الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، كيفَ يُحْشَرُ الكافرُ على وجْهِهِ يومَ القيامةِ؟ قال: «أليسَ الذي أَمْشَاهُ على رجلَيْهِ في الدُّنيا قَادِرًا على أنْ يُمْشِيَهُ على وجْهِهِ يومَ القيامةِ؟» قال قتادةُ: بلى، وعِزَّةِ رَبِّنَا.


رواه البخاري برقم: (4760)، (6523) ومسلم برقم: (2806).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يُحْشَرُ»:
الْحَشْرُ: جَمْعُ النَّاس للقيامة، والْمَحْشَرُ: الْمُجْتَمَعُ. غريب الحديث، لإبراهيم الحربي (1/ 283).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ رجلًا»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أن رجلًا» لم أقف على اسمه. فتح الباري (11/ 382).

قوله: «قال: يا رسولَ اللهِ، كيفَ يُحْشَرُ الكافرُ على وجْهِهِ يومَ القيامةِ؟»:
قال الكوراني -رحمه الله-:
«يا نبي الله، كيف ‌يُحشر ‌الكافر على وجهه؟» فقد أخبر الله في كتابه بقوله: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا} الإسراء: 97، فقُطع دابرُ الشبهة؛ فإنَّ المشي على الرِّجْلين بقدرة الله، فلا وجه للإشكال. الكوثر الجاري (10/ 189).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الكافر اسم جنس يشمل الجميع، ويؤيده قوله تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} الفرقان: 34 الآية، وقوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا} الإسراء: 97 الآية. فتح الباري (11/ 382).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
في حديث أبي هريرة عند البزار: «يُحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم، فقيل: فكيف يمشون على وجوههم؟ ...» الحديث، ويؤخذ من مجموع الأحاديث: أنَّ المقربين يحشرون ركبانًا، ومَن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار فيُحشرون على وجوههم. فتح الباري (8/ 492).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قيل: كان سؤال السائل عند نزول قوله تعالى: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ} الفرقان: 34 الآية، فإنَّ الحشر إذا كان على الوجه يُفهم منه أنَّ المشي يكون كذلك باستصحاب الحال، كأنَّ السائل قال: كيف يمشي ‌الكافر على وجهه؟ شرح المصابيح (6/ 30).

قوله: «قال: «أليسَ الذي أَمْشَاهُ على رجلَيْهِ في الدُّنيا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ولكون الاستفهام مقدّرًا «قال: أليس» أي: الشأن، «الذي أمشاه على الرِّجْلين في الدنيا» مبتدأ، خبره قوله: «قادرًا على أنْ يمشيه». مرقاة المفاتيح (8/ 3515).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أليس الذي أمشاه...» إلخ، ظاهر في أنَّ المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته، وزعم بعض المفسرين أنه مَثَل، وأنه كقوله: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} الملك: 22، قال مجاهد: ‌هذا ‌مَثَل ‌المؤمن ‌والكافر، قلتُ: ولا يلزم من تفسير مجاهد لهذه الآية بهذا أنْ يُفسَّر به الآية الأخرى (أي قوله: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا} الإسراء: 97 أو قوله: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} الفرقان: 34). فالجواب الصادر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ظاهر في تقرير المشي على حقيقته. فتح الباري (11/ 382).
قال الحليمي -رحمه الله-:
فهذا الحديث يُنبئ أنَّ ذِكر الحشر على الوجه تحقيقٌ (أي: حقيقة) وليس بمثَلٍ للخشوع، وليس ذلك بمستنكَر. المنهاج في شعب الإيمان(1/ 421).

قوله: «قَادِرًا على أنْ يُمْشِيَهُ على وجْهِهِ يومَ القيامةِ؟»:
قال السنوسي -رحمه الله-:
قوله: «قادرًا أنْ يمشيه على وجهه» جوابُ حقٍّ، والعَيان يصدّقه؛ فإنَّ الحيّة ونحوها مشاهَد فيها ذلك، ويقع منها من أسرع الحركة والجري ما يقع من الماشي على رجليه. مكمل إكمال الإكمال (7/202).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
أمَّا المشاة على وجوههم فهم الكفار، ويحتمل أنْ يكون بعضهم أعتى من بعض، فهؤلاء يحشرون على وجوههم، والذين هم أتباع يمشون على أقدامهم، فإذا سيقوا من موقف الحساب إلى جهنم سُحِبُوا على وجوههم، قال الله -عز وجل-: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} القمر: 48، وقال: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} الفرقان: 34، ويكونون في تلك الحالة عميًا وبكمًا وصمًّا، قال الله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} الإسراء: 97، وقبل ذلك يكونون كاملي الحواس والجوارح؛ لقوله تعالى: {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} يونس: 45، وقوله: {يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا} طه: 103، وسائر ما أخبر الله -عز وجل- عنهم من أقوالهم ونظرهم وسمعهم، فإذا أُدخلوا النار رُدَّت إليهم حواسهم؛ ليشاهدوا النار، وما أُعِدَّ لهم فيها من العذاب، قال الله تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا} الملك: 8، 9، وسائر ما أخبر الله عنهم من أقوالهم وسمعهم ونظرهم، فإذا نودوا بالخلود سُلبوا أسماعهم، قال الله -عزَّ وجلَّ-: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ} الأنبياء: 100، وقد قيل: إنهم يُسلبون أيضًا الكلام؛ لقوله تعالى: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} المؤمنون: 108. شعب الإيمان (1/ 319).
وقال الأردبيلي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قال البيهقي: هذا في السَّوْق إلى الموقف، والحشر إلى المحشر، وإذا سيقوا إلى النار سُحبوا على وجوههم، قال الله: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} القمر: 48، وينبغي أنْ يكون هذا في النار؛ لأنهم يمشون إلى النار في طلب المعبودين، ويتساقطون فيها. الأزهار مخطوط لوح (554).
وقال العيني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: هل ورد في الحديث وقوع المشي على وجوههم في الدنيا أيضًا؟
قلتُ: روى نعيم بن حماد من حديث عبد الله بن عمرو: «ثم يبعث الله بعد قبض عيسى -عليه السلام-، وأرواح المؤمنين بتلك الريح الطيبة نارًا تخرج من نواحي الأرض، تحشر الناس والدواب إلى الشام، وعن معاذ: يحشر الناس أثلاثًا، ثُلثًا على ظهور الخيل، وثُلثًا يحملون أولادهم على عواتقهم، وثُلثًا على وجوههم مع القردة والخنازير إلى الشام...». عمدة القاري (23/ 105).
وقال الشيخ سليمان الأشقر -رحمه الله-:
ومع حشرهم على هذه الصورة المنكرة على وجوههم، فإنهم يحشرون عُميًا لا يَرون، وبُكمًا لا يتكلمون، وصمًّا لا يَسمعون {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} الإسراء: 97. القيامة الكبرى (ص: 269).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
والحكمة في حشر الكافر على وجهه: أنه عُوقب على عدم السجود لله في الدنيا بأنْ يُسحب على وجهه في القيامة؛ إظهارًا لهوانه، بحيث صار وجهُه مكان يدِه ورجلِه في التوقِّي عن المؤذيات. فتح الباري (11/ 382).
قال عبد الحق الأشبيلي-رحمه الله-:
قال أبو حامد وذَكَر هذا الفصل: في طبع الآدمي إنكار كل ما لم يأنس به ولم يشاهده، ولو لم يشاهد الإنسان الحية وهي تمشي على بطنها لأنكر المشي من غير رِجل، والمشي بالرِّجل أيضًا مستبعَد عند من لم يشاهد ذلك، فإياك أن تنكر شيئا من عجائب يوم القيامة لمخالفتها قياس الدنيا؛ فإنك لو لم تكن شاهدت عجائب الدنيا ثم عُرضت عليك قبل المشاهدة لكنت أشد إنكارًا لها، فأَحْضِر -رحمك الله- في قلبك صورتك وأنت قد وقفتَ عاريًا مكشوفًا ذليلًا مدحورًا متحيرًا مبهوتًا منتظرًا لما يجري عليك من القضاء بالسعادة أو بالشقاء. العاقبة في ذكر الموت (ص: 275).

قوله: «قال قتادةُ: بلى، وعِزَّةِ رَبِّنَا»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
«بلى» حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلتَ في الجواب: بلى، فمعناه: إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلتَ: بلى، فمعناه: التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام كما تقدم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى} القيامة: 3 - 4، والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدم، فهو أبدًا يَرفع حكم النفي، ويوجب نقيضَه، وهو الإثبات. المصباح المنير (1/ 62).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال قتادة» بالسند السابق بعدما روى هذا الحديث: «بلى» أي: ليس الأمر كذلك، بل هو قادر على أنْ يمشيه على وجهه «وعزة ربنا» أي: أقسمتُ لكم بعزة ربنا وقدرته. الكوكب الوهاج (25/ 426).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أنَّ العالِم يتوصل إلى تفهيم المتعلم بالنزول من رتبة فصاحته إلى مقدارِ فهم السائل المتعلم؛ فإنَّ هذا الجواب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تضمن إقامة دليل على أنَّ مَن استبعد الحشر على الوجه؛ فإما أنْ يكون قد حضر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأعراب مَن استبعد الحشرَ على الوجه؛ فسأل عنه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك جوابًا عنه، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (علم) أنَّ هذا الحديث سيُنقل عنه إلى يوم القيامة، وقد يسمعه مَن يقف على الحشر، ويستبعد الأمر فيه، فأودع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (في) الحديث الدواءَ للمرض الذي جوّز حدوثَه في قلوب سامعيه؛ وذلك أنه قال: «أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟»؛ وذلك أنَّ مشي الإنسان على رجليه إذا نظر الإنسان فيه وفكّر في القدرة في مطاويه (معاطفه) سلّم لفاعلها -جل جلاله- نفاذ القدرةِ على كل شيء على الإطلاق. الإفصاح (5/ 200).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أنَّ الله على كل شيء قدير؛ لأنَّ ‌الكافر ‌يحشر على وجهه...
وفيه: جواز الحلف بعِزَّة الله تعالى، ويشهد له ما أَخبر به المولى -تبارك تعالى- حكاية لقول إبليس اللعين: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} ص: 82، وما جاء في حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجًا منها، حيث قال: «لا، وعزتك». توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (8/ 140).


وللمزيد من الفائدة ينظر:

الحشر يوم القيامة حفاةً عراةً غُرلًا.

حشر المتكبرين وصَفَة عذابهم في النار.


إبلاغ عن خطأ