أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى المطرَ، قال: «اللهمَّ صَيِّبًا نافعًا».
رواه البخاري برقم: (1032)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وأَخْرَج عنها مسلم من طريق آخر برقم: (899) وفي آخره: «ويقولُ إذا رَأَى المَطَرَ: رَحْمَةٌ».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (24589) وأبي داود برقم: (5099)، والنسائي في الكبرى برقم: (10688) وابن ماجة برقم: (3890) «اللَّهُم اجعله صَيَّبًا هَنيئًا»، وصحح إسناده محققو مسند الإمام أحمد.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«صَيِّبًا»:
بفتح الصاد المهملة، وتشديد المثناة التحتية (وروي «صَيْبًا» بسكون الياء) وهو المطر الذي يصوب، أي: ينزل ويقع. إرشاد الساري، للقسطلاني (2/252- 253).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«صَيِّبًا» الصيِّب: السحاب الذي يُهراق ماؤه. جامع الأصول (4/ 12).
«المَطَر»:
مطر: الميم والطاء والراء أصل صحيح فيه معنيان: أحدهما: الغيثُ النازل من السماءِ. مقاييس اللغة، لابن فارس (5/ 332).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
قال الليث: المطر: الماء المُنسكب من السَّحاب. تهذيب اللغة (13/ 231).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قولها: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -كان إذا رأى المطرَ»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كان إذا رأى» «كان» تفيد الاستمرار غالبًا، فإذا كان كذلك سيكون هذا القول غالبًا من الرسول -صلى الله عليه وسلم-. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 460).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإنَّ المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين: أنَّ لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنَّما هي فعل ماضٍ، يدل على وقوعه مرة، فإنْ دل دليل على التكرار عُمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها. المنهاج شرح مسلم (6/ 21).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«كان إذا رأى المطر» يحتمل أنْ يكون المراد إذا رأى المطر بعد الاستسقاء، وهذا أيضًا نوع من الاستسقاء بطلب النافع منه. لمعات التنقيح (3/ 614).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«كان إذا رأى المطر» أي: إذا نزل، ورآه رأي العين، وتأكد من نزوله. شرح بلوغ المرام (109/ 5).
وقال محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قيل: يقال: مطر في الخير، وأمطر في الشر. كوثر المعاني الدراري (10/ 379).
قولها: «قال: اللهمَّ صَيِّبًا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «اللهم صَيِّبًا» كذا في رواية المستملي، وسقط «اللهم» لغيره، و«صَيِّبًا» منصوب بفعل مقدر، أي: اجعله. فتح الباري (2/ 518).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «صيّبًا» أي: نافعًا، بياء تحتانية مشدّدة، أي: مطرًا، صَابَ يَصُوب إذا نزل، ورُوي «صيْبًا» بسكون الياء. هدي الساري (المقدمة 1/ 146).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
«وصيّبًا» منصوب بمقدر، أي: اللهم اجعله مطرًا نافعًا، وفي بعضها «صبًّا» أي: اصببه صبًّا. الكواكب الدراري (6/ 120).
وقال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «صيبًا» اسم على وزن "فيعل" أصله: صيَّوب، اجتمعت الياء والواو وسُبقت الأولى بالسكون، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء؛ لأنه من صابَ يصوبُ، إذا نزل، ومعناه: منهمرًا متدفقًا، وهو منصوب بفعل محذوف تقديره: اجعله صيبًا. منحة العلام (4/ 191).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «اللهم صيِّبًا» هذه على وزن "فَيعل"؛ لأنه مِن صابَ يصوبُ إذا نزل، فيقول: «اللهم اجعله صيِّبًا» يعني: نازلًا...، و«صيِّبًا» مفعول ثانٍ لفعل محذوف تقديره: اللهم اجعله صيِّبًا نافعًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 459).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الصَّيِّب فيعل، بُني (أي جاء اللفظ) للمبالغة، من الصَّوب، يطلق على المطر والسحاب، والمراد به: المطر، ونصبه بإضمار فعل، والتقدير: اجعله صيِّبًا نافعًا، أو نسألك صيّبًا. تحفة الأبرار (1/ 407).
وقال النووي -رحمه الله-:
الصيِّب: بكسر الياء المثناة تحت المشددة: وهو المطر الكثير، وقيل: المطر الذي يجري ماؤه، وهو منصوب بفعل محذوف: أي: أسألك صَيِّبًا، أو اجعله صَيِّبًا. الأذكار (ص: 179).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قال سُفيانُ (ابن عيينة): حفظتُه «سَيْبًا» والذي حَفِظُوا «صَيِّبًا» أجودُ (لعله لموافقته قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ} البقرة: 19). غريب الحديث (1/ 492).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«اللهم» اسقنا، أو اجعله «صَيِّبًا»... وهو المطر الذي يصوبُ، أي: ينزلُ ويقع، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتكثير، فدلّ على أنه نوع من المطر شديد هائل؛ ولذا تمَّمه بقوله: «نافعًا». إرشاد الساري (5/ 325).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
«صَيِّبًا»... وصَيِّب من أسماء المطر أيضًا، ومنها وابل، ومنها الرَّذاذ، ومنها الهتَّان، وكلها أسماء تأتي على حسب صفاته وحالاته وشدته ورقَّته، والله تعالى أعلم. شرح بلوغ المرام (109/ 5).
وقال العيني -رحمه الله-:
وعند النسائي: «كان إذا مطروا قال: اللهم اجعله سَيْبًا نافعًا» وعند ابن ماجه... «اللهم سَيْبًا نافعًا» مرتين أو ثلاثًا. عمدة القاري (7/ 53).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفي رواية ابن أبي شيبة، وكذا في رواية لابن ماجه: «سَيْبًا نافعًا» بفتح السين المهملة، وإسكان الياء مصدر بمعنى الفاعل صفة لمحذوف، أي: «اجعله مطرًا جاريًا» مِن سَابَ المطر يسيبُ سَيْبًا إذا جرى، وذهب كل مذهب، وقيل: السيْب: العطاء. مرعاة المفاتيح (5/ 181).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
ورُوي «سَيْبًا»...، والسَّيب: العَطاء، وهو مِن سَاب يسيب إذا جرى، والسَّيب: مجْرى الماء. الفائق (2/ 319).
قوله: «نَافِعًا»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«نافعًا» تتميم في غاية من الحُسن؛ لأن لفظة «صَيِّبًا» مظنَّة للضرر والفساد... «نافعًا» صيانة عن الإضرار والفساد، نحوه قول الشاعر:
فسقى ديارك غير مفسدها *** صوبُ الربيع وديمة تهمي
لكن «نافعًا» في الحديث أوقع وأحسن وأنفع من قوله: "غير مفسدها". الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1320).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«نافعًا» لا مُغرقًا كطوفان نوح -عليه السلام-. شرح المصابيح (2/ 285).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّه للاحتراز عن مطر لا يترتب عليه نفع، أعم من أنْ يترتب عليه ضرر أم لا، وفي رواية أبي داود وابن حبان: «هنيئًا» قال النووي: فتقدر جميع هذه الألفاظ بأنْ تقول: اللهم صيِّبًا سَيْبًا، نافعًا هنيئًا، وقيل: يأتي بكلِّ مرة (أي: يأتي كل مرة بلفظ من هذه الألفاظ)، وهو الصواب. مرقاة المفاتيح (3/ 1107).
وقال النووي -رحمه الله-:
السُّنة أنْ يقول عند نزول المطر: «اللهم صَيِّبًا نافعًا» رواه البخاري في صحيحه، وفي رواية ابن ماجه: «سَيْبًا نافعًا» مرتين أو ثلاثًا، فيُستحب الجمع بينهما. روضة الطالبين (2/ 95).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«صيبًا نافعًا»: أي: اللهم اجعله «صيبًا نافعًا» وهذا كالخبر الموطئ في قولك: زيد رجل فاضل؛ إذ الصفة هي المقصودة بالإخبار بها، ولولا هي لم تحصل الفائدة، هذا إنْ بَنَيْنَا على قول ابن عباس: إنَّ الصيِّب هو المطر، وإنْ بنينا على أنه المطر الكثير كما نقله الواحدي، فكلٌّ من «صَيِّبًا» و«نافعًا» مقصود، والاقتصار عليه محصل للفائدة. مصابيح الجامع (3/ 66).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «نافعًا» هذا هو المقصود بالدعاء؛ لأن كونه صَيِّبًا قد وقع، لكن المهم أن يكون «نافعًا» هذا هو محط الدعاء...، وقوله: «نافعًا» لم يتقيد بشيء فيكون نافعًا للبهائم، ونافعًا للناس، ونافعًا للأرض بإخراج النبات منها: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} هذا ينفع الأرض {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا} هذا ينفع الأنعام {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} الفرقان: 49 هذا ينفع الناس، وإنما دعا الرسول- عليه الصلاة والسلام- الله بذلك لأنه إن لم يكن نافعًا فإنَّ وجوده كعدمه؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليست السَّنَة ألا تُمطروا -السنَة يعني: الجدب-، إنما السَّنَة أن تُمطروا فلا تنبِت الأرضُ» هذا هو الجدب في الحقيقة، وهذا كثيرًا ما يقع، تكثر الأمطار، ولكن لا يرى الناس لها أثرًا، حتى يعرف الناس أن الأمر كُلُّه بيدِ الله -عز وجل-، وأنَّ الله إذا لم يجعل البركة في الشيء ما نفع، وأحيانًا تكون الأمطار قليلة، ولكن يحصل خصبٌ كثير، يحكي لنا الناس يقولون: هناك سَنة تسمى سَنة الدمنة، ما هي الدمنة؟ البعرة، هذه يقولون: كانت سَنة خصبة، وصار فيها نبات كثير، مع أن الدمنة أسفلها لا يأتيها المطر، المطر على أعلاها فقط، لكن بإذن الله، صار المطر متواجدًا يأتي رشاشًا وهو كثير، فنفع الله به نفعًا كثيرًا، هذا مشهور عند العامة، الماء الذي ينزل هذا ماء نافع للأرض وللحيوان وللناس. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 459 - 450).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
إذا رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- المطر دعا الله أنْ يجعله «صَيِّبًا نافعًا»؛ وذلك مخافة أنْ يكون صَيِّبًا ضارًّا؛ لأنه إذا زاد المطر عن مقدار تحمُّل الخلق، أو الأرض كان ضرره أكثر من نفعه، ونحن نشاهد ونسمع بالكوارث والحالات التي يأتيها المطر غزيرًا فيهلك الزرع، ويهدم البنيان، ويكسر الطرق والجسور، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- رحمة منه بالأمَّة حينما يرى المطر يقول: «اللهم صَيِّبًا نافعًا». شرح بلوغ المرام (109/ 5).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
أي: يسأل الله تعالى، ويتضرع إليه أنْ يجعل هذا المطر كثيرًا غزيرًا نافعًا للإنسان والحيوان، سُقيا رحمة، تُنبت بها الأرض أعشابها، وتُخرج من خيراتها، وتدر المواشي من ألبانها، لا سقيا عذاب تهدم وتغرق. منار القاري (2/ 289).
وجاء بلفظ: «اللهم صيبًا هنيئًا»
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يعني: يكون المطر فيه الهناء وفيه الخير وفيه الخصب وفيه البركة. شرح سنن أبي داود (578/ 28).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
- استحباب الدعاء عند نزول المطر، والأفضل أنْ يكون بهذا الدعاء؛ لثبوت أنه من الأدعية النبوية في هذا الموطن. توضيح الأحكام (3/ 95).
وقال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على استحباب الدعاء عند نزول المطر بهذا الدعاء الجامع، وهو أن يجعله الله تعالى مطر رحمة ونفع، لا مطر عذاب ولا هدم ولا غرق، وهذا هو الصيب النافع، والله تعالى أعلم. منحة العلام (4/ 191).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
- استحباب الضراعة إلى الله -عز وجل- عند نزول المطر أن يجعله مطر رحمة لا مطر عذاب ولا هدم ولا غرق.
- استحباب العناية بأمر عامة المسلمين. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (2/ 257).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
يُستفاد منه:
استحباب الدعاء عند نزول الأمطار، كما كان -صلى الله عليه وسلم – يدعو؛ لأنَّ الدعاء عندها مستجاب، فقد روى الشافعي في الأم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث» وهو حديث مرسل. منار القاري (2/ 289).
وللمزيد من الفائدة ينظر: