السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«إذا كانَ أحدُكُمْ في الشَّمسِ» وقال مَخْلَدٌ: «في الفَيْءِ فَقَلَصَ عنه الظِّلُّ، وصارَ بعضُهُ في الشَّمسِ، وبعضُهُ في الظِّلِّ فَلْيَقُمْ».


رواه أبو داود برقم (4821)، والبيهقي في الكبرى برقم: (5921)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وفي السنن الكبرى للبيهقي برقم: (5923)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «إذا كانَ أحدُكُمْ في الْفَيْءِ فَقَلَصَ عنه، فَلْيَقُمْ؛ فإنَّه مَجْلِسُ الشَّيطانِ».
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3084)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (838).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الفَيْء»:
الظلُّ، والجمع: الأفياءُ، يقال: فاءَ ‌الفيءُ، إذا تحوَّلَ عن جهة الغداةِ. العين، للفراهيدي (8/ 406).
وقال أبو بكر الأنباري -رحمه الله-:
يقالُ للموضعِ الذي تكونُ فيه الشمسُ ثم تزولُ عنه: فَيءٌ؛ لأنه عاد إلى مثل الحال التي كان عليها قبل أنْ تقع فيه الشمس. الزاهر في معاني كلمات الناس (2/ 68).

«قَلَصَ»:
قَلَصَ الشيءُ يَقْلِصُ قُلوصًا: ارتفع، يقال: قَلَصَ الظلُّ، ‌وقَلَصَ ‌الماء، ‌إذا ‌ارتفع ‌في ‌البئر...، وقَلَصَ وقلَّصَ وتقلَّصَ، كله بمعنى: انضمَّ وانزوى. الصحاح، للجوهري (3/ 1053).
قال أبو بكر الأنباري -رحمه الله-:
قَلَصَ حرفٌ من الأضداد؛ يقال: قَلَصَ الشيءُ إذا قصُرَ وقلَّ، وقَلَصَ الماء، إذا جمَّ وزاد؛ فمِن المعنى الأول قولهم: "قَلَصَ الظلُّ" إذا قلَّ وقصُر، ومن المعنى الثاني قولهم: "هذه قَلَصَةُ الماء" أي: جمّته (أي ما يَجِمُّ في البئر منه حتى يرتفع) وكثرته. الأضداد (ص 171).

«الظِّلّ»:
الظلُّ معروف، وهو في أول النهار، فإذا نسخته الشمسُ ثم رجعَ فهو "فيءٌ" حينئذٍ. جمهرة اللغة، لابن دريد (1/ 153).
وقال ابن الأنباري -رحمه الله-:
الظلُّ: معناه في اللغة: السّتر، يُقال: لا أزالَ اللهُ عنَّا ظِلَّ فلانٍ، أي: ستره لنا، ويُقال: هذا ظلُّ الشجرة، أي: سترها وتغطيتها. الزاهر (2/ 68).


شرح الحديث


قوله: «إذا كانَ أحدُكُم في الشَّمسِ، وقال مَخْلَد: في الفيْءِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا كان أحدكم في الفَيْء» وهو الظلُّ، وأكثر ما يُستعمل بعد الزوال، وقبل الزوال لا يُسمى فيئًا. شرح سنن أبي داود (18/ 508).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«إذا كان أحدُكم في الشمس» قال الشيخ (محمد حجازي الشعراني الواعظ): المراد بالشمس الفَيْء، أي: الظلّ، كما في لفظ وارد... التقدير: "في فيء الشمس" اهـ. السراج المنير (1/ 164).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
جاء في رواية ابن السرح: «إذا كان أحدكم في الشمس» وفي رواية مخلد (ابن خالد): «إذا كان أحدكم في الفيء». شرح سنن أبي داود (ص: 2).

قوله: «فقلَصَ عنه الظلُّ، وصارَ بعضُه في الشمسِ، وبعضُه في الظِّلِّ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فَقلَصَ» بفتحات، واللام مخفَّفة، «عنه الظلُّ» أي: ارتفع عنه بعضُه، وبقيَ بعضُه. شرح سنن أبي داود (18/ 508).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«فَقَلَصَ عنه» أي: ارتفع، بحيث يخلو عنه بعضُه، ويكون في الشمس، من قولهم: "قَلَصَ الثوبُ"، إذا ارتفعت أذياله. تحفة الأبرار (3/ 217).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فَقَلَصَ عنه الظلُّ» هو من قَلَصَ يَقْلِصُ، مثل ضرب يضربُ، قَلَصَ الظل عني: انقبض...، فلا بد من تقدير مضاف إلى "فيءِ ظلِّ الشمس". التنوير (2/ 181).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «فَقَلَصَ عنه الظلُّ» أمَّا على رواية «الفيء» فظاهر، وأما على رواية «الشمس» فلم يكن عليه ظلٌّ حتى يتقلص عنه، فالتوجيه أنْ يقال: إنَّ المراد بالظل: ظلُّ الشمس، فالتقلص أنْ تنقبض الشمس عنه، أو يقال: إنَّ لفظ: «قَلَصَ عنه الظل» كان على رواية «الفَيء» وأما على رواية «الشمس» فكان (التقدير:) فأتى عليه الظل، يدل عليه لفظ رواية «الفيء» وهو ظاهر. بذل المجهود (13/ 246).

قوله: «فَلْيَقُمْ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فليقُم» أي: فليتحوّل منه إلى مكان آخر، يكون كله ظلًّا أو شمسًا؛ لأن الإنسان إذا قعد ذلك المقعد، فسَدَ مزاجُه؛ لاختلاف حال البدن من المؤثِّرَيْن المتضادّيْنِ...؛ ولأنه خلاف العدالة الموجبة لاختلال الاعتدال، مع أنه تشبّه بمجلس المجانين، ونظيره النهي عن لبس إحدى النعلين، والأَولى أنْ يعلّل بما علّله الشارع من قوله الآتي: «فإنه مجلسُ الشيطان». مرقاة المفاتيح (7/ 2983).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «فليَقُمْ» للندب والاستحباب. الأزهار مخطوط لوح (409).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
أخبرنا أبو طاهر الفقيه... عن مجاهد عن أبي هريرة قال: «رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعدًا في فناء الكعبة بعضه في الظل، وبعضه في الشمس، واضعًا إحدى يديه على الأخرى».
(و) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ... عن معمر، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة قال: «إذا كان أحدكم في الفيء فَقَلَصَ عنه، فليقم؛ فإنه مجلس الشيطان»...
(و) عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبان قال: سمعتُ ابن المنكدر يُحدِّث بهذا الحديث عن أبي هريرة، قال: وكنتُ جالسًا في الظل وبعضي في الشمس، قال: فقمتُ حين سمعته، فقال لي ابن المنكدر: اجلسْ، لا بأس عليك، إنك هكذا جلستَ، راوي هذا الحديث محمد بن المنكدر وقد حمل الحديث على ما روينا عنه، وفي ذلك جمع بين الخبرين، وتأكيد ما أشرنا إليه، والله أعلم (كأنه يريد أنَّ مَن جلس ابتداءً في الظل ثم وصلته الشمس أهون حالًا ممن يتعمد الجلوس بين الظل والشمس، ولكنه خلاف النص المروي). السنن الكبرى (3/ 336).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فليقُم» أي: فليتحول إلى الظل ندبًا وإرشادًا؛ لأن الجلوس بين الظل والشمس مضرٌّ بالبدن...، لو كان في الشمس فقلصت عنه فصار بعضه فيها وبعضه في الظل، كان الحكم كذلك...، فإنْ قلتَ: هذا ينافيه خبر البيهقي عن أبي هريرة: «رأيتُ رسول الله قاعدًا في فناء الكعبة، بعضُه في الظل، وبعضُه في الشمس».
قلتُ: محل النهي المداومة عليه، واتخاذه عادة، بحيث يؤثِّر في البدن تأثيرًا يتولَّد منه المحذور المذكور، أما وقوع ذلك مرّة على سبيل الاتفاق، فغير ضارّ، على أنه ليس فيه أنه رآه كذلك ولم يتحوَّل. فيض القدير (1/ 425).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليقُم» إلى ظل خالص، أو شمس خالصة، ووجه الأمر بالقيام: أنَّ البقاء فيما كان كذلك يولِّد ألمـًا في البدن، قيل: إنه يُولِّد الوَضح (البرص). التنوير (2/ 181).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الجلوس بين الظل والشمس...لا ينبغي، ولا يصلح أنْ يجلس الإنسان في ذلك المجلس لا ابتداءً، ولا إذا كان عارضًا، وابتداءً أي: لا يأتي ويتعمد أنْ يجلس بين الشمس والظل، وإنما يكون كله في الشمس، أو كله في الظل؛ وذلك أنَّ الجسد عندما يكون على هيئة واحدة إما حرارة أو برودة، فإنه يكون متوازنًا، وأما إذا كان بعضه في الظل وبعضه في الشمس فإنه يتأثر بعضه فيحصل له برودة، وبعضه يحصل له حرارة، وهذا مضر، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أرشد إلى عدم فعل ذلك. شرح سنن أبي داود (548/ 20).

قوله في لفظ: «مجلس الشَّيطانِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أي: فإنَّ ذلك المجلس «مجلس» يأمر الشيطان الرجل بالجلوس فيه؛ ليخالف السُّنة. المفاتيح (5/ 146).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وأضاف المجلس إلى «الشيطان» لأنه الباعث على الجلوس فيه، أو كره ذلك المجلس؛ لوقوعه بين النقيضين، واحتوائه على اللونين؛ وذلك يشبه من حيثُ الصورة مراصيد الشيطان بين الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، والذكر والنسيان، من حيث المعنى، ومبنى القولين على الاحتمال، والحق الأبلج فيه وفي أمثاله: التسليم لنبي الله -صلى الله عليه وسلم- في مقاله، فإنه يعلم ما لا يعلمُ غيره، ويرى ما لا يرى غيره. الميسر (3/ 1035).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: ذلك المجلس «مجلسُ الشيطانِ» الظاهر أنه على ظاهره، وقيل: إنما أضافه إليه؛ لأنه الباعث عليه؛ ليصيبه السوء، فهو عدوٌّ للبدن كما هو عدوٌّ للدين، ويدل عليه إطلاق قوله سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فاطر: 6، ويمكن أنْ تكون عداوته للبدنِ بناءً على استعانته بضعف البدَنِ على ضعفِ الدين. مرقاة المفاتيح (7/ 2983).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وهنا علّله بقوله: «وقال» أي: الناهي، وهو النبي -صلى الله عليه وسلم- «مجلسُ الشيطانِ» أي: ذلك، وقد نهى عن طاعة الشيطان، أو الدنو من مجلسه. التنوير (11/ 13).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«مجلسُ الشيطانِ» وأخذ مفهومَ الشرط بعضٌ فقال: إنَّه إذا كان قعوده في ظل وشمس ابتداءً فلا نهيَ، ولا يخفى أنه لا يناسبه التعليل؛ بأنه «مجلس الشيطان»؛ فإنَّ ظاهره أنَّ مجلسه ما كان ظلًّا وشمسًا. (2/ 181 - 182).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
وفي رواية أبي المنيب العتكي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا في النهي عن ذلك، وهذا يحتمل أنْ يكون أراد: كيلا يتأذى بحرارة الشمس. السنن الكبرى (3/ 237).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- معقبًا:
قال: «مجلس الشيطان» فإنها تدل على أنَّ النهي تعبديّ، وليس كما قال البيهقي بعد أنْ ذكر حديث بريدة: "يحتمل أنْ يكون أراد كيلا يتأذى بحرارة الشمس"؛ فإنَّ هذا التعليل لا علاقة له ظاهرة بمجلس الشيطان، والله أعلم. السلسلة الصحيحة (7/ 302).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
هذا الحديث رُوي موقوفًا على أبي هريرة، ورُوي مرفوعًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأصل فيه الرفع، وإنْ لم يروَ مرفوعًا؛ لأنَّ الصحابي لا يُقْدِمُ على التحدث عن بالأمور الغيبية إلا مِن قِبَل الرسول، لا سيما وقد وردت به الروايات من غير هذا الوجه عن نبي الله. الميسر (3/ 1035).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
لكنه في حكم المرفوع. مرقاة المفاتيح (7/ 2983).

لمعرفة المزيد من الفوائد ينظر:

النهي عن إزاحة الجالس من مجلسه ليجلس فيه آخر.

أحقية الجالس في مجلسه إذا رجع إليه. 

* حكم الجلوس بين الظل والشمس.


إبلاغ عن خطأ