السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ، إلَّا المسجدَ الحرامَ».


رواه البخاري برقم: (1190) واللفظ له، ومسلم برقم: (1394)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم: «أفضلُ» بدل «خيرٌ».
وفي رواية عند أحمد برقم: (15271) وابن ماجه برقم: (1406)، من حديث جابر -رضي الله عنه- «...وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ مِن مائةِ ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ».
وروى أحمد برقم: (16117) وابن حبان برقم: (1620) وغيرهما: عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «... وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ مِن مائةِ صلاةٍ في هذا».
صحيح الجامع برقم: (3838)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1173 ، 1172).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «صلاةٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«صلاة» التنكير للوحدة، أي: صلاة واحدة. مرقاة المفاتيح (2/ 585).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «صلاةٌ...» هذا قد يُشكل من الناحية العربية؛ حيث ابتدأ بالنكرة، فما الجواب؟
الجواب: أنَّها أفادت بالوصف «في مسجدي هذا»، وقد قال ابن مالك:
ولا يجوز الابتدا بالنَّكرة *** ما لم تفد -ثم جعل مثلًا لهذا فقال-:كعند زيد نمرة.
وهل فتًى فيكم فما خلٌّ لنا *** ورجل من الكرام عندنا.
الحديث يطابق المثل الذي ذكره ابن مالك في قوله: "ورجل من الكرام عندنا". فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 438).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«صلاةٌ» فرضًا أو نفلًا. إرشاد الساري (2/ 344).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلفوا هل هذا مخصوص بصلاة الفرض أو غير ذلك من العبادات؟
فذهب الطحاوي إلى تخصيص هذا التفضيل بصلاة الفرض، وذهب مطرف من أصحابنا (المالكية) إلى عموم ذلك في النافلة وغيرها، قال: وجمعة بها خير من جمعة، ورمضان بها خير من رمضان، وقد روى عبد الرزاق في تفضيل صوم رمضان بالمدينة ما فيه حُجة لهم. إكمال المعلم (4/ 512).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
«صلاة» نكرة في سياق الثبوت، فلا تعم، وكان الشيخ ابن عبد السلام يقول: العموم فيها مُستفاد من المعنى والسياق. إكمال إكمال المعلم (3/477).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وقولهم: إنَّ النكرة في سياق الإثبات لا تعم، قاعدة أغلبية. الكوكب الوهاج (15/ 172).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدل به على تضعيف الصلاة مطلقًا في المسجدين، وقد تقدَّم النقل عن الطحاوي وغيره: أنَّ ذلك مختص بالفرائض؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، ويمكن أنْ يُقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه، فتكون صلاة النافلة في بيت بالمدينة أو مكة تُضاعَف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإنْ كانت في البيوت أفضل مطلقًا، ثم إنَّ التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء باتفاق العلماء، كما نقله النووي وغيره، فلو كان عليه صلاتان، فصلى في أحد المسجدين صلاة لم تجزه إلا عن واحدة، والله أعلم.
وقد أوهم كلام المقرئ أبي بكر النقاش في تفسيره خلاف ذلك، فإنَّه قال فيه: حسبتُ الصلاة بالمسجد الحرام، فبلغت صلاة واحدة بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، انتهى، وهذا مع قطع النظر عن التضعيف بالجماعة، فإنها تزيد سبعًا وعشرين درجة، كما تقدم في أبواب الجماعة، لكن هل يجتمع التضعيفان أو لا؟ محل بحث. فتح الباري (3/ 68).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ مذهبنا أنَّه لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة، بل يعم الفرض والنفل جميعًا، وبه قال مطرف من أصحاب مالك، وقال الطحاوي: يختص بالفرض، وهذا مخالف إطلاق هذه الأحاديث الصحيحة، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (9/ 164).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فإنْ قال قائل: هل هذا التفضيل في صلاة الفريضة والنافلة؟
فالجواب: أنَّ فيه تفصيلًا: فالفرائض لا يُستثنى منها شيء، وأما النوافل فما كان مشروعًا في المسجد، شمله هذا التفضيل، كقيام رمضان، وتحية المسجد، وما كان الأفضل فيه البيت، ففعله في البيت أفضل، كالرواتب ونحوها.
فإنْ قال قائل: وهل تضاعف بقية الأعمال الصالحة هذا التضعيف؟
فالجواب: أنَّ تضعيف الأعمال بعدد معين توقيفي، يحتاج إلى دليل خاص، ولا مجال للقياس فيه، فإنْ قام دليل صحيح في تضعيف بقية الأعمال أُخذ به، ولكن لا ريب أنَّ للمكان الفاضل والزمان أثرًا في تضعيف الثواب، كما قال العلماء -رحمهم الله-: إنَّ الحسنات تُضاعَف في الزمان والمكان الفاضل، لكن تخصيص التضعيف بقدر معين يحتاج إلى دليل خاص. الشرح الممتع (6/ 513-514).

قوله: «في مسجدي هذا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في مسجدي هذا» أي: مسجد المدينة، لا مسجد قباء. مرقاة المفاتيح (2/ 585).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «في مسجدي هذا» يعني: مسجد المدينة، وأضافه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى نفسه؛ لأنَّه هو الذي بناه، وابتدأه، فإنَّه -صلى الله عليه وسلم- أول ما قدم المدينة، فأول شيء بدأ به: اختيار مكان المسجد، وبناؤه. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 438).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ هذه الفضيلة مختصة بنفس مسجده -صلى الله عليه وسلم- الذي كان في زمانه دون ما زِيد فيه بعده، فينبغي أنْ يحرص المصلي على ذلك، ويتفطن لما ذكرته، وقد نبهت على هذا في كتاب المناسك، والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (9/ 166).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «في مسجدي هذا» بالإشارة يدلُّ على أنَّ تضعيف الصلاة في مسجد المدينة يختص بمسجده -عليه الصلاة والسلام- الذي كان في زمانه مسجدًا دون ما أُحدث فيه بعده من الزيادة في زمن الخلفاء الراشدين وبعدهم؛ تغليبًا لاسم الإشارة، وبه صرَّح النووي، فخصَّ التضعيف بذلك، بخلاف المسجد الحرام، فإنَّه لا يختص بما كان لظاهر المسجد دون باقيه؛ لأنَّ الكل يعمه اسم المسجد الحرام.
قلتُ: إذا اجتمع الاسم والإشارة هل تغلب الإشارة أو الاسم؟ فيه خلاف، فمال النووي إلى تغليب الإشارة، فعلى هذا قال: إذا قال المأموم: نويتُ الاقتداء بزيدٍ، فإذا هو عمرو، يصح اقتداؤه؛ تغليبًا للإشارة، وجزم ابن الرفعة بعدم الصحة، وقال: لأنَّ ما يجب تعيينه إذا عيَّنه وأخطأ في التعيين أفسد العبادة.
وأما مذهبنا (الحنفية) في هذا، فالذي يظهر من قولهم: إذا اقتدى بفلان بعينه، ثم ظهر أنه غيره، لا يجزئه؛ إذ الاسم يغلب الإشارة. عمدة القاري (7/ 256).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد جاءت الآثار بأنَّ حُكْم الزيادة في مسجده حُكْم المزيد، تضعَّف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أنَّ المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد، لا خارجًا منه؛ ولهذا اتفق الصحابة على أنَّهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أنَّ حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده، ويأمرون بذلك. الإخنائية (ص: 328).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
أما المسجد النبوي فالتضعيف خاص في المسجد الذي هو البناية المعروفة، لكن ما زيد فيه فهو منه، والدليل على ذلك: أنَّ الصحابة -رضي الله عنهم- صلوا في الزيادة التي زادها عثمان -رضي الله عنه-، مع أنَّها خارج المسجد الذي كان على عهد النبي -صلّى الله عليه وسلّم-.
وأما المسجد الحرام ففيه خلاف بين العلماء، هل المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، أو المسجد الخاص الذي فيه الكعبة؟ يقول صاحب الفروع (ابن مفلح): إنَّ ظاهر كلام أصحابنا -يعني الحنابلة- أنَّه خاص بالمسجد الذي فيه الكعبة فقط، وأما بقية الحرم فلا يثبت له هذا الفضل.
وقال بعض العلماء: إنَّ جميع الحرم يثبت له هذا الفضل، ولكل دليل فيما ذهب إليه. الشرح الممتع (6/ 515).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
فإنَّ الصحابة أجمعوا على الزيادة التي زادها عمر، وأجمعوا أيضًا على الصلاة في الزيادة التي زادها عثمان -رضي الله عنه-، ومعلوم أنَّ الزيادة العثمانية قبلي المسجد، وأنَّ الصحابة كانوا يصلون في قبلي المسجد في الصف الأول، ولم يذكر أنهم كانوا يتأخرون حتى يكونوا في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا شبه إجماع من الصحابة على أنَّ ما زيد فيه فله حكمه، وهذا هو الصواب بلا شك، وقد صرَّح به شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أنَّ ما زيد في المسجد فهو منه. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 439).

قوله: «خيرٌ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ» وفي رواية لمسلم: «أفضلُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أفضلُ» وفي الرواية التالية: «خيرٌ»، «مِن ألف صلاة فيما سواه» أي: في غير المسجد النبوي، وفي الرواية التالية: «فيما سواه من المساجد». البحر المحيط الثجاج (24/ 683).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أفضل» أي: أكثر أجرًا «من ألف صلاة فيما سواه» مطلقًا المسجد الأقصى ومساجد حرم مكة، وحرم المدينة، وسائر بقاع الأرض. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 415).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
التَّضعيف للثواب فقط، فلا يجزئ عن الفوائت. السراج المنير (3/ 273).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «أفضل من ألف صلاة» أو «خير من ألف صلاة» يقتضي الزيادة على هذا العدد، والتضعيف بما أعلم الله به، وأما على قوله: «كألف صلاة» فحدٌّ بيِّن في التضعيف. إكمال المعلم (4/ 512).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الصلاة في مسجد المدينة تزيد على فضيلة الألف فيما سواه إلا المسجد الحرام، لا أنَّها تعادل الألف، بل هي زائدة على الألف، كما صرَّحت به هذه الأحاديث: «أفضل مِن ألف صلاة»، و«خيرٌ من ألف صلاة» ونحوه، قال العلماء: وهذا فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب ألف فيما سواه، ولا يتعدَّى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزئه عنهما، وهذا لا خلاف فيه والله أعلم. المنهاج شرح مسلم (9/ 164-166).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- (ذلك) حاثًّا مرغبًا على الصلاة في هذين المسجدين؛ لأنَّ ذكر الفضل في العمل يتضمَّن الحث عليه، والترغيب فيه، ولولا أنَّه يتضمَّن ذلك لكان من باب اللغو والعبث؛ يعني: فإذا أثنى الشارع على فاعل أو فعل فهذا يدل على الحث عليه؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان عبثًا لا فائدة منه. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 438).

قوله: «إلَّا المسجدَ الحرامَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«إلا المسجد الحرام» اختُلف في استثناء المسجد الحرام، هل ذلك لأنَّ المسجد الحرام أفضل من مسجده -صلى الله عليه وسلم-، أو هو لأنَّ المسجد الحرام أفضل من سائر المساجد غير مسجده -صلى الله عليه وسلم-؟ فإنه أفضل المساجد كلها؛ وانجرَّ مع هذا الخلاف: الخلاف في أي البلدين أفضل مكة أو المدينة؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد المدينة بألف صلاة على سائر المساجد إلا المسجد الحرام، فبأقلّ من الألف، واحتجُّوا بما قال عمر -رضى الله عنه-: «صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه» ولا يقول عمر هذا مِن تلقاء نفسه، ولا من اجتهاده؛ إذ لا يُتوصَّل إلى ذلك بالاجتهاد، فعلى هذا تكون فضيلة مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المسجد الحرام بتسعمائة، وعلى غيره بألف. المفهم (11/ 43).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل، ومذهب الشافعي وجماهير العلماء: أنَّ مكة أفضل من المدينة، وأنَّ مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وعكسه مالك وطائفة، فعند الشافعي والجمهور معناه: إلا المسجد الحرام فإنَّ الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي، وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإنَّ الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف. المنهاج شرح مسلم (9/ 163).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
حُكْمُ الاستثناء عند أهل اللسان: إخراج الشيء مما دخل فيه هو وغيره بلفظٍ شامل لهما، وإدخاله فيما خرج منه هو وغيره بلفظ شاملٍ لهما، وقد مثَّل بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في هذا الحديث بمثالٍ بَيَّن فيه معناه، فإذا قلتَ: اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة إلا العراق، جاز أنْ يكون العراق مساويًا لليمن، وجاز أنْ يكون فاضلًا، وأنْ يكون مفضولًا، فإنْ كان مساويًا فقد عُلم فضله، وإنْ كان فاضلًا أو مفضولًا لم يُقدَّر مقدار المفاضلة بينهما إلا بدليل على عدة درجات: إما زائدة على ذلك، أو ناقصة عنها فيحتاج إلى ذكرها. شرح صحيح البخاري (3/ 181).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
وكأنَّه (ابن بطال) لم يقف على دليل الثاني، وقد أخرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان من طريق عطاء عن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا» وفي رواية ابن حبان: «وصلاة في ذلك أفضل من مائة صلاة في مسجد المدينة» قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومَن رفعه أحفظ وأثبت، ومثله لا يقال بالراي، وفي ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» وفي بعض النسخ: «من مائة صلاة فيما سواه» فعلى الأول معناه: فيما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه: من مائة صلاة في مسجد المدينة، ورجال إسناده ثقات، لكنه من رواية عطاء في ذلك عنه، قال ابن عبد البر: جائز أنْ يكون عند عطاء في ذلك عنهما، وعلى ذلك يحمله أهل العلم بالحديث، ويؤيده أنَّ عطاء إمام واسع الرواية، معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير، وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» قال البزار: إسناده حسن.
فوضح بذلك أنَّ المراد بالاستثناء: تفضيل المسجد الحرام، وهو يردُّ على تأويل عبد الله بن نافع، وغيره. فتح الباري (3/ 67).
وقال السندي -رحمه الله-:
لكن ما سيجيء من حديث جابر في الكتاب نص في الباب، فلا ينبغي التكلم بغيره (أي حديث: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه»). كفاية الحاجة (1/ 428-429).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«إلَّا المسجد الحرام» فنصٌّ على أنَّ التقدير للتفضيلِ بين مسجده وبين سائر المساجد، وأبقى المسجد الحرام تحت الاستثناء، فيحتمل أنْ يكون خرج بزيادة عليه، أو بحطٍ منه، فإنْ قيل: فقَد رُوي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام، فإنَّ صلاة فيه خير من مائة صلاةٍ في مسجدي هذا» رواه البغوي وغيره، قلنا: لا ننفي نحن مثل هذا الحديث، ولا نقبله؛ لعدم صحتِه. القبس (ص: 1086).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إلا المسجد الحرام» الاستثناء يحتمل احتمالات متعددة، والذي يظهر من الأحاديث الواردة في الباب: أنَّ الصلاة في المسجد الحرام تفضل الصلاة في مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد ورد أنَّ الصلاة في مسجد الحرام بمائة ألف صلاة، وحمله المالكية على أنَّ الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بأقل من ألف؛ لأنَّ مذهبهم أنَّ المدينة أفضل من مكة، وللقائلين بأفضلية المدينة أنْ يقولوا: الأفضلية لا تنحصر في مضاعفة الثواب، هب أنَّ الصلاة بالمسجد الحرام مضاعفة، ولكن أنواع الكرامات والبركات من محبة اللَّه ورسوله، ومنافع الإسلام وأهله مخصوصة بالمدينة، وأيضًا المضاعفة هي كثرة الكمية، ويحتمل أنَّ الكيفية من البركة والعظمة تكون أعظم وأرجح في المدينة، وكثرة الكمية لا تستلزم الأفضلية كاللؤلؤ الواحد أفضل وأشرف وأحسن ذاتًا من ألف فلس، وإنْ كثرت كمية. لمعات التنقيح (2/449- 450).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «إلا المسجد الحرام» أي: فإنَّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة فيما سواه؛ أي: فيما سوى المسجد الحرام مطلقًا؛ أي: سواء كان ذلك السِّوَى المسجد النبوي، أو الأقصى، أو مساجد حرم مكة، أو مساجد حرم المدينة، أو مساجد سائر بقاع الأرض، والمراد به: ما كان حريمًا للكعبة، كما يدل عليه حديث ميمونة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- عند مسلم، قالت: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة» أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.
فهذا الحديث نصٌّ على أنَّ المراد بالمسجد الحرام: ما حول الكعبة، لا مساجد حرم مكة، كما يقول ذلك مَن ليس له ذوق بقواعد اللغة العربية وفحواها، وهو ما يصح فيه الطواف، مأخوذ من حريم الدار؛ وهو ما يُحتاج إليه في الانتفاع بتلك الدار؛ كمَبَارِكِ الإبل، ومرابض الغنم، ومواضع الحطِّ والترحال، كما ذكروه في باب إحياء الموات، والموضع الذي يحتاج إليه في الانتفاع بالكعبة المطاف؛ أي: الموضع الذي يصح فيه الطواف؛ وهو ما كان بين المسعى، وما على إزائه من سائر الجوانب وبين الكعبة؛ لأنه لا يصح الطواف في المسعى وفي ما على إزائه، ولا يصح تفسير المسجد الحرام بمساجد حرم مكة كلها؛ لأنه يلزم عليه تفضيل مساجد حرم مكة على المسجد النبوي، ولا يقول بذلك من له بصيرة؛ لأنَّ تفضيل مساجد حرم مكة، وتفضيل مساجد حرم المدينة على سائر بقاع الأرض لم يرد به نص، وإنْ ورد تفضيل الحرمين على سائر بقاع الأرض، وإنَّما ورد النص في تفضيل المساجد الثلاثة، ومسجد قباء لا غير، وإنَّما فُضِّل المسجد الحرام لأنه أول مسجد وضع في الأرض؛ ولأنه قبلة المساجد كلها.
وإنَّما فُضِّل مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- على المسجد الأقصى؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- آخر الأنبياء وخاتمهم، وكما فُضِّل هو على الأنبياء، فُضِّل مسجده على سائر مساجد الأنبياء؛ لأن مسجده آخر المساجد المنسوبة إلى الأنبياء. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 410-411).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المراد بالاستثناء: تفضيل المسجد الحرام على مسجد المدينة، كما هو رأي الجمهور، فما ذهبوا إليه هو الحق؛ لظهور أدلته، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (24/ 688).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
مضاعفة الصلاة في المسجد الحرام: أنَّها أفضل من مائة ألف صلاة، فإذا أدى الإنسان فيه فريضة، كان أفضل ممن أدى مائة ألف فريضة فيما سواه، وجمعة واحدة أفضل من مائة ألف جمعة، والمسجد النبوي الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه، والمسجد الأقصى الصلاة فيه بخمسمائة صلاة، فهذا ترتيب المساجد الثلاثة في الفضيلة. الشرح الممتع (6/ 513).
قوله في الرواية الأخرى: «وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ مِن مائةِ ألفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ» وفي رواية «أفضلُ مِن مائةِ صلاةٍ فيما سواه» وفي رواية: «أفضلُ مِن مائةِ صلاةٍ في هذا»:
قال العراقي -رحمه الله-:
يقع في بعض نسخ ابن ماجه: «من مائة صلاة» بدون «ألف» والمعتمد ما نقلته أولًا (مائة ألف). طرح التثريب (6/ 47).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» وفي بعض النسخ: «من مائة صلاة فيما سواه»، فعلى الأول معناه: فيما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه: من مائة صلاة في مسجد المدينة. فتح الباري (3/ 67).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
«وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فيما سواه» كأنَّه يعني: مسجده -عليه السلام-. شرح مشكل الآثار (2/ 62).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» هذا الحديث صريحٌ في أنَّ ثواب الصلاة في المسجد الحرام أكثر من ثواب الصلاة في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-. حاشيته على مسند أحمد (3/459).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قال سفيان (ابن عيينة): فيرون أنَّ الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد النبي، ومن مائة ألف صلاة في غيره. الاستذكار (2/ 371).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يدلُّ على أنَّ المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي بمائة صلاة، فيكون أفضل من غيره بمائة ألف، يعني: لو صليتَ جمعة واحدة في المسجد الحرام صارت أفضل من مائة ألف جمعة فيما عداه، كم مائة ألف جمعة من السَّنة السَّنة فيها حوالي خمس وخمسون جمعة، فيكون حوالي ألْفَي سَنة، على كل حال: فضل عظيم في الصلاة في هذا المسجد. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 439).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا الحديث يدلُّ على فضل مسجده على جميع المساجد ما خلا المسجد الحرام؛ وإنَّما نقصت رتبة مسجده بالإضافة إلى الكعبة لموضع إضافة الكعبة إلى الله -عز وجل-. الإفصاح (4/ 269).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يُؤخَذ من الحديث:
1. استُدل بالحديث على تفضيل مكة على المدينة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه مرجوحة، وهو قول الجمهور، ويؤيده ما أخرجه أصحاب السنن أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حين هاجر من مكة التفت إليها وقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجتُ» وهو حديث صحيح، وذهب جماعة إلى تفضيل المدينة على مكة، وهو المشهور عن مالك وبعض أصحابه، وذهب جماعة إلى تفضيل مكة على المدينة باستثناء البقعة التي دفن فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد حكى الاتفاق على أنَّها أفضل البقاع.
2. ويُؤخَذ منه: تفضيل بعض الأماكن على بعض، واختلاف أجر العبادة باختلافها، كالأزمنة.
3. فضل المسجد الحرام، ومسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة على سائر المساجد في الأرض.
4. الترغيب في شد الرحال إلى هذين المسجدين؛ ابتغاء الأجر والثواب، والله أعلم. المنهل الحديث (2/ 57-58).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان فضل الصلاة في المسجد الحرام، وهل هو خاص بالمسجد أم يعم الحرم كله؟ فيه خلاف، والصحيح أنَّه يعم الحرم كله...
2. ومنها: بيان فضل الصلاة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث إنَّه يضاعف على غيره بأكثر من ألف صلاة، إلا المسجد الحرام، وهل هو خاص بما كان مسجدًا في عهده، أم يعم الزائد بعده؟ فيه خلاف...
3. ومنها: كون مكة أفضل من المدينة؛ حيث إنَّ الصلاة في مكة أفضل من الصلاة في المدينة، وهو رأي الجمهور، وخالف في ذلك مالك...
4. ومنها: أنَّه يُؤخَذ منه أنَّ مَن نذر أنْ يصلي في أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به، إلا إذا كان مكانه أفضل من مكان النذر، وإليه ذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه، وله أنْ يصلي في أي محل شاء، وإنَّما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا نذر حجًّا أو عمرة، والقول الأول هو الأرجح؛ لهذا الحديث. البحر المحيط الثجاج (24/ 684-685).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

المساجد الثلاثة المباركة التي تُشد إليها الرحال

* هل مضاعفة الأجر تختص بالمسجد الحرام أم تعم جميع مساجد الحرم؟


إبلاغ عن خطأ