«سأَلَتْنِي أمي متى عهدُكَ؟ تعني بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقلتُ: ما لي به عهدٌ منذُ كذا وكذا، فنالتْ مني، فقلتُ لها: دعيني آتي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فأصليَ معه المغربَ، وأسألُهُ أنْ يستغفرَ لي ولكِ، فأتيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فصليْتُ معه المغربَ، فصلَّى حتى صلَّى العشاءَ، ثم انفتلَ فتبِعْتُهُ، فسمِعَ صوتي، فقالَ: «مَن هذا؟ حذيفة؟» قلتُ: نعم، قالَ: «ما حاجتُكَ؟ غفرَ اللهُ لكَ ولأمِّكَ» قالَ: «إنَّ هذا مَلَكٌ لم ينزلْ الأرضَ قَطُّ قبلَ هذِهِ الليلةِ، استأذنَ ربَّهُ أن يُسَلِّمَ عليَّ، ويبشِّرَني بأنَّ فاطمةَ سيدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ، وأنَّ الحسنَ والحسينَ سيدا شبابِ أهلِ الجنَّةِ».
رواه أحمد برقم: (23329) والترمذي برقم: (3781) واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (8240)، من حديث حذيفة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2257)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (590).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«انفتلَ»:
أَي: انْصَرف. تهذيب اللغة، للهروي (14/ 206).
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
«ثم انفتلَ» أي: انصرف من الصلاة. الأزهار مخطوط لوح (499).
شرح الحديث
قوله: «سألتْني أمي متى عهدُكَ؟ تعني بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «متى عهدك بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؟» يقال: متى عهدك بفلان؟ أي: متى رؤيتك إياه؟ تحفة الأحوذي (10/ 194).
قوله: «فقلتُ: ما لي به عهدٌ منذُ كذا وكذا، فنالتْ مني»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ما لي» أي: ليس لي «فنالت مني» أي: ذكرتني بسوء، زاد أحمد: «وسبَّتني». تحفة الأحوذي (10/ 194).
قوله: «فقلتُ لها: دعيني آتي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فأصليَ معه المغربَ، وأسألُهُ أن يستغفرَ لي ولكِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قلتُ لأمي: دعيني» أي: اتركيني، وخلي سبيلي «آتي» بإثبات الياء فهو استئناف، أي: أنا آتي «النبي -صلى الله عليه وسلم- فأصلي معه المغرب» ولعلها كانت تمنعه لبعد محله؛ خوفًا عليه أو عليها «وأسأله أن يستغفر لي ولك» أي: فأذنتْ لي. مرقاة المفاتيح (9/ 3982).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «آتي النبي -صلى الله عليه وسلم-» استئناف، أي: أنا آتي. الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3914).
قوله: «فأتيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فصليْتُ معه المغربَ، فصلَّى حتى صلَّى العشاءَ، ثم انفتلَ فتبِعْتُهُ فسمِعَ صوتي»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فصليتُ معه المغرب» أي: فجلستُ بعده منتظرًا للوقت المناسب للسؤال، فصلى العشاء، وسيجيء (أي: في المسند) أنَّه بعد المغرب اشتغل بالصلاة إلى أنْ صلى العشاء. حاشيته على مسند أحمد (5/372).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فصلى» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- النافلة «حتى صلى العشاء، ثم انفتل» أي: رجع «فتبعتُه فسمع صوتي». شرح المصابيح (6/ 472).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فصلى» أي: النوافل «حتى صلى العشاء» وفيه: شغل بين العشاءين بصلاة النافلة. لمعات التنقيح (9/ 718).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فصلى» أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- النوافل «حتى صلى العشاء، ثم انفتل» أي: انصرف ورجع «فتبعتُه، فسمع صوتي» أي: صوت حركة رِجْلي. مرقاة المفاتيح (9/ 3982).
قوله: «فقالَ: «مَن هذا؟ حذيفة؟» قلتُ: نعم، قالَ: ما حاجتُكَ؟ غفرَ اللهُ لكَ ولأمِّكَ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقال: مَن هذا؟ حذيفة؟» بحذف حرف الاستفهام. شرح المصابيح (6/ 472).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «مَن هذا؟» استفهم، ثم عرف، فقال: «حذيفة؟» أي: هذا حذيفة، أو أنت حذيفة؟ لمعات التنقيح (9/ 718).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال: مَن هذا؟ حذيفة؟» أي: فقال قبل جوابي: حذيفة؛ لِمَا علم من نور النبوة، أو طريق الفراسة، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: أهذا، أو هو، أو أنت حذيفة؟ «قلتُ: نعم، قال: ما حاجتك؟ غفر الله لك ولأمك» وهذا إبهام وتبيين للحاجة السابقة. مرقاة المفاتيح (9/ 3982).
قوله: «قالَ: إنَّ هذا مَلَكٌ لم ينزلْ الأرضَ قَطُّ قبلَ هذِهِ الليلةِ، استأذنَ ربَّهُ أن يُسَلِّمَ عليَّ، ويبشِّرَني بأنَّ فاطمةَ سيدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ، وأنَّ الحسنَ والحسينَ سيدا شبابِ أهلِ الجنَّةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ثم استأنف وقال: «إنَّ هذا» أي: المحسوس عنده -صلى الله عليه وسلم-، الملحوظ حكمًا عند حذيفة «مَلَكٌ لم ينزل الأرض قبل هذه الليلة» فيه: إيماء إلى تعظيم الأمر الذي نزل فيه، «استأذن ربه أنْ يسلمَ عليّ، ويبشرني بأنَّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأنَّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». مرقاة المفاتيح (9/ 3982).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وأنَّ فاطمة» أمهما (أي: الحسن والحسين) «سيدة نساء أهل الجنة» هذا يدل على فضلها على مريم، سيما إنْ قلنا بالأصح: إنها غير نبيَّة. التيسير (1/ 22).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «فاطمة سيدة نساء أهل الجنة» حُجَّة لمن قال: هي أفضل مِن عائشة وغيرها، ومَن قال: بتفضيل عائشة، قال: معناه: فاطمة مِن سيدة نساء أهل الجنة. الأزهار مخطوط لوح (499).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة أو فاطمة أفضل، إذا حُرِّر محل التفضيل صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم، فإنْ أُريد بالفضل كثرة الثواب عند الله -عز وجل-، فذلك أمر لا يُطَّلع عليه إلا بالنص؛ لأنَّه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح، وكم مِن عامِلَين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه، والآخر أرفع درجة منه في الجنة، وإنْ أُريد بالتفضيل التفضل بالعلم، فلا ريب أنَّ عائشة أعلم وأنفع للأمة، وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤد غيرها، واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها، وإنْ أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب، فلا ريب أنَّ فاطمة أفضل، فإنها بضعة من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك اختصاص لم يشركها فيه غير أخواتها، وإنْ أُريد السيادة ففاطمة سيدة نساء الأمة، وإذا ثبتت وجوه التفضيل، وموارد الفضل وأسبابه، صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلَّم في التفضيل لم يفصل جهات الفضل، ولم يوازن بينهما، فيبخس الحق، وإنْ انضاف إلى ذلك نوع تعصيب وهوى لمن يفضله تكلَّم بالجهل والظلم. بدائع الفوائد (3/ 161-162).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أفضل نساء هذه الأمة: خديجة وعائشة وفاطمة، وفي تفضيل بعضهن على بعض نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه. مجموع الفتاوى (4/ 394).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال السبكي الكبير: الذي ندين الله به أنَّ فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحق أحقُّ أنْ يُتبع.
قلتُ: امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن مِتن في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- كما تقدَّم، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإنَّ لخديجة ما يقابله، وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام، ودعا إليه، وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام، فلها مثل أجر من جاء بعدها، ولا يقدر قدر ذلك إلا الله، وقيل: انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة. فتح الباري(7/ 109).
وقال السهيلي -رحمه الله-:
قد تكلَّم الناسُ في المعنى الذي سادت به فاطمة غيرها دون أخواتها، فقيل: إنَّها وَلَدت سيد هذه الأمة وهو الحسن الذي يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ ابني هذا سيد» وهو خليفة، (و) بعلها خليفة أيضًا.
وأحسن من هذا القول قول مَن قال: سادت أخواتها وأمها؛ لأنَّهن مُتْن في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكن في صحيفته، ومات أبوها وهو سيد العالمين، فكان رزؤه في صحيفتها، وميزانها، وقد روى البزار من طريق عائشة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة: «هي خير بناتي، إنَّها أُصيبت بي» فحق لمن كانت هذه حاله أنْ يسود نساء أهل الجنة، وهذا حسن، والله أعلم.
ومِن سؤددها أيضًا: أنَّ المهدي المبشَّر به آخر الزمان من ذريتها، فهي مخصوصة بهذا كله. الروض الأنف (2/ 279).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» الشباب جمع شاب؛ يعني: هما أفضل مَن مات شابًّا في سبيل الله من أصحاب الجنة، بل هما أفضل أصحاب الجنة شبابهم وشيوخهم سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين، كيف لا وهما جزءا فاطمة، وهي جزء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
قيل: ولم يُرد بالشباب سن الشباب؛ لأنهما ماتا وقد اكتهلا، بل ما يفعل الشاب من المروءة، كما تقول: فلان فتى، وإنْ كان شيخًا، تشير إلى مروءته، ولو قيل: إنَّ أهل الجنة ليس فيهم كهول ولا مشايخ ولا صبيان، بل كمال العمر وهو الشباب، فحينئذٍ يُحشران شابين، فاشتد التفضيل حينئذٍ لتساوي الأسنان هناك؛ أي: سكان أهل الجنة أسنانهم متساوية، فتصح هذه الإضافة لتساوي الفاضل والمفضول في السنِّ، والخلفاء الراشدون وإن حُشروا شبانًا وهم أفضل منهما.
فحاصل الحديث: أنه يجوز أن يريد به الشباب والكهول كما ذكر، أو يريد أرباب الفضائل من أهل الجنة، أو يريد أفضل السكان هناك، ما خلا كذا وكذا، واستوى عُمُر السكان هناك. المفاتيح (6/ 327).
وقال الطيبي -رحمه الله- معلقًا:
أقول: يمكن أنْ يُراد: هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان. الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3913).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
إنَّما قال: سيدا شباب أهل الجنة؛ لأنَّ أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة. الأزهار مخطوط لوح (498).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى الحديث: أنَّ الحسن والحسين -رضي الله عنهما- سيدا كل من مات شابًّا ودخل الجنة، وأنَّ أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- سيدا كل من مات كهلًا ودخل الجنة، وكل أهل الجنة يكونون في سن أبناء ثلاث وثلاثين، ولكن لا يلزم كون السيد في سن مَن يسودهم، فقد يكون أكبر منهم سنًّا، وقد يكون أصغر منهم سنًّا، ولا يجوز أنْ يُقال: وقع الخطاب حين كانا شابين أو كهلين؛ فإنَّ هذا جهل ظاهر، وغلط فاحش؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- توفي والحسن والحسين دون ثمان سنين، فلا يسميان شابين، ولأبي بكر فوق ستين سنة، ولعمر فوق خمسين سنة، فكانا حال الخطاب شيخين، فإنَّ هذا الخطاب كان في المدينة، وإنَّما أقام بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، ولعل هذا الخطاب كان في أواخرها، وينقضي سن الكهولة ببلوغ أربعين سنة، ويدخل بالأربعين سن الشيخوخة، والله أعلم. المسائل المنثورة (ص: 255- 256).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الحسن والحسين» لم يسمَّ بهما أحد قبلهما، ففي طبقات ابن سعد عن عمران بن سليمان: أنهما اسمان من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية، لكن في الكشاف ما يخالفه «سيدا شباب أهل الجنة» أي: مَن مات شابًّا في سبيل الله من أهل الجنة، ولم يُرد سن الشباب حقيقة؛ لموتهما وقد اكتهلا، وهذا مخصوص بغير عيسى ويحيى؛ لاستثنائهما في حديث الحاكم بقوله: «إلا ابني الخالة» (ضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة) وقيل: أراد أنَّ لهما السؤدد على أهل الجنة، وعليه فيخصّ بغير الأنبياء والخلفاء الأربعة. فيض القدير (1/ 105).
قال النووي -رحمه الله-:
اعلم أَنه ينبغي لمن بلغَه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرّة واحدة ليكون من أَهله، ولا ينبغي أن يتركه مُطلقًا بل يأتي بما تيسَّر منه، لقول النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته: «إذا أمرتُكم بشيء فأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطعْتُم». الأذكار ص: 8.
وللمزيد من الفائدة ينظر:
صلاة النبي ﷺ بين المغرب والعشاء.
حكم التنفل بين المغرب والعشاء وحكم المواظبة عليه.