«لو كان لابنِ آدمَ واديانِ مِن مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلَّا التُّرابُ، ويتوبُ اللَّهُ على مَن تابَ».
رواه البخاري برقم: (6436)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
ورواه مسلم برقم: (1048)، من حديث أنس -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«جَوْفَ ابن آدم»:
أي: بطنه، أو وسط عينه. مرقاة المفاتيح، للقاري (8/ 3299).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «لو كان لابنِ آدمَ واديانِ من مالٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لو كان لابن آدم» أي: فرضًا وتقديرًا. مرقاة المفاتيح (8/ 3299).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: كثيرًا من ابن آدم يقنعون بما أعطاهم الله، ولا يطلبون الزيادة.
قلتُ: هذا الحكم للجنس، وبيان أنه لو خلى وطبعه لكان كذلك، فلا ينتقص بما كان على خلافه بسبب من الأسباب. الكواكب الدراري (22/ 206).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«واديان» تثنية وادٍ، وهو كل منفرج بين جبال، أو آكام، وهو منفذ السيل. المنهل الحديث (4/ 200).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«واديان من مال» المراد منه: الإبل. شرح المصابيح (5/ 423).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«واديان» مملوءان «من مال» أي: لو حصل له واديان من مال فـ(كان) تامة، والجار والمجرور صفة للواديين. الكوكب الوهاج (12/ 169).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يُحتمل أنْ يكون إنَّما خص هذا العدد فقال: «واديان» ولم يقل: ثلاثة أو أكثر؛ لأن أصول الأموال ذهب وفضة، فعبَّر عن هذين الأصلين. إكمال المعلم (3/ 583).
قوله: «لابتغى ثالثًا»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لابتغى» بالغين المعجمة من الابتغاء، وهو الطلب. عمدة القاري (23/ 46).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«لابتغى» معناها: لأحب. فتح المنعم (4/ 410).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «لابتغى لهما» فإنْ قلتَ: الابتغاء لا يُستعمل باللام، قلتُ: هذا متعلِّق بقوله: «ثالثًا» لهما، أي: يثلثهما. الكواكب الدراري (22/ 206).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«ثالثًا» أي: واديًا ثالثًا. شرح المصابيح (5/ 423).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثالثًا» أي: واديًا آخر، أعظم منهما ذخرًا، وهلم جرًّا. مرقاة المفاتيح (8/ 3299).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ثالثًا» وهلم جرًّا، إلى ما لا نهاية له. فيض القدير (5/ 327).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«واديًا ثالثًا» يضمه إليهما؛ لشدة حرصه على المال. الكوكب الوهاج (12/ 169).
قوله: «ولا يملأُ جوفَ ابن آدمَ إلا الترابُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولا يملأ جوف ابن آدم» أي: بطنه، أو وسط عينه «إلا التراب» أي: تراب القبر.
ففيه تنبيه نبيه على أنَّ البخل المورث للحرص مركوز في جبلة الإنسان. مرقاة المفاتيح (8/ 3299).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولا يملأ جوف ابن آدم» أي: بطنه، وفي رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج عند الإسماعيليّ: «نفس» بدل «جوف» وفي حديث جابر كالأول، وفي مرسل جُبير بن نُفير: «ولا يُشْبع -بضم أوله- جوف» وفي حديث ابن الزبير: «ولا يَسُدّ جوف» وفي رواية عند البخاريّ: «ولا يملأ عين» وفي حديث أنس فيه: «ولا يملأ فاه» ومثله في حديث أبي واقد عند أحمد، وله في حديث زيد بن أرقم: «ولا يملأ بطن». البحر المحيط الثجاج (20/ 43).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: في الرواية الأولى: «الجوف» وفي الثانية: «العين» وفي الثالثة: «الفم».
قلتُ: ليس المقصود منه الحقيقة، بقرينة على الانحصار على التراب؛ إذ غيره يملأه أيضًا، بل هو كناية عن الموت؛ لأنه مستلزم للامتلاء، فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت، فالغرض من العبادات كلها واحدة، ليس فيها إلا التبيين في الكلام. الكواكب الدراري (22/ 207).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
هذا يحسُن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من تصرُّف الرواة، ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة، والبطن بمعناه، وأما النفس فعبَّر بها عن الذات، وأطلق الذات، وأراد البطن من إطلاق الكل وإرادة البعض، وأما النسبة إلى الفم فلكونه الطريق إلى الوصول للجوف، ويحتمل أنْ يكون المراد بالنفس العين، وأما العين فلأنها الأصل في الطلب؛ لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه إليه، وخص البطن في أكثر الروايات؛ لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل المستلذات، وأكثرها يكون للأكل والشرب. فتح الباري (11/ 255).
وقال إسماعيل حقي -رحمه الله-:
ها هنا نكتة وهي: أنَّ في ذكر ابن آدم دون الإنسان تلويحًا إلى أنه مخلوق من تراب، ومن طبيعته القبض واليبس، وإزالته ممكنة بأنْ يمطر الله عليه من غمام توفيقه، فللعاقل أن لا يُتعب نفسه في جمع حطام الدنيا؛ فإن الرزق مقسوم. روح البيان (1/ 389).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فأخبر عن حرص العباد على الزيادة في المال، وأنه لا غاية له يقنع بها، ويقتصر عليها، ثم أَتْبَعَ ذلك بقوله: «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» يعني: إذا مات وصار في قبره ملأ جوفه التراب، وأغناه بذلك عن تراب غيره حتى يصير رميمًا، وأشار -صلى الله عليه وسلم- بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا، والشره على الازدياد منها؛ ولذلك آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة والكفاف؛ فرارًا من التعرض لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته؟! شرح صحيح البخاري (10/ 160).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الأظهر في هذا والذي قاله أكثر من تكلم على الحديث، والذي يقتضيه منحى الكلام ومقصده: أنَّ المراد بالحديث حرص القلب، ورغبة النفس، لا الأكل وشهوة البطن؛ لأنه لم يجرِ للمطعوم هناك ذكر، إنما جرى ذكر المال والذهب؛ ولما كانت معظم جوارح الشهوات والرغبات في الجوف، وفيه القلب الذي عنه يصدر الحرص والرغبة والشره والأمل، أضاف ذلك إليه، وقد قيل: إنَّ معنى: «لا يملأ جوف ابن آدم إلا الترابُ» أي: حتى يموت فيمتلئ ترابًا، ويصير ترابًا، ويقطع أمله، فعبَّر بانقطاع ذلك وتمامه بملئه بالتراب. إكمال المعلم (3/ 583، 584).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى: «لا يملأ جوفه إلا التراب» أنَّه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره. المنهاج (7/ 139).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
هذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3322).
وقال العيني -رحمه الله-:
أشار بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره والازدياد، وهذه آفة يجب الاتقاء منها. عمدة القاري (23/ 45).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
أي: لا ينقطع حرصه إلا بالموت، ودخول التراب جوفه. الكوثر الجاري (10/ 135).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» وقعت هذه الجملة موقع التذييل والتقرير للكلام السابق، كأنه قيل: لا يشبع من خُلِقَ من التراب إلا بالتراب. المنهل الحديث (4/ 200).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
فلا يستريح من تعب طلبها، ولا يسكن من نصب رغبها، فحينئذٍ لا ينفع فيه زجر، ولا ينجع فيه وعظ، فهو كالكلب اللاهث حَمَلْتَ عليه أو تركته؛ لأن قلبه مات من الشهوات، وبردت حرارة الموعظة فيه. حسن التنبه لما ورد في التشبه (10/ 463).
قوله: «ويتوبُ اللهُ على مَن تابَ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«ويتوب الله على من تاب» وهو متعلق بما قبله، ومعناه: أنَّ الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات.
أقول: ويمكن أنْ يُقال: معناه: أنَّ بني آدم مجبولون على حب المال، والسعي في طلبه، وأن لا يشبع منه إلا من عصمه الله تعالى، ووفقه لإزالة هذه الجِبِلَّة عن نفسه، وقليل ما هم، فوضع «ويتوب الله على من تاب» موضعه؛ إشعارًا بأنَّ هذه الجبلة المركوزة فيه مذمومة جارية مجرى الذنب، وأنَّ إزالتها ممكنة، ولكن بتوفيق الله وتسديده. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3322-3323).
وقال الطيبي -رحمه الله- أيضًا:
يعني: أنَّ ذلك لَعَسير صعب، ولكن يسير على من يسره الله تعالى، فحقيق أنْ لا يكون هذا من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القوى والقُدَر (أي: من الوحي). الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3323).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «ويتوب الله على من تاب» من المعصية، ورجع عنها، أي: يوفقه للتوبة، أو يرجع عليه من التشديد إلى التخفيف، أو يرجع عليه بقبوله. الكواكب الدراري (22/ 206).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
أي: يقبل التوبة من التائب عن حرصه المذموم، وعن غيره من المذمومات. شرح المصابيح (5/ 423).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اعلم أنَّ لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى: قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية بعد توبة العبد؛ وهي قبول التوبة. كتب و رسائل للعثيمين (8/ 91).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
هذه طبيعة الإنسان ونفسه إلا من أخرجه إليه من حضيض الطبيعة إلى ذروة العرفان، وقليل ما هم، كما قال: «ويتوب الله على من تاب». لمعات التنقيح (8/ 489).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
معناه: أنَّ الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره مما يُذم، وهو تحذير من الحرص، وحب المال، وإخبار بأنه يكون ذلك مع الهرم الذي ينبغي معه خلاف ذلك، وأنْ يجاهد نفسه في دفع الأمرين عنها. التحبير (3/ 647).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قيل: وفيها إشارة إلى ذم الاستكثار من جمع المال، وتمني ذلك، والحرص عليه؛ للإشارة إلى أنَّ الذي يترك ذلك يُطلق عليه أنه تاب، ويحتمل أنْ يكون تاب بالمعنى اللغوي، وهو مطلق الرجوع، أي: رجع عن ذلك الفعل والتمني. تحفة الأحوذي (6/ 519).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ويتوب الله على من تاب» وقعت هذه الجملة موقع الاستدراك، فكأنه قال: حبُّ المال جِبِلٌّ في الإنسان، ولكن يمكن تهذيبه بتوفيق الله لمن يريد له ذلك. المنهل الحديث (4/ 201).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على أنَّ الآدمي لا يشبعه كثرة المال، وأنه لا يملأ بطنه إلا التراب، وأنَّ الإكثار ليس يقلل من حرصه، ولا يهضم من شَرَهِهِ. الإفصاح (3/ 49).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: ذم الحرص على الدنيا، وحب المكاثرة بها، والرغبة فيها. المنهاج (7/ 139).
وقال ابن الديبع -رحمه الله-:
الحديث يشير إلى أنَّ المال سبب رئيسي من أسباب فساد الإنسان، واختلال توازنه، وضلاله في الدين. مكفرات الذنوب وموجبات الجنة (ص: 23).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي هذا الحديث):
1. منها: أنَّ أحاديث الباب تدلُّ على ذمّ الحرص والشَّرَه، ومِن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا، والقناعة باليسير، والرضا بالكَفَاف.
2. ومنها: أنَّه ينبغي للعبد أنْ يكون قصير الأمل، حتى يُقبل على الآخرة إقبالًا كلّيًّا؛ لأنه إذا كان طويل الأمل في الدنيا فترت همّته في الآخرة.
3. ومنها: بيان كون الإنسان مجبولًا على حبّ الدنيا، والاستكثار منها، وطول البقاء فيها.
4. ومنها: الحثّ على التوبة من هذه الخصال الذميمة.
5. ومنها: بيان سعة كرم الله -عزَّ وجلَّ- وفضله؛ حيث إنه إذا تاب العبد إليه تاب عليه، وسَتَرَ ما مضى من عيوبه، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} الشورى: 25 - 26. البحر المحيط الثجاج (20/ 46-47).
وللمزيد من الفائدة ينظر: