«أوَّلُ خَصْمَيْنِ يومَ القيامةِ جَارَانِ».
رواه أحمد برقم: (17372)، والطبراني في الكبير برقم: (836)، من حديث عُقْبَة بن عَامِر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2563)، وصحيح الترغيب والترهيب برقم: (2557).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«خَصْمَيْنِ»:
الخَصْمُ: مصدر خَصَمْتُهُ، أي: نازعته خَصْمًا، يُقال: خَاصَمْتُه وخَصَمْتُهُ مُخَاصَمَةً وخِصَامًا، قال تعالى: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ} البقرة: 204 {وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ} الزخرف: 18، ثم سُمِّي المُخَاصِم خصمًا، واستُعمل للواحد والجمع، وربما ثُنِّي، وأصل المُخَاصَمَة: أنْ يتعلَّق كلّ واحد بخصم الآخر، أي: جانبه، وأنْ يجذب كلّ واحد خصم الجوالق مِن جانب، وروي: (نسيتُه في خَصْمِ فراشي)، والجمع خُصُوم وأخصام. المفردات، للراغب (ص: 284-285).
شرح الحديث
قوله: «أوَّلُ خَصْمَيْنِ يومَ القيامةِ جَارَانِ»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «أول خصمين يوم القيامة جاران» جاز أنَّ المخاصمة هي المُحاجَجة والاختلاف. فتح القريب المجيب (10/ 587).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أول خصمين» أي: متخاصمين بعد خصام أهل النار «يوم القيامة جاران» أي: فيما حصل من الأذى، أو وقع تقصير من حقوق واجبة الأداء. مرقاة المفاتيح (8/ 3130).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
«أول خصمين يوم القيامة جاران» لم يحسن أحدهما جوار صاحبه، ولم يفِ له بحقه.
ومقصود الحديث: الحث على كف الأذى عن الجار وإنْ جار، وأنه تعالى يهتم بشأنه، وينتقم للجار المظلوم من الظالم، ويفصل القضاء بينهما، وإلا فمن شعائر الإيمان: الكف عن أذى الجيران، وعدم منازعتهم ومعارضتهم فيما يصدر منهم وعنهم من الأضرار وسوء العشرة والجوار، ويجب أنْ تعلم أنَّ ذلك ليس إلا بتسليط الله إياهم عليك؛ لما تستوجبه أفعالك الذميمة، وما يعفو الله أكثر، فالحذر من المنازعة الحذر. فيض القدير (3/ 84).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «جاران»؛ لكثرة ما بينهما من الحقوق، مع الغفلة عن أدائها. حاشيته على مسند أحمد (4/201).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أول ما يحاسب العبد فيما بينه وبين ربه هو الصلاة؛ لفضلها على سائر العبادات، وأول ما يُقضَى من حقوق العباد قتل النفس؛ فإنه أكبر الخطيئات، وأما هذا الحديث فمقيد باختصام خصمين وقع الذنب من كل منهما نوع تقصير، وإنْ فُرِضَ أنَّ التقصير من أحدهما، فإطلاق الخصمين على التغليب أو المشاكلة، كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الشورى: 40.مرقاة المفاتيح (8/ 3130).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
والجار في اللغة يقع على معانٍ، منها: الجار الذي يلاصق منزلك، والجار الشريك؛ لأنه يجاور شريكه ويساكنه في الدار المشتركة، ومنه سمي الرجل جار زوجته، والمرأة جارة زوجها. الشافي (4/ 176).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها، ثم أكثرها، وهلم جرًّا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيعطى كل حقه بحسب حاله، وقد تتعارض صفتان فأكثر، فيرجح أو يساوي. فتح الباري (10/ 441، 442).
وقال ابن العربي المالكي -رحمه الله-:
اختلف الناس في حد الجوار، فقيل في ذلك: أربعون دارًا، وليس في ذلك حديث يعوَّل عليه.
والجار على الحقيقة مَن كان قريبًا منك، أو مَن يجمعك معه مجلس أو مسجد، أو تُنَاوله ويُنَاولك مثل نار أو ملح، وغير ذلك. المسالك (7/ 394).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
اختلف في حد الجوار، فجاء عن علي -رضي الله عنه-: «مَن سمع النداء فهو جار»، وقيل: مَن صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: "حد الجوار أربعون دارًا من كل جانب"، وعن الأوزاعي مثله، وأخرج البخاري في الأدب المفرد مثله عن الحسن (البصري)، وللطبراني بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعًا: «ألا إنَّ أربعين دارًا جار»، وأخرج بن وهب عن يونس عن ابن شهاب: أربعون دارًا عن يمينه وعن يساره، ومن خلفه ومن بين يديه، وهذا يحتمل كالأول، ويحتمل أنْ يريد التوزيع، فيكون من كل جانب عشرة. فتح الباري (10/ 447).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الجار هو الملاصق لك في بيتك والقريب من ذلك، وقد وردت بعض الآثار بما يدل على أنَّ الجار أربعون دارًا كل جانب، ولا شك أنَّ الملاصق للبيت جار، وأما ما وراء ذلك فإن صحت الأخبار بذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فالحق ما جاءت به، وإلا فإنه يرجع في ذلك إلى العُرْف، فما عده الناس جوارًا فهو جوار. شرح رياض الصالحين (3/ 176).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
الجيران أربعة: أحدهم: مَن ساكنك في الدار؛ ولهذا سمت العرب زوج الرجل جارته، قال الأعشى لامرأته:
أيا جارتي بِيْنِي فإنكِ طالقه.
والثاني: الملاصق المنزل لمنزلك، إذا كان بابه يشرع في المحلة كما يشرع بابك.
الثالث: الذي معك في المحلة وإنْ لم يلاصقك، وهؤلاء الثلاثة الأصناف من الجيران هم الذين تقع الوصية لهم إذا قال الموصي: كذا وكذا من مالي لجيراني، فإنْ لم يكن من هؤلاء أحد فجيران المحلة جيرانه، صاروا جيرانًا بفقد أولئك...
والرابع من الجيران: الذي جمعك وإياه بلد واحد، يقول الله -عز وجل- في المنافقين: {لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} الأحزاب: 60، يعني: في المدينة، وإنما يسمى هذا جارًا في بعض الأحوال دون بعض، وإنْ تقابله بمن ليس يجمعك وإياه سبب، كأنكما في بلد غريبان، وأنتما من بلد، فتقول: هذا جاري في بلدي، وقد بيَّن النمر بن تولب أنَّ من الجيران الداني والقاصي بقوله:
فلا الجارة الدنيا لها تَلْحَيَنَّها *** ولا الضيف فيها إنْ أناخ محوَّلُ. المسائل والأجوبة (ص:40 - 42).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
الجيران ثلاثة: كافر فله حق واحد بالجوار، ومسلم أجنبي فله حقان بالجوار والإسلام، ومسلم قريب فله ثلاثة حقوق بالجوار والإسلام والقرابة، كذا قاله بعض العلماء. التعيين (1/ 136).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
اعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى، فإنَّ الجار أيضًا قد كف أذاه، فليس في ذلك قضاء حق، ولا يكفي احتمال الأذى، بل لا بد من الرفق وإسداء الخير والمعروف؛ إذ يقال: إنَّ الجار الفقير يتعلَّق بجاره الغني يوم القيامة، فيقول: يا رب، سل هذا لِمَ منعني معروفه، وسد بابه دوني؟ إحياء علوم الدين (2/ 213).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
مَن التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وبره. إكمال المعلم (1/ 284).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فالوصاة بالجار مأمور بها، مندوب إليها، مسلمًا كان أو كافرًا، وهو الصحيح، والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حُسن العشرة، وكف الأذى، والمحاماة دونه، روى البخاري عن عائشة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننتُ أنه سيورثه»، وروي عن أبي شريح، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» قيل: يا رسول الله، ومَن؟ قال: «الذي لا يأمن جارُه بوائِقَه (أي: غوائله وشروره)» وهذا عام في كل جار، وقد أكد -عليه السلام- ترك إذايته بقسَمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الإيمان الكامل من آذى جاره، فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه، وحضَّا العباد عليه. الجامع لأحكام القرآن (5/ 184).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فأما أذى الجار فمحرم، فإنَّ الأذى بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريمًا. جامع العلوم والحكم (1/ 343).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
فأما إكرام الجار والإحسان إليه فمأمور به، وقد قال الله -عز وجل-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} النساء: 36. جامع العلوم والحكم (1/ 345، 346).
وقال المغربي -رحمه الله-:
وقد عُدَّ إيذاء الجار من الكبائر، وورد في ذلك أحاديث كثيرة، وكفى في ذلك التوصية في كتاب الله -سبحانه وتعالى- بالجار. البدر التمام (7/ 215).
وقال المغربي -رحمه الله- أيضًا:
الأذى وإنْ كان محرمًا في حق غير الجار، إلا أنه في حق الجار أشد، فلا يُغتفر منه شيء وإن كان يسيرًا، بل ما يُعد في العرف أذى، بخلاف إيذاء غيره، فإنه لا يكون كبيرة إلا إذا كان فيه ضرر، بحيث لا يحتمل عادة، ووجه الفرق بينهما ظاهر؛ لِمَا علم من الأحاديث الصحيحة من تأكُّد حرمة الجار، والمبالغة في رعاية حقوقه، حتى كان مِن حقه ألا يؤذيه بقُتَارِ (دخان ذو رائحة خاصة ينبعث من الطبيخ أو الشواء أو العظم المحروق) قِدْرِه، إلا أن يغرف له مِن مَرقته، ولا يَحجب عليه الريح إلا بإذنه، وإنْ اشترى فاكهة أهدى إليه منها، وغير ذلك من الحقوق التي دلت عليها السُّنة الصحيحة. البدر التمام (7/ 215، 216).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
ولا شك أنَّ الألفة بين الجيران فيها مصالح كثيرة:
منها: التعاون على البر والتقوى فيما إذا كان أحدهما مقصِّرًا.
ومنها: الحماية والرعاية؛ لأن جارك يحميك.
ومنها: التغاضي عن الحقوق إذا كان بينك وبينه حق، ومعلوم أنَّ الجار بينه وبين جاره حق، فإذا كنتَ تهدي إليه ويهدي إليك تغاضى عن حقوقك، وتغاضيتَ أنت عن حقوقه.
ومنها: أنَّ الإنسان ينال بها كمال الإيمان؛ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره»؛ ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالهدية إلى الجيران حتى في الشيء القليل. فتح ذي الجلال والإكرام (4/ 321، 322).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- أول قضاء يقضيه الله بين عباده يوم القيامة القضاء في الدماء.
- الصلاة أول ما يُحاسب عليها العبد.