السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«عن رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه كان يَنْهَى أنْ يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ؛ مخافةَ أنْ يَنَالَهُ العدُوُّ»


رواه البخاري برقم: (2990) ومسلم برقم: (1869) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (1869) «لا تُسَافِرُوا بالقرآنِ؛ فإنِّي لا آمَنُ أنْ يَنَالَهُ العدُو»، قال أيُّوبُ: «فقد نَالَهُ العدُوُّ، وخَاصَمُوكُمْ به».


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «عن رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه كان يَنْهَى أنْ يُسافَرَ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «أنْ ‌يُسافَر» السفر: اسم واقع على الغزو، وغيره. المنتقى شرح الموطّأ (3/ 165).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «أنْ ‌يُسافَر» بفتح الفاء، أي: يسافِر أحدٌ. مرقاة المفاتيح (4/ 1499).

قوله: «بالقرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «‌بالقرآن» المراد ‌بالقرآن هنا: المصحف. إكمال المعلم (6/ 282).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «‌بالقرآن» يعني بالقرآن: المصحف، وقد جاء مفسَّرًا في بعض الطرق. المفهم (3/ 698).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌بالقرآن» الباء في «‌بالقرآن» زائدة، و «‌القرآن» أُقِيم مقام الفاعل، وليست كما في قوله: «لا تسافروا ‌بالقرآن» فإنها حال، كما في قولك: دخلتُ عليه بثياب السفر...، فالقرآن يراد به: المصحف. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1685).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «‌بالقرآن» دليل على أنَّ القرآن في المصحف، وكذا ينبغي تنزيه القرآن أن يكون عند الكفار...، وإنما نهى عن المسافرة بالمصحف؛ لموضع كرامته، قال -عز وجل-: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} عبس: 13، وإنما يكرمها البررة من المؤمنين، ومن تكريمه لها لا يُمكّن أعداء الله أنْ ينالوها بعينٍ ولا سمعٍ. الإفصاح (4/ 144).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «‌بالقرآن» أي: بالمصحف، أو بما فيه قرآن وإن قَلَّ، لا في ضِمْن غيره فلا ينافي كتابته إلى هرقل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} آل عمران: 64، «‌إلى أرض» أي: بلاد «‌العدو» أي: الكفار؛ خوفًا من الاستهانة به. فيض القدير (6/ 343).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «‌بالقرآن» أي: بالصحف التي كتب عليها...، حال كونكم مصاحبين له «إلى أرض ‌العدو» أي: دار الحرب. مرقاة المفاتيح (4/ 1499).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
وإنما ذُهب إلى هذه الكتابة؛ لأن المصحف لم يكن في عهده -صلى الله عليه وسلم-...، أي: ليست في أَمْنٍ من أن يناله العدو، أي: يصيبه الكافر فيحقره أو يحرقه أو يلقيه في مكان غير لائق به، أو لا يردوه إليكم فيضيع. مرقاة المفاتيح (4/ 1499).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «‌بالقرآن إلى أرض ‌العدو» أي: الكفار، يعني: دار الحرب خوفًا من الاستهانة به، قيل: المراد ‌بالقرآن: بعض ما نُسخ وكُتب في عهده، وقد كان يَكتب بعض الصحابة -رضي الله عنهم- لنفسه للحفظ أو للتلاوة، وإن لم يكن مجموعًا كله في مصحف واحد، فالمراد ‌بالقرآن: الصحف التي كتب عليها، أو كان هذا إخبارًا عن الغيب (يعني: أنَّ ذلك يدخل في باب الإعجاز). مرعاة المفاتيح (7/ 274).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
فإن قلتَ: لَمْ يكن المصحف مكتوبًا حينئذٍ، فلعله من الإخبار بالمغيب، أو لعله كان مكتوبًا في رقاع. كفاية الحاجة (16/ 515).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: «بالقرآن إلى أرض ‌العدو» أي: الكفار...، وهذا من باب سد الذرائع. التحبير (1/ 643).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قيل: نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك؛ لأجل أنَّ جميع القرآن كان محفوظًا عند جميع الصحابة، فلو ذهب بعضٌ ممن عنده شيء منه ومات؛ لضاع ذلك القدر...، والمراد به: المصحف. شرح المصابيح (3/ 53).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «بالقرآن إلى أرض ‌العدو» يريد -والله أعلم- الصُّحف، لَمَّا كان القرآن مكتوبًا فيها سماه قرآنًا، ولم يرد ما كان منه محفوظًا في الصدر؛ لأنه لا خلاف أنه يجوز لحافظ القرآن الغزو، وإنما ذلك لأنه لا إهانة للقرآن في قتل الغازي، وإنما الإهانة للقرآن بالعبث بالمصحف والاستخفاف به.
وقد روي مفسرًا: «‌نهي أنْ ‌يُسافَر بالمصحف» رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنها-: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن ‌يسافَر بالمصحف إلى أرض ‌العدو؛ مخافة أن يناله ‌العدو». المنتقى شرح الموطّأ (3/ 165).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما متابعة ابن إسحاق («يسافَر بالقرآن») فهي بالمعنى؛ لأن أحمد أخرجه من طريقه بلفظ: «نهى أن ‌يسافَر بالمصحف إلى أرض ‌العدو» والنهي يقتضي الكراهة؛ لأنه لا ينفك عن كراهة التنزيه، أو التحريم.
قوله: "وقد ‌سافر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في أرض ‌العدو وهم يَعْلَمون القرآن" أشار البخاري بذلك إلى أن المراد بالنهي عن السفر ‌بالقرآن: السفر بالمصحف؛ خشية أن يناله ‌العدو، لا السفر ‌بالقرآن نفسه، والله أعلم. فتح الباري (6/ 133).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قول البخاري -رحمه الله-: «‌قد سافر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلى أرض العدو، وهم يعلمون القرآن» إنْ قصد به معارضة النهي عن ذلك فلا تعارض بينهما؛ لأنَّ النهي عن ذلك في المصحف؛ لئلا يتمكنوا منه، فينتهكوا حرمته، وليس آدميًّا يمكنه الدفع عن نفسه، بخلاف ما في صدور المؤمنين من القرآن؛ فإنهم عند العجز عن المدافعة عن أنفسهم، لا يعد المهين لهم مهينًا للمصحف؛ لأن الذي في صدورهم أمر معنوي، والذي في المصحف مشاهد محسوس، والله أعلم. طرح التثريب (7/ 218).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال الإسماعيلي: ما كان أغنى البخاري عن هذا الاستدلال، لم يقل أحدٌ: إنَّ مَن يحسن القرآن لا يغزو العدو في داره، وقال ابن المنير: الاستدلال بهذا على الترجمة ضعيف؛ لأنها واقعة عين، ولعلهم تعلَّموه تلقينًا وهو الغالب حينئذٍ، فعلى هذا يقرأ: "‌يعلِّمون" بالتشديد، لكن رأيته في أصل الدمياطي بفتح الياء، وأجاب المهلب بأنَّ فائدة ذلك: أنه أراد أنْ يُبيِّن أنَّ نهيه عن السفر به إليهم ليس على العموم، ولا على كل الأحوال، وإنَّما هو على العساكر والسرايا التي ليست مأمونة، وأما إذا كان في العسكر العظيم، فيجوز حمله إلى أرضهم؛ ولأن الصحابة كان يعلّمه بعضهم بعضًا؛ لأنهم لم يكونوا مستظهرين له، وقد يُمكن أنْ يكون عند بعضهم صحف فيها قرآن يعلِّمون منها، فاستدل البخاري أنهم في تعلمهم كان فيهم من يتعلم بكتاب، فلما جاز لهم تعلُّمه في أرض العدو بغير كتاب وكتاب، كان فيه إباحة لحمله إلى أرض العدو إذا كان عسكرًا مأمونًا، وهذا قول أبي حنيفة. التوضيح (18/ 125-126).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فمَن قال: القرآن في المصحف والصدور؛ فقد صدق، ومَن قال: فيهما حفظه وكتابته؛ فقد صدق، ومَن قال: القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور؛ فقد صدق...، فإن القرآن كلام الله، والكلام نفسه يكتبُ في المصحف، وكلام المتكلم يُسمع تارة منه، وتارة من المبلغ عنه...، فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه، سمعه منه جبريل، وبلغه عن الله إلى محمد -صلى الله وسلم-، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- سمعه من جبريل، وبلغه إلى أمته، فهو كلام الله حيث سُمع وكُتب وقُرئ، كما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} التوبة :6، وكلام الله تكلم الله به بنفسه، تكلم به باختياره وقدرته، ليس مخلوقًا بائنًا عنه، بل هو قائم بذاته، مع أنه تكلم به بقدرته ومشيئته، ليس قائمًا به بدون قدرته ومشيئته، والسلف قالوا: "لم يزل الله متكلمًا إذا شاء". جامع المسائل (7/ 19).

قوله: «مخافةَ أنْ يَنَالَهُ العدُوُّ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «مخافة أن يناله العدو» ظاهره: أنه من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه متصل بما تقدَّم من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك رواه جماعة من الحفاظ الثقات متصلة به، ومن كلامه -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، وابن وهب عن مالك، غير أن يحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن بكير روياها من قول مالك، وموقوفة عليه، ويمكن حمل هذه الرواية على أن مالكًا عرض له شك في رفعها فوقفها عليه، والظاهر رواية الجماعة المتقدمة. المفهم (3/ 698).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لعل مالكًا كان يجزم به، ثم صار يشك في رفعه فجعله من تفسير نفسه...، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودًا وعدمًا. فتح الباري (6/ 133).
وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- مُعلِّقًا:
أقول: ولكن الحفاظ غير مالك أثبتوا رفعه، فارتفع الشك، وسيأتي (4525) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك مرفوعًا كله، فالظاهر ما قال الحافظ، أنه رواه مرفوعًا، ثم شك فيه، وكذلك سيأتي (4576) من طريق أيوب عن نافع مرفوعًا كله. تحقيقه لمسند أحمد (4/ 288).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
أخرجه هكذا في الموطأ (2/446/7) وعنه البخاري (2/245) ومسلم (1869) وأبو داود (2610) وابن ماجه (2879) وأحمد (2/7، 63) كلهم عن مالك به إلا أنهم اختلفوا عليه، فالشيخان لم يذكرا الشطر الثاني منه أصلًا، وأبو داود جعله من كلام مالك، وابن ماجه وأحمد جعلاه من تمام الحديث، وهو الصواب الذي صححه الحافظ في فتح الباري (6/93) أنه مرفوع، وليس بمدرج، قال: "ولعل مالكًا كان يجزم به، ثم صار يشك في رفعه، فجعله من تفسير نفسه"، لكن الحافظ وَهِمَ في نسبته هذه الزيادة لرواية ابن إسحاق عند أحمد، وليس كذلك كما تقدم ذكره.
ويؤيد ما صوبنا: أنَّ للحديث طريقًا أخرى عن ابن عمر، فقال الإمام أحمد (2/128): حدثنا عبيد بن أبي قرة، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: «‌نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو» قلتُ: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبيد هذا، فقال ابن معين: ما به بأس. إرواء الغليل (5/ 139).
وقال ابن المناصف -رحمه الله-:
قال مالك: «‌وإنَّما ذلك مخافة أنْ يناله العدو» هكذا وقع هذا الحرف في موطأ يحيى، من قول مالك، وهو في غيره مرفوع صحيح. الإنجاد في أبواب الجهاد (ص: 152).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
إنما أتى بالمتابعة لأجل زيادة: «‌مخافة أنْ يناله العدو» وجعله مرفوعًا، ولن يصح ذلك عند مالك، ولا عند البخاري، وإنما هي من قول مالك.
وقال المنذري: رواه بعضهم من حديث ابن مهدي والقعنبي عن مالك، فأدرج هذِه الزيادة في الحديث. التوضيح (18/ 125).
وقال أبو داود -رحمه الله-:
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، عن نافع، أنَّ عبد الله بن عمر قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو» قال مالك: "أراه مخافة أنْ يناله العدو". سنن أبي داود (3/ 36).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذه العلة المذكورة في الحديث هي من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغلط بعض المالكية، فزعم أنها من كلام مالك. المنهاج شرح مسلم (13/ 13).
وقال ابن رسلان -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
لعل النووي -رحمه الله- لم يقف على نقل الإمام الجليل أبي داود، أو وقف عليه ولم يستحضره في حال كتابة هذا في شرح مسلم، ونسبه إلى بعض المالكية. شرح سنن أبي داود (11/ 332).
وقال الزيلعي -رحمه الله-:
اختلف الحفاظ في هذه الزيادة -أعني قوله: «‌مخافة أن يناله العدو» هل هي من لفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- أو من كلام مالك؟، والصحيح: أنَّها من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-. نصب الراية (3/ 384).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
قد تحقَّق عندنا أنَّ الخوف الذي في هذه الأحاديث على القرآن أنْ يناله العدو حتى نهى عن السفر به إلى دارهم من أجله، من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا من سواه من رواة هذه الأحاديث. شرح مشكل الآثار (5/ 166).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-
قوله: «مخافة» بالنصب «أن يناله العدو» فينتهكوا حرمته. شرح سنن أبي داود (11/ 331).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «مخافة أنْ يناله العدو» يريد أهل الشرك؛ لأنهم ربما تمكنوا من نيله، والاستخفاف به، فلأجل ذلك منع السفر به إلى بلادهم. المنتقى شرح الموطّأ (3/ 165).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «مخافة أن يناله العدو» يعني: أن يصيب الكفار مصحف القرآن، ويحقروه، أو يحرقوه، أو يلقوه في مكان نجس. المفاتيح (3/ 103).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «مخافة أن يناله العدو» علة نيل ‌العدو له لاستخفافهم به، وامتهانهم إياه. إكمال المعلم (6/ 282).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
سئل مالك ‌أيسافر الرجل بالمصحف؟ فقال: أما في أرض ‌العدو فلا، وأما في أرض الإسلام فنعم، وقال أحمد: لا ينبغي أن يغزو الرجل ومعه مصحف. الأوسط (6/ 306).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أجمع الفقهاء أنَّ لا يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر الكبير المأمون عليه، قال مالك: لا يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو، ولم يفرق بين العسكر الكبير والصغير.
وقال أبو حنيفة: يكره أن يسافَر بالقرآن إلى أرض العدو إلا في العسكر العظيم، فإنه لا بأس بذلك. التمهيد (15/ 254).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قال ابن سحنون (محمد بن عبد السلام): قلتُ لسحنون (عبد السلام بن سعيد): أجاز بعض العراقيين الغزو بالمصحف إلى أرض ‌العدو في الجيش الكبير، كالطائفة ونحوها، وأما السرية ونحوها فلا؛ قال سحنون: لا يجوز ذلك؛ لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك عامًّا، ولم يُفَصِّل، وقد يناله ‌العدو من ناحية الغفلة، والدليل على صحة ما ذهب إليه سحنون: أنَّه لا قوة فيه على ‌العدو، وليس مما يُستعان به على حربه، وقد يناله لشغل عنه كما قال سحنون، وقد يناله بالغلبة أيضًا. المنتقى شرح الموطّأ (3/ 165).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
للقرآن الكريم قدسية، وللمصحف إجلال وصيانة عن الدنس {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} عبس:13، {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} الواقعة: 79، وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد منعت المسلم أنْ يمسه أو يحمله جُنبًا، بل محدثًا، فكيف يعرضه ليد الكافر والمشرك؟ والقرآن الكريم يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} التوبة: 28؟ إن السفر بالمصحف إلى أرض الكفار يعرضه لأن يقع في أيديهم، ووقوعه في أيديهم يعرضه للاستهانة به وازدرائه وإهانته، وقد قال العلماء: إنَّ مَن قصد إهانة المصحف من المسلمين، فألقاه في مزبلة مثلًا فقد كفر، فكيف نعرضه لمثل ذلك على أيدي الكافرين؟ من هنا نهى -صلى الله عليه وسلم- أن ‌يسافَر بالمصحف إلى أرض الكفار؛ مخافة أن يقع في أيديهم. فتح المنعم (7/ 502).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
ليس معنى هذا: أنَّ مَن خرج إلى أرض العدو ألا يقرأ فيها القرآن، وإنما هو ألا يسافر بالمصحف القرآن؛ لأنه لا يؤمَن أن يقع بيد العدو، فيستخفوا منه، وينتهكوا حرمته مغالظة للمسلمين، وتشفيًا بذلك وانتقامًا، والمصحف لا دفع فيه عن نفسه، فكانت المسافَرة به إليهم تعريضًا لما لا يليق بحال قدره، فلذلك نهى عنها، والله أعلم.
فإنْ قيل: فكيف يصنع الذي لا يحفظ القرآن؟
قيل: يجلس إلى حافظ يقرأه، فيستمع إليه، ويتأنى به القرآن حتى يجاريه في قراءته، وفيما يمكنه منها، (فقد) روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقرأ بالليل في حجرته قراءة لو أراد حافظ أن يحفظها لفعل، وهذا من الجهد والتمهل معًا، والله اعلم. المنهاج (2/ 236).
قال ابن أبي شيبة -رحمه الله-:
ذُكر أنَّ أبا حنيفة -رحمه الله- قال: لا بأس بذلك. مصنفه (7/ 278).
وقال المازري -رحمه الله-:
الحرمة ثابتة لجميع القرآن ما قل منه وما كثر، فإذا دعت الحاجة للإباحة فإنما يقتصر على قدر الحاجة. شرح التلقين (1/ 333).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
قوله: «مخافة أن يناله العدو» بيان واضح أنَّ ‌العدو إذا كان فيهم ضعف وقلة، والمسلمون فيهم قوة وكثرة، ثم ‌سافر أحدهم ‌بالقرآن، وهو في وسط الجيش، يأمن لا يقع ذلك في أيدي ‌العدو، كان استعمال ذلك الفعل مباحًا له، ومتى أيس مما وصفنا، لم يجز له السفر ‌بالقرآن إلى دار الحرب. صحيح ابن حبان (3/ 298).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «مخافة أن يناله العدو» قد نبَّه على العلة في الحديث، فإذا أمنت العلة في الجيوش العظام قيل: ارتفع النهي وهو مذهب أبي حنيفة، وقال به غيره من العلماء، وإليه أشار البخاري، وحملوا النهي على الخصوص للعلة المذكورة؛ ولأن نيل ‌العدو له في الجيوش الكثيرة نادر، والنادر لا يُلتفت إليه، وقاله بعض متأخري أصحابنا (المالكية)، ولم يفرق مالك بين الحالين، ورأى بعض أصحابنا المنع على العموم في كل حال؛ لتوقع سقوطه، ونسيانه فتناله أيديهم، وإليه ذهب سحنون، وابن حبيب، وقدماء أصحابنا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة: جواز السفر به مطلقًا، والصحيح عنه ما قدمناه، وما ذكر مسلم في الروايات الأُخر عنه -صلى الله عليه وسلم-: «إني لا آمن أن يناله ‌العدو» في الروايات الأخر من قول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- لا من قول مالك...
وأجاز الفقهاء: أن يكتب لهم بالآية ونحوها، إذا كان الكتاب ليُدْعَوا به إلى الإسلام ويُوعَظُوا به، وشبه هذا، والحجة كتاب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إليهم بمثل ذلك في كتبه.
واختلفوا في تعليمهم شيئًا من القرآن، فمنعه مالك، وأجازه أبو حنيفة، واختلف فيه قول الشافعي، وحجة من أجازه: لعله يرغب في الإسلام، وحجة من منع: كونه نجسًا كافرًا في الحال عدوًّا لله ولكتابه، فلا يعرض لإهانته، والاستخفاف به.
ولو طلب العدو أن يُجهز إليهم مصحف لينظروا فيه، لم يمكنوا من ذلك ولا جاز.
وقد كره مالك وغيره معاملة الكفار بالدنانير والدراهم التي فيها اسم الله تعالى، أو ذكر اسم الله؛ إذ لم يكن في الدراهم التي كانت في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا في الدنانير شيئًا من ذلك، إنما كانت ضرب فارس، أو من ضرب الروم وملساء. إكمال المعلم (6/ 282).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
كما هو معلوم من علم أصول الفقه: أنَّ دلالة المفهوم في الكتاب والسُّنة حجة كدلالة المنطوق إلا إذا عارض المفهوم منطوقًا ما، فدلالة المنطوق أُصوليًّا أقوى من دلالة المفهوم، فإذا تعارض منطوق ومفهوم؛ قُدِّم المنطوق على المفهوم، أما إذا كان هناك مفهوم ما لم يعارضه منطوق فهو حجة، وهذه قاعدة تُيسر لطالب العلم أن يفهم شيئًا من الفقه، يخفى على من لا علم عنده بأن المفهوم حجة.
إذا كان الأمر كذلك نعود إلى قوله: «مخافة أن يناله ‌العدو» فهذا مفهومه: أنه إذا لم يكن هناك خوف أن ينال ‌العدو المصحف بإهانة ما؛ فلا ينهى الرسول -عليه الصلاة والسلام- المسلم أن ‌يُسافر بالمصحف إلى أرض ‌العدو. جامع تراث العلامة الألباني في الفقه(1/ 433).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «مخافة أن يناله العدو» يعني: أنه لا يجوز للإنسان أن ‌يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفار؛ وذلك لأنه يخشى أن يقع في أيديهم فيستهينوا به، ويذلوه، والقرآن أشرف وأعظم من أن يكون في يدي ‌العدو؛ ولهذا ذكر عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن ‌يسافر بالمصحف إلى أرض ‌العدو، وهذا كما قال المؤلف (النووي) -رحمه الله- إذا خيف عليه، أما إذا لم يُخف عليه كما في وقتنا الحاضر فلا بأس، فيجوز للإنسان إذا ‌سافر في تجارة، أو دراسة في بلد الكفار أن يذهب معه المصحف، ولا حرج عليه. شرح رياض الصالحين (6/ 582).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
والحاصل: أن وقوع المصحف في أيدي الكفار إنما يمنع إذا خيف منهم إهانته، أما إذا لَمْ يكن مثل هذا الخوف... فلا بأس بذلك، لا سيما لتعليم القرآن، وتبليغه، والله سبحانه وتعالى أعلم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (16/ 515).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
فـ(إنْ) قال هذا القائل: فقد رويت لنا فيما تقدم -من كتابك هذا-: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى أنْ ‌يسافر ‌بالقرآن إلى أرض ‌العدو» وقوله مع ذلك: «فإني أخاف أن يناله ‌العدو» وفيما رويته في هذا الحديث: "كتابه إلى قيصر بشيء من القرآن" مما يقع في يده بعد وصول كتابه إليه؛ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله -عز وجل- وعونه:
أنَّ هذا ليس بخلاف لنهيه أنْ ‌يسافَر ‌بالقرآن إلى أرض ‌العدو، وخوف أنْ يناله ‌العدو، وإنَّما هذا على السفر ببعضه إلى ‌العدو، وما قبله على السفر بكله إلى ‌العدو، فتصحيحها إباحة السفر بالأحراز (جمع حِرْزٍ وهي غير مشروعة) التي فيها من القرآن ما يكون في أمثالها، والكراهة للسفر بكلِّيته إليهم عند خوفهم عليه، والله نسأله التوفيق. شرح مشكل الآثار (5/ 233).
وقال النووي -رحمه الله-:
اتفق العلماء على أنه يجوز أن يُكتب إليهم كتاب فيه آية، أو آيات، والحجة فيه: كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل، قال القاضي (عياض): وكره مالك وغيره معاملة الكفار بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى، وذكره سبحانه وتعالى. المنهاج شرح مسلم (13/ 13).
وقال الأبهري المالكي -رحمه الله-:
ألا ترى أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى أن ‌يسافر ‌بالقرآن إلى أرض ‌العدو»، وقد كتب إليهم كتبًا فيها يسير من القرآن، فجاز ذلك للضرورة إليه، فكذلك هذا. شرح المختصر الكبير (4/ 529).

قوله: «‌فقد نَالَهُ العدُوُّ، وخَاصَمُوكُمْ به»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-
في رواية لمسلم: قال أيوب الراوي عن نافع: "‌فقد ناله العدو وخاصموكم به". شرح سنن أبي داود (11/ 331).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
وكان أيوب عندنا -والله أعلم- ليس هو أيوب الذي روى شعبة عنه هذا الحديث، عن نافع، وإنما هو: أيوب بن موسى الأموي، والذي روى شعبة عنه هو أيوب السختياني. شرح مشكل الآثار (5/ 165).
وقال العراقي -رحمه الله-:
في صحيح مسلم عن أيوب السختياني أنَّه قال بعد رواية الحديث: "‌فقد ناله العدو، وخاصموكم به" يعني به: أنَّكم لما خالفتم ما قال لكم نبيكم، فمكَّنتم عدوكم من المصحف، نالوه وتوجَّهت حجتهم عليكم من حيث مخالفتكم نبيكم، وأيضًا فلما وقفوا عليه وجدوا فيه ما يشهد عليكم بالمخالفة مثل قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُم عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} الأنفال: 65، الآيتين، وغير ذلك من الآيات التي تُرك العمل بها. طرح التثريب (7/ 218).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: "‌قال أيوب: فقد ناله العدو، وخاصموكم به" أيوب: هو السختياني، ولعله وقع ذلك في عهده، فأشار إلى ذلك تنبيهًا على أنَّ ما حذَّر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وقع فعلًا بترك امتثال أمره، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (32/ 308).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
"‌قال أيوب" السختياني: "‌فقد ناله العدو" الآن "‌وخاصموكم" أي: جادلوكم "‌به" أي: بما في القرآن من المتشابهات. الكوكب الوهاج (20/ 153).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: "‌قال أيوب: فقد ناله العدو، وخاصموكم به" كأنَّه يُشير إلى ما يُحكى عن قيصر أنَّه أرسل مجموعة من الأسئلة يحتج بها على المسلمين، ويختبرهم. منة المنعم (3/ 272).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
في الخبر دليل على أن النهي عن أن ‌تسافر ‌بالقرآن إلى أرض ‌العدو: إنما هو في حمل المصحف من القرآن المجموع فيه السور أو الآيات الكثيرة، دون الآية والآيتين ونحوها مما تقع به الدعوة. أعلام الحديث (1/ 138).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: أنَّه استدل به على منع بيع المصحف من الكافر؛ لوجود المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك، وإنما وقع الاختلاف: هل يصح لو وقع ويؤمر بإزالة ملكه عنه أم لا؟
ومنها: أنَّه استدل به أيضًا على منع تعلُّم الكافر القرآن، فمنع مالك مطلقًا، وأجاز الحنفية مطلقًا، وعن الشافعي قولان، وفصَّل بعض المالكية بين القليل؛ لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم، فأجازه، وبين الكثير فمنعه، ويؤيده قصة هرقل؛ حيث كتب إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض الآيات، وقد نقل النووي الاتفاق على جواز الكتابة إليهم بمثل ذلك، انتهى، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (32/ 306-307).


وللمزيد من الفائدة ينظر:

حكم مس المصحف بغير طهارة.


إبلاغ عن خطأ