدْر والقلّة- في جنب الآخرة، وكثرة خيرها؛ إذ قد يُعطى الواحد من أهل الجنة -وهو أدناهم منزلة- مثل الدنيا وعشرة أمثالها، إلى ما ورد من غير هذا، وقد يكون ذلك تمثيلًا لزوال الدنيا وفنائها الدائم، ولذّاتها الباقية. إكمال المعلم (8/ 389 - 390).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا مِثلُ» بكسر الميم، ورفع اللام، وفي نسخة بنصبها، و«ما» في قوله: «ما يجعلُ أحدُكم» مصدرية، أي: مثل جعلِ أحدكم أصبعه، وفي الجامع: بزيادة: «هذه»، والظاهر: أنَّ المراد بها أصغر الأصابع، «في اليَمِّ» أي: مغموسًا في البحر، المفسّر بالماء الكثير. مرقاة المفاتيح (8/ 3225).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إلا مِثلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعه في اليمّ...» اليمُّ: البحر، وهذا مثلٌ لحقارة الدنيا وقلّتها، وهو نحو قوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} النساء: 77، أي: كلّ شيءٍ يتمتعُّ به في الدنيا من أولها إلى آخرها قليلٌ؛ إذ لا بقاءَ له، ولا صفوَ فيه، وهذا بالنسبة إلى نفسها، وأما بالنسبة إلى الآخرة، فلا خطرَ ولا قدْرَ للدنيا، وهذا هو المقصود بتمثيل هذا الحديث. المفهم (7/ 125 - 126).
وقال النووي -رحمه الله-:
«إلا مثلُ ما يجعلُ أحدكم إصبعه هذه -وأشار يحيى بالسبابة-...» وفي رواية: «وأشار إسماعيل بالإبهام، هكذا» هو في نسخ بلادنا «بالإبهام»، وهي الأصبع العظمى المعروفة، كذا نقله القاضي (عياض) عن جميع الرواة إلا السمرقندي، فرواه «البهام» قال: وهو تصحيف، قال القاضي: ورواية «السبابة» أظهر من رواية «الإبهام» وأشبه بالتمثيل؛ لأن العادة الإشارة بها لا بالإبهام، ويحتمل أنه أشار بهذه مرّة، وهذه مرّة. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 192).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأشار يحيى» يعني: القطان «بالسبابة» يعني: أنه فسر قوله: «هذه» بأنها السبابة، وقوله: «في اليم» مُتعلِّق بـ«يجعل» أي: في البحر المفسَّر بالماء الكثير. البحر المحيط الثجاج (44/ 7).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إلا مثلُ ما» أي: شِبه زمنٍ يَجعل فيه «أحدُكم إصبعهُ في اليمِّ» والبحر، وإلا قدْر ما يأخذ أحدُكم بإصبعه من البحر في قِصرِ ذلك الزمن، وقلّة ما يأخذ أحدكم بإصبعه من ماء البحر، فالزَّمن الذي يجعل فيه بإصبعه في البحر في غاية القِصَر، والماء الذي يعْلَق بإصبعه من ماء البحر في غاية القلّة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (25/ 98).
قوله: «فلينظرْ بمَ يرجعُ؟»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «بم ترجع؟» ضبطوا «ترجع» بالمثناة فوق، والمثناة تحت، والأول أشهر، ومَن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى «أحدكم»، والمثناة فوق أعاده على الأصبع، وهو الأظهر، ومعناه: لا يعلقُ بها كثيرُ شيءٍ من الماء، ومعنى الحديث: ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قِصَر مُدتها، وفَناء لذاتها، ودوام الآخرة، ودوام لذاتها ونعيمها، إلا كنِسبة الماء الذي يعلقُ بالأصبع إلى باقي البحر. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 192 - 193).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-معلقًا- على كلام النووي:
وهذا واضح بالنسبة لنعيم الدنيا، ونعيم الجنة للمؤمنين، أما بالنسبة للكافرين كما هي لعموم الناس، فالنسبة في الزمن والمدة، فالدنيا بالنسبة للآخرة كأن لم يلبثوا إلا ساعة، لحظة من نهار. فتح المنعم (10/ 468).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فلينظر» أي: فليتأمل أحدكم «بمَ يرجع؟» أي: بأي شيء يرجع أصبع أحدكم من ذلك الماء؟ واعلم أنَّ قوله: «يرجع» ضُبط بالتذكير في أكثر الأصول، وفي بعض النسخ بالتأنيث، وهو الأظهر؛ لأن ضميره يرجع إلى الأصبع وهو مؤنث...، والمعنى: فليتفكر بأي مقدار من البلَّة الملتصقة من اليمِّ يرجع أصبعه إلى صاحبه، اللهم إلا أنْ يقال: المعنى: بم يرجعُ الحال وينتقل المآل؟ وحاصله: أنَّ مِنَح الدنيا ومِحَنَها في كسب الجاه والمال من الأمور الفانية السريعة الزوال، فلا ينبغي لأحد أنْ يفرح ويغترّ بسعتها، ولا يجزع ويشكو من ضيقها، بل يقول في الحالتين: «لا عيش إلا عيش الآخرة»! فإنه قاله -صلى الله عليه وسلم- مرة في يوم الأحزاب، وأخرى في حجة الوداع وجمعية الأصحاب، ثم يعلم أنَّ الدنيا مزرعة الآخرة، وأنَّ الدنيا ساعة، فيصرفها في الطاعة. مرقاة المفاتيح (8/ 3225 - 3226).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فلينظر بم يرجع؟» وُضعَ موضعَ قوله: "فلا يرجع بشيء"، كأنه -صلى الله عليه وسلم- يستحضر تلك الحالة في مشاهدة السامع، ثم يأمره بالتأمل والتفكر، هل يرجع بشيء أم لا؟ هذا تمثيلٌ على سبيل التقريب، وإلا فأين المناسبة بين المُتناهي وغير المُتناهي؟ الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3272).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلينظر أحدكم، بمَ يرجع؟» وجه الشبه اثنان: قِصر زمن الجَعل، وقلة ما يأخذ من ماء البحر، فليتأمل؛ فإنَّ فيه دقة لا تُدرك إلا بالتأمل...، وهذا الحديث شرح وتفسير لقوله تعالى: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} التوبة: 38، قوله: «فلينظر بم يرجع؟» أي: فلينظر ماذا يكون على إصبعه من ماء البحر إذا أخرجها؛ والمراد: أنه لا يساوي شيئًا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (25/ 98 - 100).
وقال القرطبي -رحمه الله-:
«فلينظر بماذا يرجع» ووجه هذا التمثيل، أن القَدْر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدرَ له ولا خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة. المفهم (7/ 125).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
هو تحقير للدنيا وشأنها. التنوير (11/ 29).
وللمزيد من الفائدة ينظر: أحاديث في ذم الدنيا رقم: (661) ورقم: (759).