«أَنَّ رسولَ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان إذا توضَّأَ أَخَذَ حَفْنَةً مِن ماءٍ فقال بها هكذا، ووَصَفَ شُعْبةُ: نَضَحَ بِهِ فَرْجَهُ».
رواه أحمد برقم: (15384)، وأبو داود برقم: (167) والنسائي برقم: (134) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (461)، من حديث الحَكَم بن سفيان الثقفي -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4697)، صحيح أبي داود برقم: (159).
غريب الحديث
«حَفْنَةً»:
أي: غَرْفة. بذل المجهود، للسهارنفوري (2/ 280).
وقال الصاحب بن عباد -رحمه الله-:
الحَفْنُ: أَخْذُكَ الشيء بِرَاحَةِ كَفِّكَ، ومِلْءُ كُلِّ كَفٍّ حَفْنَةٌ. المحيط في اللغة(1/ 232).
«نَضَحَ»:
النَّضْحُ: الرَّشُّ وَالْبَلُّ. المغرب، للمطرزي (ص: 466).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ إذا توضأَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«كان إذا توضأ» أي: فرغ من الوضوء. التيسير (2/ 243).
وقال النووي -رحمه الله-:
المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أنَّ لفظة (كان) لا يلزم منها الدوام، ولا التكرار، وإنَّما هي فعل ماضٍ، يدل على وقوعه مرة، فإنْ دل دليل على التكرار عُمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها. المنهاج (6/ 21).
قوله: «أَخَذَ حَفْنَةً من ماءٍ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
تفسير الحَفْنَة بملءِ الكف، أو بملء الكفين محتمل في الحديث، لكن الظاهر الأول؛ لأنَّه ورد في رواية: «فأَخَذَ كفًّا من ماءٍ» والله أعلم. ذخيرة العقبى (3/ 281).
وقال محمد المختار الشنقيطي -رحمه الله-:
قوله: «حفنةً» الحفنة: ملء اليدين معًا. شروق أنوار المنن الكبرى (2/ 431).
قوله: «فقال بها هكذا، ووصف شعبة: نَضَحَ به فرجَهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال» أي: رشَّ بتلك الحفنة؛ لأن (قال) تُطلَق على جميع الأفعال... «هكذا» أي: رش رشًّا مثل هذا الرش، فهو مفعول مطلق لقوله: «قال»، قال خالد: «ووصف شعبة» ابن الحجاج، أي: بيَّن معنى قوله: فقال بها هكذا بأنه «نضح» أي: رش «به» أي: بما أخذه من الماء «فرجه» أي: الثوب الذي على فرجه. ذخيرة العقبى (3/ 281، 282).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«نضح به فرجه» أي: رشَّه بها؛ دفعًا للوسوسة، وتعليمًا للأمَّة، أو لينقطع البول، فإن البارد يقطعه. التيسير (2/ 243).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الانتضاح ها هنا: الاستنجاء بالماء، وكان من عادة أكثرهم أنْ يستنجوا بالحجارة، لا يمسون الماء، وقد يُتناول الانتضاح أيضًا على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء به؛ ليرفع بذلك وسوسة الشيطان. معالم السنن (1/ 63).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما الانتضاح فاختُلف فيه، فقيل: هو نضح الفرج بقليل من الماء بعد الوضوء؛ لدفع الوسواس، والصحيح الذي قاله الخطابي والمحققون: إنه الاستنجاء بالماء، بدليل رواية مسلم: «وانتقاص الماء» وهو بالقاف والصاد المهملة، قال الخطابي: هو مأخوذ من النضح، وهو الماء القليل. المجموع (1/ 285).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وهذا الحَديث فيه تَأويلات:
الأول: إذا توَضأت فصُب الماء على العضْو صَبًّا، ولا تقتصر على مَسحِهِ؛ فإنهُ لا يُجزئ فيه إلا الغسْل.
الثاني: استبرئ الماء بالنثر والتنَحنُح، يُقالُ: نَضحْت: أَسَلْتُ، وانتضحت: تعَاطيت الإسَالة.
الثالث: رَشّ الإزار الذي يَلي الفَرج بالماء؛ ليكون ذلك مُذْهِبًا للوسَواس.
الرابع: معناه الاستنجاء بالماء، إشارَة إلى أنهُ يجمَع بينه وبينَ الأحجار. قال النووي: الصَّحيحُ ما قاله الخَطابِي والمحققونَ: إنه الاستنجاء بالماء. شرح سنن أبي داود (2/ 182).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الانتضاح بالماء: هو أنْ يأخذ قليلًا منه فيرش به مذاكيره بعد الوضوء؛ لينفي عنه الوسواس، وقد نضح عنه الماء، ونضحه به إذا رشه عليه. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 780).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قيل: إنه كان يفعل ذلك قطعًا للوسوسة، وقد أجاره الله تعالى عن تسلط الشيطان، فلعله كان يفعل ذلك تعليمًا للأمَّة، أو يفعل ذلك ليرتد البول، ولا ينزل منه الشيء بعد الشيء. الميسر (1/ 138).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: رش إزراه بقليل من الماء، أو سرواله به؛ لدفع الوسوسة تعليمًا للأمَّة. مرقاة المفاتيح (1/ 388).
وقال السندي -رحمه الله-:
قيل: هو الاستنجاء بالماء، وقيل: رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء؛ ليدفع به وسوسة الشيطان، وعليه الجمهور. فتح الودود (1/ 121).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
الحق أنَّ المراد بالانتضاح في هذا الحديث هو الرش على الفرج بعد الوضوء، وكما يدل عليه ألفاظ أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب. شرح الترمذي (6/3).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- أيضًا:
لا يلزم من النضح أنْ يمس الفرج، فإنْ فعل انتقض الوضوء. شرح سنن النسائي (8/ 8).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
إذا كان الرجل يعتريه كثرة خروج البول منه، أو كثرة المذي، انتضح بالماء عند فراغه من طهوره؛ ليدفع بذلك وساوس الشيطان عن نفسه، وليس ذلك مستحب لمن لا علة به، والله الموفق للصواب. الأوسط (1/ 244).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
أي: يرش الماء على مذاكيره بعد الوضوء، وكان -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- يفعل ذلك تشريعًا لأمَّته؛ لدفع الوسواس؛ لأنه قد يتخيل للإنسان بعد أنْ يتوضأ أنه خرج من فرجه بول، فيحصل له الشك، فإذا فعل ذلك انقطع عنه سبيل الوسواس. المنهل العذب (2/ 152).
وقال البهوتي الحنبلي -رحمه الله-:
«فَرْجَه» أي: ما يحاذيه من ثوبه. كشاف القناع (1/ 134).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
«فرجه» أي: الثوب. شرح سنن أبي داود (11/ 4).
وقال السرخسي -رحمه الله-:
ينبغي أنْ ينضح فرجه وإزاره بالماء إذا توضأ؛ قطعًا لهذه الوسوسة، حتى إذا أحس بشيء من ذلك أحاله على ذلك الماء. المبسوط (1/ 86).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُستحب أنْ ينضح على فرجه وسراويله؛ ليزيل الوسواس عنه، قال حنبل: سألتُ أحمد قلتُ: أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني قد أحدثتُ بعد، قال: إذا توضأتَ فاستبرئ، وخذ كفًّا من ماء فرشَّه على فرجك، ولا تلتفت إليه، فإنَّه يذهب إنْ شاء الله. المغني (1/ 213).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يأخذ حفنة من ماء فينضح بها فرجه وداخل سراويله، أو إزاره بعد الاستنجاء؛ دفعًا للوسواس. المجموع (2/ 112).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
يُستحبُّ إذا توضأ أنْ ينضح فرجه بالماء؛ ليقطع عنه الوسواس بخروج البول، نصّ عليه (يعني: أحمد). شرح عمدة الفقه (1/ 135).
وقال السمناقي الحنفي -رحمه الله-:
هذا إذا كان قريبَ العهد بالوضوء، ولبعيد العهد لا ينبغي. خزانة المفتين (ص110).
وقال العيني -رحمه الله-:
عن نافع قال: كان ابن عمر إذا توضأ نضح فرجه، قال عبيد الله: كان أبي يفعل ذلك، ورُوي ذلك عن مجاهد وميمون وسلمة وابن عباس، وعن هذا قال أصحابنا: من جملة مستحبات الوضوء أنْ ينضح الماء على فرجه وسراويله بعد فراغه من الوضوء، ولا سيما إذا كانت به وسوسة. شرح أبي داود (1/ 388).
وقال محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
دل الحديث: على مشروعية رش الماء على الفرج والسراويل بعد الفراغ من الوضوء، وقد ورد الأمر به في رواية الترمذي وابن ماجه... وإلى طلب الانتضاح ذهب جماعة من العلماء. المنهل العذب (2/ 153).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
- النضح على الفرج بعد الوضوء دفعًا للوسواس.
- مِن موجباتِ الجنة: إحسانُ الوضوء.