«الحياء والإيمان قُرِنَا جميعًا، فإذا رُفع أحدُهما رُفع الآخر».
رواه ابن أبي شيبة برقم: (25350)، والبخاري في الأدب برقم: (1313)، والحاكم في المستدرك برقم: (58)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (1603)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2636).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الحياء»:
الحَياء ممدود، الاسْتِحْيَاءُ. لسان العرب، لابن منظور(14/ 219).
«قُرِنَا»:
قَرْنُ الشيء بالشيء، وقَرَنَه إليه يقرنه قرنًا: شَدَّهُ إليه. لسان العرب، لابن منظور(13/ 335).
شرح الحديث
قوله: «الحياء والإيمان»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الحياء والإيمان» أي: الكامل. مرقاة المفاتيح (8/ 3182).
قال الراغب -رحمه الله-:
الحَياءُ: انقباضُ النَّفسِ عنِ القَبائحِ، وهو من خصائصِ الإنسانِ، وأوَّلُ ما يظهرُ من قوَّةِ الفَهمِ في الصِّبيان.
وجعلَهُ اللَّهُ تعالى في الإنسان؛ ليرتدعَ به عمّا تنزعُهُ إليه الشَّهوةُ من القبائح، فلا يكونُ كالبهيمة.
وهو مركَّبٌ من جُبنٍ وعِفَّة؛ ولذلك لا يكونُ المُستَحي فاسقًا، ولا الفاسقُ مستحيًا؛ لتنافي اجتماعِ العِفَّةِ والفِسق.
وقلَّما يكونُ الشجاعُ مستحيًا، والمُستَحي شجاعًا؛ لتنافي اجتماعِ الجُبنِ والشجاعة. الذريعة إلى مكارم الشريعة (ص: 207).
قال الطحاوي –رحمه الله-:
الحياء يقطع صاحبه عن ركوب المعاصي أقوالًا وأفعالًا كما يقطع الإيمان أهله عن مثل ذلك، وإذا كان الحياء والإيمان فيما ذكرنا يعملان عملًا واحدًا كانا كشيء واحد، وكان كل واحد منهما من صاحبه، وكانت العرب تقيم الشيء مكان الشيء الذي هو مثله أو شبيهه. بيان مشكل الآثار (4/ 92).
وقال ابن عبد البر-رحمه الله-:
فلما صار الحياء والإيمان يعملان عملًا واحدًا جُعلا كالشيء الواحد، وإن كان الإيمان اكتسابًا والحياء غريزة والإيمان شُعب كثيرة. التمهيد (9/ 234).
قال ابن العربي –رحمه الله-:
فلمَّا صار الحياء والإيمان سبَبَيْنِ إلى فعل الخير، جُعِلَ الحياءُ شعبةً من الإيمان؛ لأنّه يمنعُهُ عن ارتكاب المعاصي. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 256)
قوله: «قُرِنَا جميعَا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«قُرِنَا جميعًا» ببناء «قُرِنَا» للمفعول، أي: جمعهما الله تعالى ولازَمَ بينهما، فحيثما وُجد أحدهما وُجد الآخر. فيض القدير (2/ 326).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
ولعل المراد أنه لو وُجد الكامل من كل منهما وُجد الآخر. السراج المنير شرح الجامع الصغير (2/ 22).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«جميعًا» أي: مجتمِعَين، وهو تأكيد في المعنى. مرقاة المفاتيح (8/ 3182).
وقال المناوي -رحمه الله-:
(أي:) لا ينفك أحدهما عن الآخر، أي: مجموعان متلازمان. فيض القدير (2/ 325).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الحياء من الإيمان كما في الصحيحين عن ابن عمر: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرَّ على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحيي، كأنه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دعه؛ فإن الحياء من الإيمان». جامع العلوم والحكم (2/ 596).
قوله: «فإذا رُفع أحدُهما رُفع الآخر»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر» أي: مُعظمه، أو كماله. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 510).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«فإذا رفع أحدهما رفع الآخر»؛ لتلازمهما كما تقرر؛ وذلك لأن المكلف إذا لم يستحي من الله لا يحفظ الرأس وما وعى، ولا البطن وما حوى، ولا يذكر الموت والبِلى، كما في الحديث المار، بل ينهمك في المعاصي، وذلك بريد الكفر. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 281).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
لأن من نُزع منه الحياء رَكِبَ كل فاحشة، وقارن كل قبيح، ولا يحجزه عن ذلك دِين: «إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، والمراد الحياء الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمود، وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي فهو مذموم، وهو المراد بقول مجاهد: لا يتعلمُ العلم مستحْيٍ، وهو بسكون الحاء، و(لا) في كلامه نافية لا ناهية، ولهذا كانت ميم يتعلم مضمومة كأنه أراد تحريض المتعلمين. فيض القدير (3/ 428).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: كل واحد قُرِنَ بالآخر، ونَيْطَ به، فإذا وُجد وُجد، وإذا ارتفع ارتفع. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 447).
وقال المناوي -رحمه الله-:
أي: إذا نُزع من عبدٍ الحياء تبعه الإيمان وعكسه. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 281).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والمراد أنه إذا رُفع الحياء عن الإنسان نقص إيمانه، ورُفع كامله، أو رفع بأصله، فإنه لا يعتد بما بقي. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 447).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اعلم أن الحياء نوعان:
أحدهما: ما كان خُلُقًا وجِبِلَّة غير مكتسب، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويَجْبله عليها، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، فإنه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: من استحيى اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وقي.
وقال الجراح بن عبد الله الحكمي -وكان فارس أهل الشام-: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع، وعن بعضهم قال: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة، فاستحالت ديانة.
والثاني: ما كان مكتسبًا من معرفة الله، ومعرفة عظمته وقُربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا مِن أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان، وقد تقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل: «استحي من الله كما تستحي رجلًا من صالح عشيرتك». جامع العلوم والحكم (2/ 597-598).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ومعنى هذا الحديث -والله أعلم- أن الحياء يمنع من كثير من الفحش والفواحش، ويشتمل على كثير من أعمال البر، وبهذا صار جزءًا وشُعبة من الإيمان؛ لأنه وإن كان غريزة مركبة في المرء فإن المستحي يندفع بالحياء عن كثير من المعاصي كما يندفع بالإيمان عنها إذا عصمه الله، فكأنه شعبة منه؛ لأنه يعمل عمله، فلما صار الحياء والإيمان يعملان عملًا واحدًا جُعلا كالشيء الواحد، وإن كان الإيمان اكتسابًا والحياء غريزة. التمهيد (9/ 234).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
فلما كان الحياء والإيمان سببين إلى فعل الخير جُعل الحياء شُعبة من الإيمان؛ لأنه يمنع مثل الإيمان من ارتكاب ما لا يحل، وما يُعَدُّ من الفحش والفواحش، وإن كان الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن الموفق له. الاستذكار (8/ 282).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
تأمَّل هذا الخلق الذي خُص به الإنسان دون جميع الحيوان، وهو خلق الحياء الذي هو من أفضل الأخلاق وأجلِّها، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء. مفتاح دار السعادة (2/ 788).
ونقل ابن مفلح –رحمه الله-:
عن غير واحد قولهم: قد يكون الحياء تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البرِّ، وقد يكون غريزة، واستعماله على مقتضى الشَّرع يحتاج إلى كسب ونيَّة وعلم. الآداب الشرعية (2/ 227).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ومحصول الخبر أنَّ عدم الحياء يدل على عدمِ الإيمان، وقِلته تدل على ضعفه، وكثرته على قُوته. فيض القدير (2/ 326).
وقال ابن حبان البُستي -رحمه الله-:
فإذا لزم المرءُ الحياءَ كانت أسباب الخير منه موجودة، كما أن الواقح إذا لزم البَذاء كان وجود الخير منه معدومًا، وتواتُر الشر منه موجودًا؛ لأن الحياء هو الحائل بين المرء وبين المزجورات كُلها، فبقوة الحياء يضعف ارتكابه إياها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إياها. روضة العقلاء (ص: 58).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فيه دليل لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان (بناء على لفظ: "قرناء" بالجمع).
وفيه: رائحة من التجريد! حيث جرَّد من الإيمان شعبة منه، وجعلها قرينًا له على سبيل الاستعارة، كأنهما رضيعا لبان ثدي أم، تقاسما أن لا يتفرقا. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3239-3240).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- متعقبًا:
قال الطيبي: فيه دليل لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان، وفي بعض النسخ «قُرِنَا» على صيغة التثنية، بلفظ المجهول؛ فلا دليل، ويطابقه قوله: «فإذا رُفع» بلفظ المجهول. لمعات التنقيح (8/ 334).
الحياء من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها: حديث رقم: (1421) ورقم: (664).