السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«‌يُؤتى ‌بالقرآنِ ‌يومَ ‌القيامةِ ‌وأهله ‌الذين ‌كانوا ‌يعملون ‌به ‌تَقْدُمُهُ ‌سورةُ ‌البقرةِ ‌وآلُ ‌عِمْرانَ -وضَرب لهما رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ثلاثةَ أمثالٍ ما نَسِيتُهنَّ بعدُ، قال: كأنَّهما غمامتانِ، أو ظُلَّتانِ سَوداوانِ بينهما شَرْقٌ، أو كأنَّهما حِزْقانِ من طيرٍ صَوافٍّ- تحاجَّان عن صاحبهما».


رواه مسلم برقم: (805)، من حديث النَّوَّاس بن سَمْعَان -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«غَمَامَتانِ»:
يعني: سحابتين بيضاوين، والغياية مثله. مطالع الأنوار، لابن قرقول (5/ 155).
قال الزبيدي -رحمه الله-:
الغمامة: السَّحابة عامة، أو البيضاء منها، سميت لأنها تغم السماء، أي: تسترها، وقيل: لأنها تستر ضوء الشمس. تاج العروس (33/ 181).

«ظُلَّتَانِ»:
أي: سحابتان. مطالع الأنوار، لابن قرقول (3/ 306).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الظلة: السحابة، وجمعها ظلل ومنه عذاب يوم الظلة ومنه رأيت ظلة تنطف السمن والعسل أي سحابة. مشارق الأنوار (1/ 328).
«شَرْقٌ»:
الشرق: الضوء، والشرق: الشمس، والشرق: الشق. الغريبين، لأبي عبيد (3/ 994).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الشين والراء والقاف أصل واحد يدل على إضاءة وفتح، من ذلك شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت، إذا أضاءت، والشروق: طلوعها. معجم مقاييس اللغة (3/ 264).

«حِزْقَان»:
الحِزْقُ والحِزْقَةُ: جماعة من النَّاس والطير والنَّحل وغيرها، وفي الحديث: «كأنهما حِزقان من طيرٍ صواف». مختار الصحاح (ص: 167).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الحاء والزاء والقاف أصل واحد، وهو: تجمع الشيء، ومن ذلك الحِزَق: الجماعات. معجم مقاييس اللغة (2/ 52).

«صَوافّ»:
أي: مُصطفة متضامَّة؛ لتُظلِّل قارئها. كشف المشكل، لابن الجوزي (4/ 150).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
صواف: باسطات أجنحتها في الطيران. الفائق (3/ 82).


شرح الحديث


قوله: «يُؤتى بالقرآن يوم القيامة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يؤتى بالقرآن» أي: متصوَّرًا، أو بثوابه «يوم القيامة وأهلِه» عطف على القرآن. مرقاة المفاتيح (4/ 1461).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
معنى هذا الحديث عند أهل العلم: أنَّه يجيء ثواب قراءته، كذا فسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث، وما يشبه هذا من الأحاديث: أنه يجيء ثواب قراءة القرآن، وفي حديث النواس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على ما فسَّروا؛ إذ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وأهله الذين يعملون به في الدنيا»، ففي هذا دلالة أنه يجيء ثواب العمل. سنن الترمذي (5/ 160).
وقال حافظ الحكمي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: ولا مانع من كون الآتي هو العمل نفسه، كما هو ظاهر الحديث، فأما أن يقال: إن الآتي هو كلام الله نفسه، فحاشا وكلا، ومعاذ الله؛ لأن كلامه تعالى صفته ليس بمخلوق، والذي يوضع في الميزان هو فعل العبد وعمله {وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ} الصافات: 96. معارج القبول (2/ 846).
وقال الصنعاني -رحمه الله- مُتعقِّبًا أيضًا قول الترمذي السابق:
قال الترمذي: ... يجيء ثواب قراءته...
قلتُ: هذا أحد التفاسير، والآخر: أنه تعالى يجعل هذه المعاني والأعراض أجسامًا يوم القيامة، وهو أقرب، وأدلته كثيرة. التحبير(2/ 12).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
والمقصود هنا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أخبر بمجيء القرآن في هذه الصورة أراد به الإخبار عن قراءة القارئ التي هي عمَلُه؛ وذلك هو ثوابُ قارئ القرآن، ليس المراد به أن نفسَ كلامه الذي تكلَّم به، وهو قائمٌ بنفسه يَتصوَّر صورةَ غمامتين. شرح حديث النزول (ص: 56).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا كان يوم القيامة جَعَلَ اللهُ -عز وجل- ثواب هذا القرآن شيئًا قائمًا بنفسه، يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، يشفع لهم عند الله -سبحانه وتعالى-، فإنَّ القرآن إذا تلاه الإنسان محتسبًا فيه الأجر عند الله؛ فله بكل حرفٍ عشر حسنات. شرح رياض الصالحين (4/ 637).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يُؤتَى بالقرآنِ» بالبناء للمفعول، قيل: مصوّرًا بثوابه، والصواب إبقاء النصِّ على ظاهره، فيأتي القرآنُ نفسُه...البحر المحيط الثجاج (16/ 360).

قوله: «وأهلِه الذين كانوا يعملون به»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
وأما إتيان أهلِه فمقصورٌ ذلك عليهم؛ لأنهم أجسام. عارضة الأحوذي (11/ 13).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «يُؤتَى بالقرْآن يومَ القيامة وأهلِهِ الذين كانوا يعملونَ به» هذا إعلامٌ بأنَّ من قرأ القرآن ولم يعملْ به -أعني: لا يحرِّمُ حرامَهُ، ولا يحلِّلُ حلاله، ولا يعتقد عظمته وحرمته- لم يكن القرآنُ شفيعًا له يوم القيامة، وليس له حظٌّ من تلاوته. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 71).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«الذين كانوا يعملون به» هذا إعلام بأن من قرأ القرآن، ولم يعمل به، فلم يُحرِّم حرامه، ولم يُحلِّل حلاله، ولم يعتقد عَظَمته ليس من أهله، ولا يكون القرآن شفيعًا له يوم القيامة، بل يكون حُجة عليه. البحر المحيط الثجاج (16/ 360).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«الذين كانوا يعملون به» دلَّ على أن مَن قرأ ولم يعمل به لم يكن من أهل القرآن. مرقاة المفاتيح (4/ 1461).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -رحمه الله-:
أهل القرآن: هم الذين يصدقون أخباره، وينفذون أحكامه، ويمتثلون لأوامره، ويجتنبون نواهيه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عند حدوده، ويتعظون بمواعظه. توفيق الرب المنعم (2/ 531).

قوله: «تَقْدُمه سورةُ البقرة وآل عمران»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«وآل عمران» يحتمل أن يكون التقدير: وسورة آل عمران، فحذف لدلالة ما قبله عليه، ويحتمل: أنه من باب قطعت رأس الكبشين، أفرد المضاف؛ لكراهة ثقل تثنية المضاف في مثله. دليل الفالحين لطرق (6/ 478).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تَقْدُمُه» أي: تتقدَّم أهلَه، أو القرآنَ «سورة البقرة وآل عمران» بالجر (لآل)، وقيل: بالرفع. مرقاة المفاتيح (4/ 1461).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
(تَقْدُمُهُ) بضمّ الدال، يقال: قَدَمتُ القومَ قَدْمًا، من باب نصر: إذا تقدّمتهم، أي تتقدّم القرآنَ. البحر المحيط الثجاج (16/ 360).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «تَقْدُمُهُ سورةُ البقرة وآل عمران» يعني: يجعل الله للقرآن صورةً تجيء يوم القيامة بحيث يَراه النَّاسُ؛ ليشفع لقارئه، كما يجعل اللهُ لأعمالِ العباد خيرِها وشرها صورةً تُوضَعُ في الميزان، بحيث يراه الناسُ، ويقبلُ المؤمنُ هذا بالإيمان؛ لأنه ليس للعقل إلى مثل هذا سبيلٌ. المفاتيح (3/ 71).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يقدمه» الضمير راجع إلى «القرآن» قيل: يقدم ثواب القرآن ثوابهما،
وقيل: يصور القرآن صورة بحيث يجئ يوم القيامة ويراه الناس، كما يجعل الله لأعمال العباد خيرها وشرها صورة ووزنًا؛ يوضع في الميزان، فليقبل المؤمن هذا وأمثاله، ويعتقده بإيمانه؛ لأنه ليس للعقل إلى مثل هذا سبيل. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1642).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُتعقبًا:
القول الثاني هو الصواب، وأما القول: بأنَّ الذي يأتي هو ثوابُ القرآن، فقدَّمنا ضعفَه، فلا تغفل، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. البحر المحيط الثجاج (16/ 360).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
وأراد بقوله: «تجيء (كما في رواية) البقرة وآل عمران» أي: ثوابهما، يأتي قارئَهما حتى يظله يوم القيامة، ويأتي ثواب الرجل في قبره، ويأتي الرجلَ يوم القيامة حتى يجادل عنه، ويجوز أن يكون الله تعالى يجعل له مثالًا يحاجّ عنه ويستنقذه. تأويل مختلف الحديث(ص: 375).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «تقدمه سورة البقرة» هذا يدلُّ على أنَّ هاتين السورتين أعظمُ من غيرهما؛ لأنهما أطولُ، والأحكام فيهما أكثرُ. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 71).

قوله: «وضرب لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثةَ أمثالٍ ما نَسيتهن بعدُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وَضَرَبَ لهما» أي: للسورتين «رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثلاثةَ أَمْثَالٍ ما نسيتهنَّ»...«مَا» نافية «نَسِيتُهُنَّ» أي: الأمثال الثلاثة «بَعْدُ» بالبناء على الضمّ؛ لقَطعِه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي: بعدما سمعتُ ضَرْبَه -صلى اللَّه عليه وسلم- لها. البحر المحيط الثجاج (16/ 360).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌ثلاثة ‌أمثال» أي: ثلاثة أشباه، «ما ‌نسيتهن» أي: ما نسيتُ تلك الأمثالَ الثلاثة، «بعدُ» أي: بعد سماعي منه، ولا ذُهِلتُ عنها حتى الآن. الكوكب الوهاج (10/ 156).
وقال نور الدين اليوسي -رحمه الله-:
«وضَرَبَ لهما ثلاثةَ أمثالٍ» ضَرْبُ الـمَثَل: اعتبار الشيء بغيره، وتمثيله به. زهر الأكم في الأمثال والحكم (1/ 24).

قوله: «قال: كأنهما غَمامتان»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الغمام: السحاب الـمُلتَفّ، وهي: الغياية إذا كانت قريبًا من الرأس، والظُّلَّةُ أيضًا. المفهم (2/ 431).
وقال المظهري -رحمه الله-:
جعلُ صورتهما كالغمامتين يحتمل أن يكون لها عظمةٌ وخوفٌ في قلوب أعداء قارئهما. المفاتيح (3/ 71).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الغمامة والغمام: الغيم الأبيض، وسُمي غمامًا؛ لأنه يَغُمُّ السماء، أي: يغطيها. كشف المشكل (4/ 150).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «قال» مبيّنًا لتلك الأمثال: «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ» تثنية غَمَامة كسحابة وزنًا ومعنىً، أو هي البيضاء، جمعه غَمَامٌ، وغَمَائم. البحر المحيط الثجاج (16/ 360).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«كأنهما غمامتان، أو ظُلَّتان سوداوان، أو كأنهما حزقان» هذا يدل على أن «أو» ليست للشك؛ لأنه مثّل السورتين بالثلاثة الأمثال، فيحتمل أن يكون أو بمعنى الواو؛ كما يقول الكوفيون، وأنشدوا عليه:
نال الخلافَة أو كانت له قَدَرًا *** كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
وأنشدوا:
وقد زَعَمَت ليلى بأنيَ فاجر *** لنفسي تُقاها أو عليها فُجورُها. المفهم (2/ 432).

قوله: «قال: أو ظُلَّتان سوداوان»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «ظُلّتان» الظُّلة: ما يظلك، وقيل: هي أول سحابة تظلك، ونرى -والله أعلم- أنه إنما وصفهما بالسواد لكثافتهما، وارتكام البعض منهما على بعض؛ وذلك أجدى ما يكون من الظِّلال في الأمر المطلوب عنها. الميسر (2/ 492).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قيل: إنما جُعلتا كالظُّلتين لتكونا أخوفَ وأشدَّ تعظيمًا في قلوب خُصَمائهما؛ لأن الخوفَ في الظُّلة أكثر. شرح مصابيح السنة (3/ 19).
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الظُّلَّة: ما يَستُرك فوقَك. كشف المشكل (4/ 201).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أَوْ ظُلَّتَانِ» بالضمّ أي: سحابتان، «سَوْدَاوَانِ» تثنية سوداء، وُصِفتا بالسواد لكثافتهما، وتراكم بعضهما على بعض؛ وذلك أنفع من يكون من الظِّلال. البحر المحيط الثجاج (16/ 360).

قوله: «بينهما شَرْقا»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «...بينهما شَرْق» قيل: معناه: ضياء ونور، رويناه بسكون الراء وفتحها. إكمال المعلم (3/ 174).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- متعقبًا:
«بينهما شَرْق» قال القاضي أبو الفضل عياض: رويناه بكسر الراء وفتحها، قيل: وهو الضياء والنور، قلتُ: والأشبه: أن الشرْق بالسكون، بمعنى المشرِق، يعني: أن بين تلك الظُّلتين السوداوين مشارقُ أنوارٍ، وبالفتح: هو الضياء نفسه، وإنما نبّه في هذا الحديث على هذا الضياء؛ لأنه لما قال: «سوداوان» قد يتوهم أنهما مظلِمتان، فنفى ذلك بقوله: «بينهما شَرْق» أي: مشارق أنوار، أو أنوار، حسب ما قررناه، ويعني بكونهما سوداوين: أي من كثافتهما التي بسببهما حالتا بين مَن تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب، والله أعلم. المفهم (2/ 432).
قال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «بينهما شَرْق» فالشَّرْقُ: الشمس، والشَّرْق الضوء، والشَّرْق الشَّق، وكل ذلك بفتح الشين، وسكون الراء، وهو في الحديث محتمل لأحد الوجهين -إما الضوء وإما الشق-، والأشبه أنه أراد به الضوء؛ لاستغنائه بقوله: «ظُلَّتان» عن بيان البينونة التي بينهما، فإنهما لا تسمَّيان ظُلَّتين إلا وبينهما فاصلة، فبيّن -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «بينهما شَرْقٌ» أنهما مع ارتكامهما وكثافتهما لا تستُران الضوءَ، ولا تمحوانه، ولا خفاء أن قوله: «ظُلَّتان» في حديث النواس -رضي الله عنه- مُنزَّل منزلة قوله: «غيايتان» في حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-...، ثم إن هذه الرتبة -أعنى تظليل الطير إياه وتصفيفها الأجنحة له- من عجائب الأمور، ونوادر الأشياء على ما شاهدناه وسمعناه، قد علمنا أن تظليل الغمام قد كان لكثير من عباد الله فضلًا عن الأنبياء، بل شهد التنزيل به لعموم بني إسرائيل في قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ} الأعراف: 160، وأما تظليل الطير بتصفيف أجنحتها فإنها مما أكرم الله به نبيَّه الذي آتاه مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده. الميسر (2/ 492).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: أراد بالشرق الشقّ وهو الانفراج، أي: بينهما فُرجة وفصل، كتميزها بالبسملة في المصحف، والأول أشبه، وهو أنه أراد به الضوء؛ لاستغنائه بقوله: «ظلتان» عن بيان البينونة، فإنهما لا تسميان ظلتين إلا وبينهما فاصلة، اللهم إلا أن يقال: فيه تبيان أنه ليست ظلة فوق ظلة، بل متقابلتان بينهما بينونة، مع أنه يحتمل أن يكونا ظُلَّتين متصلتين في الأبصار، منفصلتين بالاعتبار. مرقاة المفاتيح (4/ 1461).

قوله: «أو كأنهما حِزْقَانِ من طيرٍ صَوافّ»:
قال النووي -رحمه الله-:
والحزقان: بكسر الحاء المهملة، وإسكان الزاي، ومعناهما (أي: فِرْقَان وحِزْقَان) واحد، وهما قطيعان وجماعتان، يقال في الواحد: فِرْق وحِزْق وحزيقة، أي: جماعة. شرح صحيح مسلم (6/ 90-91).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
والصَّوافُّ: التي قد بَسَطت أجنحتها في الطيران. كشف المشكل (4/ 201).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«صوافَّ» جمع صافة، وهي الجماعة التي تقف على الصفِّ، وجماعة الطير ترفع أجنحتها بعضها بجنب بعض، «الطير» جمع طائر، وقد يُستعمَل الطير على الواحد. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 71).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وطيرٌ صوافٌّ: يصْفُفْنَ أجنحتهن في الهواء، ومنه قوله سبحانه: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} النور: 41. المفهم (2/ 432).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
ولفظة «أو» فيه للتقسيم والتنويع لا لشك الراوي وتردُّدِه؛ إذ الروايات كلها متَّسقة على هذا المنهاج، ولعل الأول لمن يقرأهما، ولا يعرف معناهما، والثاني: لمن وفِّق للجمع بين تلاوة اللفظ، ودراية المعنى، والثالث: لمن ضمَّ إليها تعليم المستعدين، وإرشاد الطالبين... تحفة الأبرار (1/ 523).

قوله: «تُحاجَّان عن صاحبهما»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«تحاجَّان» لينبِّه به على أن ذينك الفرقين من الطير على غير ما عليه طير نبي الله، من كونهما حاميتين صاحبهما عما يسوؤه. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1641)
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«تحاجَّان عن صاحبهما» الأصل في المحاجة: أن يطلب كلُّ واحد من المتخاصمين أن يردَّ صاحبُه عن حجَّته ومحجته، وأُريدَ ها هنا: مدافعة السورتين عن صاحبهما، والذبِّ عنه؛ وذلك داخلٌ في المعنى المراد من المثل المضروب. الميسر (2/ 492).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «تحاجَّان عن أصحابهما» يعني: تدفعان الجحيم والزبانية والأعداء عن الذين قرؤوهما في الدنيا، وتشفعان لهم عند الله. المفاتيح (3/ 71).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «تحاجَّان عن أصحابهما» أي: يُقيمان الحُجَّة له، ويجادلان عنه، وصاحبهما هو: المستكثر من قراءتهما، وظاهر الحديث أنهما يتجَسَّمان حتى يكونا كأحد هذه الثلاثة التي شبَّهها بها -صلى الله عليه وسلم-، ثم يقدِّرهما الله -سبحانه وتعالى- على النطق بالحُجَّة؛ وذلك غير مُسْتَبعد مِن قدرة القادر القوي الذي يقول للشيء: كُنْ فيكون. تحفة الذاكرين (ص: 400).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
هذا الذي قاله الشوكانيُّ من كونهما يتصوّران حقيقة، هو الحقّ، وأما ما قاله النووي من أن المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين، ففيه نظر لا يخفى، فما الذي أدّاه إلى ترك ما دلّ عليه ظاهر النصّ؟ ومثله ما طوّل به القرطبيّ نفسه في المفهم مما لا ينبغي الالتفات إليه، فتنبّه.
والحاصل: أن حمل ظواهر الكتاب والسنّة على ما يقتضيه ظاهرها إذا أمكن هو الحقّ، ولا يُصار إلى التأويل إلا أن يأتي دليل يصرفها عن الظاهر، كما في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: لَمّا نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الأنعام: 82، الآية، فقد فهم الصحابة -رضي اللَّه عنهم- من الآية عموم الظلم، وأقرّهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على فهمهم، ولكن بيّن لهم المراد هنا بأنه الشرك، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. البحر المحيط الثجاج (16/ 351).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
إنما ضرب مَثل السورتين مرةً بغَمامتين، وكرة بغَيَايتين، وتارة بفِرقين من طير؛ (كما في رواية) لينبِّه على أنهما يُظِلان صاحبَهما عن حرِّ الموقف، وكرْب يومِ القيامة، وإنما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع الثلاثة؛ ترتيبًا لطبقات أهل الإيمان، وتمييزًا بين درجاتهم، فإن العِباد وإن تَباعدت منازلهم في العبودية، واختلفتْ أحوالهم في علوم المعارف، لا يتعدَّون عن الأقسام الثلاثة التي وقع عليها التنصيص في كتاب الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} فاطر: 32 وهم: المفتونون الذين خلطوا عملًا صالحًا، وآخر سيئًا، والأبرار، والمقربون. الميسر (2/ 492).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف يكونان زهراوين (كما في رواية) ويكونان غمامتين سوداوين؟ قلنا: إن بركتهما ومنفعتهما تأتي إليه على كل طريق يخلق له -في كفاءة قراءتهما- نورين، فيراهما زهراوين، يهتدي بهما في الظلمات، ويخلقان له غمامتين يستظل بهما في الحَرُور. عارضة الأحوذي (11/ 13).


ومن فضائل قراءة سورة البقرة وآل عمران وأنهما يأتيان يوم القيامة على شكل غمام تحاجان عن أصحابهما.

ولمزيد من الفائدة ينظر أعظم سورة في القرآن.


إبلاغ عن خطأ