الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

أنَّ عبدَ الملِكِ بنَ مروانَ بَعَثَ إلى أُمِّ الدَّرداءِ بِأَنْجَادٍ مِن عندِهِ، فلمَّا أنْ كان ذاتَ ليلةٍ قامَ عبدُ الملِكِ مِن اللَّيلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ، فكأنَّه أَبْطَأَ عليه، فَلَعَنَهُ، فلمَّا أَصْبَحَ، قالت له أُمُّ الدَّرداءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيلةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حينَ دعوتَهُ، فقالتْ: سمعتُ أبا الدَّرداءِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا يكونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ ولا شُهَدَاءَ يومَ القيامةِ».


رواه مسلم برقم: (2598)، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
وفي سياق أحمد برقم: (27529)، من حديث زيدِ بنِ أَسْلَمَ قال: كان عبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ يُرْسِلُ إلى أُمِّ الدَّرداءِ، فَتَبِيتُ عندَ نسائِهِ، ويسأَلُها عنِ النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، قال: فقامَ ليلةً، فَدَعَا خَادِمَهُ، فَأَبْطَأَتْ عليه، فَلَعَنَهَا، فقالتْ: لا تَلْعَنْ، فإنَّ أبا الدَّرداءِ حدَّثَنِي: أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقولُ: «إنَّ اللَّعَّانِينَ لا يكونون يومَ القيامةِ شُهَدَاءَ ولا شُفَعَاءَ».
صححه الألباني في التعليقات الحسان برقم: (5716).  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«بِأَنْجَادٍ»:
بفتح الهمزة، وبعدها نون، ثم جيم، وهو جمع نَجَد، بفتح النون والجيم، وهو متاع البيت الذي يُزيِّنُه مِن فرشٍ ونمارقٍ وسُتورٍ، وقاله الجوهري: بإسكان الجيم (نَجْد) قال: وجمعه نجود، حكاه عن أبي عبيد، فهما لغتان. المنهاج شرح مسلم، للنووي (16/ 149).

«خَادِمَهُ»:
أي: جاريته. حاشية السندي على مسند أحمد (5/646).
قال الخطيب الشربيني -رحمه الله-:
الخَادِم: يُطلَق على الذَّكَر والأُنْثَى، وفي لُغَة قليلةٍ يُقال للأُنْثَى: خادمة. الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (2/ 487).

«اللَّعَّانُونَ»:
أَي: (مَن) يُكثِر اللَّعْن المحرَّم شرعًا. الديباج شرح مسلم، للسيوطي (5/ 527).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
اللَّعْنُ الإِبْعادُ والطَّرْد من الخير، وقيل: الطَّرْد والإِبعادُ من الله، ومِن الخَلْق: السَّبُّ والدُّعاء، واللَّعْنةُ: الاسم، والجمع لِعانٌ ولَعَناتٌ، ولَعَنه يَلْعَنه لَعْنًا طَرَدَه وأَبعده، ورجل لَعِينٌ ومَلْعُونٌ، والجمع مَلاعِين. لسان العرب (5/ 4044).

«الصِّدِّيق»:
(بالتشديد) هو فِعِّيل للمبالغةِ في الصِّدْق، ويكونُ الذي يُصَدِّقُ قولُهُ بالعَمَلِ. النهاية، لابن الأثير (3/ 18).
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
صِدِّيق: فعيل: وهو الكثير الصِّدق والتصديق، كما قد تقرَّر في صفة أبي بكر -رضي الله عنه-. المفهم (6/ 579).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ عبدَ الملِكِ بنَ مروانَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أنَّ عبدَ الملِكِ بنَ مَروانَ» بن الحكم بن أبي العاص الأُمويّ، أبو الوليد المدنيّ، ثم الدمشقيّ، كان طالب عِلم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها، فتغيَّر حاله، مُلِّك ثلاث عشرة سنةً استقلالًا، وقبلها منازِعًا لابن الزبير تسع سنين، ومات سنة ست وثمانين في شوال، وقد جاوز الستين، وليست له رواية في الكُتب السِّتة، وأخرج له البخاريّ في الأدب المفرد. البحر المحيط الثجاج (40/ 678).

قوله: «بَعَثَ إلى أُمِّ الدَّرداءِ بِأَنْجَادٍ مِن عندِهِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بَعَثَ» أي: أرسل «إلى أُمِّ الدَّرْدَاءِ» هُجَيمة أو جُهَيمة الوصابيَّة، زوج أبي الدرداء «بِأَنْجَادٍ مِن عندِهِ»... وهو متاع البيت الذي يُزَيِّنه، من فُرُشٍ ونَمارقٍ وسُتورٍ. البحر المحيط الثجاج (40/ 678).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله في أول هذا الحديث: «بَعَثَ إلى أمِّ الدرداء بخادمٍ» كذا لابن ماهان، وللجلودي: «بأَنْجَادٍ» بفتح الهمزة، وهو جمع نَجَد، وهو متاع البيت الذي ينجد به من فرشٍ وستورٍ ووسائدٍ، والتنجيد: التزيين، وبيت مُنجَّد: مُزَّين بمتاعه. إكمال المعلم (8/ 69).

قوله: «فلمَّا أنْ كان ذاتَ ليلةٍ، قامَ عبدُ الملِكِ مِن اللَّيلِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلمَّا أنْ» زائدة «كان ذاتَ ليلةٍ» أي: ليلة من الليالي، فـ"ذات" مقحمة، «قامَ عبدُ الملِكِ» بن مروان «مِن اللَّيلِ» "مِن" بمعنى "في" أو هي تبعيضيَّة. البحر المحيط الثجاج (40/ 678).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلمَّا أنْ كان» عبد الملك «ذات ليلة» أي: في ليلة من اللَّيال «قام عبد الملك» من النوم واستيقظ «من» جوف «الليل» لصلاة مثلًا. الكوكب الوهاج (24/ 391).

قوله: «فَدَعَا خادِمَهُ، فكأنَّه أَبْطَأَ عليه، فَلَعَنَهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فَدَعَا خَادِمَهُ» لم يُعرف الخادم «فكأَنَّه أَبْطَأَ» أي: تأخَّر مجيئه «عليه، فَلَعَنَهُ» أي: دعا عليه بأنْ يكون ملعونًا؛ أي: مطرودًا من رحمة الله تعالى. البحر المحيط الثجاج (40/ 678-679).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فدعا خادمه» لحاجته إليه، ولم أرَ مَن ذكر اسم هذا الخادم، «فكأنه» أي: فكأن الخادم «أبطأ» وتأخر في الاستقبال «عليه» أي: على عبد الملك «فلعنه» أي: فلعن عبد الملك الخادم؛ لتأخره عنه. الكوكب الوهاج (24/ 391).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «فدعا خادمه» أي: جاريته «فأبطأت» أي: الجارية (كما جاء في مسند أحمد أنَّها جارية). حاشيته على مسند أحمد (5/646).

قوله: «فلمَّا أَصْبَحَ، قالت له أُمُّ الدَّرداءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيلةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حينَ دَعَوْتَهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فلمَّا أَصْبَحَ» أي: دخل عبد الملك في الصباح «قالتْ له أُمُّ الدَّرداءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيلةَ» منصوب على الظرفيّة «لَعَنْتَ خَادِمَكَ حينَ دَعَوْتَهُ» أي؛ وقت دعائك إياه. البحر المحيط الثجاج (40/ 679).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«قالت له أمُّ الدرداء: سمعتُك الليلة لعنتَ خادمكَ حين دعوته» أي: فقال نعم، وهذه الواقعة حصلت في بيت عبد الملك بن مروان في الشام، والخادم يطلق على الذكر والأنثى، وكان هنا أنثى، فعند أحمد: «كان عبد الملك بن مروان يرسل إلى أم الدرداء، فتبيت عند نسائه، ويسألها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقام ليلة، فدعا خادمته، فأبطأت عليه، فلعنها».
والمعنى: أنَّه أرسل إليها الهدية، ودعاها أنْ تبيت عنده مع نسائه، وكانت قد بلغت من الكبر عتيًّا، فقد ماتت في خلافة عثمان. فتح المنعم (10/ 79).

قوله: «فقالتْ: سمعتُ أبا الدَّرداءِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقالتْ: سَمِعْتُ أبا الدَّرداءِ» عويمر بن زيد بن قيس -رضي الله عنه- «يقولُ: قال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-». البحر المحيط الثجاج (40/ 679).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قالت» استدلالًا على نهيها له: «سمعتُ» زوجي «أبا الدرداء» عويمر بن زيد الأنصاري الدمشقي -رضي الله عنه- «يقول» وهذا السند من خماسيّاته (أي: مسلم؛ إذ يرويه بسند قصير، فيه خمسة رواةٍ فقط). الكوكب الوهاج (24/ 391).

قوله: «لا يكونُ اللَّعَّانُونَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا» نافية «يكونُ اللَّعَّانُونَ» أي: المكْثِرون من اللعن. البحر المحيط الثجاج (40/ 679).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لا يكون اللعانون» بصيغة المبالغة والكثرة، وخصَّهم بالذِّكْر ولم يَقُلْ: اللاعن؛ لأنَّ الصِّدِّيق قد يلعن مَن أَمَرَه الشرع بلعنه، وقد يقع منه اللعن فلتةً وندرةً، ثم يرجع، ولا يخرجه ذلك عن الصِّدِّيقية، واللعن فيه غاية المقاطعة والتدابر؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَعْنُ المؤمن كَقَتْلِهِ»؛ لأنَّ القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة. شرح سنن أبي داود (18/ 660).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قيل: في ذكر اللعانين بصيغة التكثير إشارةٌ إلى أنَّ هذا الذمِّ إنَّما هو لمن أكثر منه اللعن، لا لمن يصدر منه مرة أو مرتين. شرح المصابيح (5/ 237).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اللعَّانُ: صيغة مبالغة، والمراد باللعانين: كثيرو اللعان، يعني: الذي يلعن دائمًا، لسانه رطب من اللعان، والعياذ بالله. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 412).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
ويَقْرُب مِن اللعن: الدعاء على الإنسان بالشر، حتى الدعاء على الظالم، كقول الإنسان مثلًا: لا صحَّح اللهُ جسمه، ولا سلَّمه الله، وما يجري مجراه، فإنَّ ذلك مذمومٌ. إحياء علوم الدين (3/ 126).

قوله: «شُفَعَاءَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّهم لا يكونون شفعاء...» فمعناه: لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار. المنهاج شرح مسلم (16/ 149).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«شفعاء» أي: لا يُشَفِّعُهُمْ اللَّهُ في أحدٍ من أحبابهم من المؤمنين يوم القيامة. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 278-279).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«شفعاء» أي: لا يشفعون يوم القيامة، ولا حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، ويحتمل أنَّ المشفوع إليه إذا كان الشافع لعَّانًا لا تُقبل شفاعته؛ لأنَّ قبول شفاعته إكرام له، واللعَّان لا يُكرم. شرح سنن أبي داود (18/ 660).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ولا شفعاء» أي: لا تكون لهم مرتبة الشفاعة؛ لأنَّهم باللعنة أسقطوا مرتبتهم تلك من (مراتب) الأنبياء (والشهداء). الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3114).

قوله: «ولا شُهَدَاءَ، يومَ القيامةِ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
قوله: «ولا شُهَدَاء يوم القيامة» أي: على الأمم بتبليغ رُسُلِهِم إليهم الرسالات، وقيل: معناه: لا يُرْزقُونَ الشَّهادة، وهي: القَتْل في سبيل الله. الديباج شرح مسلم (5/ 527).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا يكونون شهداء» أي: على الناس، وهم الأمم السالفة، بأنَّ رُسُلَهم بلَّغُوا الرسالة إليهم، فيُحْرَمُون عن هذه المرتبة الشريفة المختصة بهذه الأمة، كما قال تعالى: {وَكَذَلكَ جَعَلْنَاكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} البقرة: 143...، وقال شارحٌ: لا يكونون شهداء؛ لصيرورتهم فاسقين باللعن على الناس. مرقاة المفاتيح (7/ 3028).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «لا يكونون شهداء» يعني: في قوله تعالى: {وَكَذَلكَ جَعَلْنَاكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} البقرة: 143، والمراد بالوسط العدل، واللعنة سالبة للعدالة. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3114).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «لا يكونون شهداء» أي: للمطيعين. لمعات التنقيح (8/ 145).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد يكون هذا في اللعَّانين عقابًا لهم، ونقصًا من منازلهم؛ لأنَّ الشفاعة في الآخرة والشهادة إنَّما هي من الشفقة على المذنبين، والرحمة لهم، فحُرِمها هؤلاء بفعلهم ضدها من اللعنة لهم، المقتضية للقسوة عليهم. إكمال المعلم (8/ 69).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: مَنْ يَلْعَنُ الناسَ في الدُّنْيا فهو فاسقٌ، والفاسِقُ لا تُقبَلُ شهادتُه وشفاعتُه يومَ القيامة؛ يعني: تُكَذِّبُ الأممُ الماضية أنبياءَهم ويقولون: ما بَلَّغُونا رسالَتك يا ربنا، فيقول الله للأنبياء: هل لكم شاهدٌ على أنْ بلَّغتُم رسالتي؟ فيقول الأنبياء: أمةُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- شهداؤنا، فيُجاءُ بأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فيشهدُون أنَّ الأنبياء بَلَّغوا رسالةَ الله أمَّتهم.
والمراد بهذا الحديث: أنَّ اللَّعَّانينَ ليس لهم منزلةٌ عند الله تعالى حتى تُقبلَ شهادتُهم في جملة مَن يَشْهدُ للأنبياء. المفاتيح (5/ 173).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة»؛ لأنَّ اللعن إساءة، بل مِن أبلغ الإساءة، والشفاعة إحسان، فالمسيء في هذه الدار باللعن سَلَبَه اللهُ الإحسان في الأخرى بالشفاعة، فإنَّ الإنسان إنَّما يحصد ما يزرع، والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان، وأما منْع اللعن من الشهادة: فإنَّ اللعن عداوة، وهي منافية للشهادة؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- سيد الشفعاء، وشفيع الخلائق؛ لكمال إحسانه ورأفته، ورحمته بهم. بدائع الفوائد (3/ 207).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
كَتَبَ مولانا محمَّد يحيى المرحوم في "تقريره": وذلك لأنَّ الشهادة مبناها على الأمانة، وهؤلاء خانوا المسلمين بإبعادهم عن الرحمة، وكذلك الشفاعة تبتني على رِقْة القلب، وخلوص النصيحة، ومَن لعن قسا قلبه، ولم يخلص النصيحة، فَأَنّى له أنْ يشفع، أو يكون شهيدًا؟! بذل المجهود (13/ 317).
وقال السندي -رحمه الله-:
«شفعاء عند الله تعالى» في تخليص رقاب الناس عن أثقال الأوزار، ولا شهداء على سائر الأمم، بأنَّ رُسُلهم بلَّغوا الرسالة إليهم، فيُحْرَمُون عن المرتبتين الشريفتين. فتح الودود (4/ 580).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّهم لا يكونون شفعاء ولا شهداء» فمعناه: لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، «ولا شهداء» فيه ثلاثة أقوال:
أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رُسُلِهِم إليهم الرسالات.
والثاني: لا يكونون شهداء في الدنيا، أي: لا تُقبل شهادتهم لفسقهم. والثالث: لا يرزقون الشهادة، وهي القتل في سبيل الله، وإنَّما قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا ينبغي لصِدِّيق أنْ يكون لعانًا»، و«لا يكون اللعانون شفعاء» بصيغة التكثير، ولم يقل: لاعنًا واللاعنون؛ لأنَّ هذا الذم في الحديث إنَّما هو لمن كثر منه اللعن لا لمرة ونحوها؛ ولأنَّه يخرج منه أيضًا اللعن المباح، وهو الذي ورد الشرع به، وهو لعنة الله على الظالمين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الواصلة والواشمة، وشارب الخمر، وآكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهديه، والمصورين، ومَن انتمى إلى غير أبيه، وتولَّى غير مواليه، وغيَّر منار الأرض، وغيرهم ممن هو مشهور في الأحاديث الصحيحة. المنهاج شرح مسلم (16/ 149).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه الزجر عن اللعن، وأنَّ مَن تخلَّق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة؛ لأنَّ اللعنة في الدعاء يُراد بها الإبعاد من رحمة الله تعالى، وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم، والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد، وأنَّ المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمَن دعا على أخيه المسلم باللعنة -وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى- فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر، ويدعو عليه؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَعْنُ المؤمن كقتله»؛ لأنَّ القاتل يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة، ورحمة الله تعالى، وقيل: معنى: «لعن المؤمن كقتله» في الإثم، وهذا أظهر. المنهاج شرح صحيح مسلم (16/ 148-149).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اللعن في اللغة البُعد، واللعَّان: الذي يتكرَّر منه اللعن، كالمدَّاح، ولا يتكرَّر هذا إلا ممن لا يُراعي كلامه، ولا ينظر فيما يقول، والشهادة تقتضي العدالة، وهذا مما ينافيها، وكذلك الشفاعة تقتضي منزلة، وهذا اللاعن نازل عن المنزلة، كيف وقد بولغ في الزجر عن اللعن حتى إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بناقةٍ لُعنت أنْ تُسَيَّب على ما ذكرنا في مسند عِمْران بن حصين، كل ذلك زجر للاعن. كشف المشكل (2/ 163).
وقال الحكيم الترمذي -رحمه الله-:
اللَّعَانُ مُتعسِّفٌ؛ لأنَّ اللعنة مستأصلة، فإنْ أُجيب إلى ذلك فقد أهلك، وإنْ لم يُجَب فقد عمل عمله من الإفراط والتعسُّف، فهو جائر، والجائر لا شهادة له، وروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يكون اللعانون شهداء»؛ لما عندهم من الأِحْنة والعداوة والجَوْر، ولا يكونون شفعاء؛ لأنَّ قلوبهم خالية من الرحمة. نوادر الأصول (1/ 364).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
1. التحذير من كثرة اللعن.
2. أنَّ اللَّعَّانين يُحْرَمُون مِن مَنْصِبَي الشفاعة والشهادة يوم القيامة. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 279-280).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

الدعاء على الكافرين ولعنهم.

التحذير من إتيان الكهان والعرافين. 

من صفات الصدّيقين: ترك اللعن.


إبلاغ عن خطأ