السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجلٍ وهو يُعاتِب أَخاه في الحياء يقول: إنك لَتَسْتَحْيِي حتى كأنه يقول: ‌قد ‌أضرَّ ‌بك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دَعْهُ؛ فإن ‌الحياءَ ‌من ‌الإيمانِ».


رواه البخاري برقم: (6118) واللفظ له، وفي نسخة: «يُعاتَب في الحياء»، ومسلم برقم: (36)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وفي رواية البخاري برقم: (24) ومسلم برقم: (36): «مرَّ على رجلٍ من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء...».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«يُعاتب»:
المعاتبة إذا لامك واستزادك. العين(2/ 76).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
العتاب والمعاتبة: التأديب والترويض. تاج العروس(3/ 310).

«يعظ»:
وَعَظْتُ الرّجلَ أَعِظُهُ عِظَةً وموعظة: واتَّعَظَ: تقبّل العِظَةَ، وهو تذكيرُك إيّاه الخيرَ ونحوَه ممّا يرقُّ له قلبُهُ. العين (2/ 228)

«الحياء»:
الحَياء، مَمْدُودٌ، الِاسْتِحْيَاءُ. لسان العرب(14/ 219).


شرح الحديث


قوله: «مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على رجل وهو يُعاتب أَخاه في الحياء»، وفي لفظ: «وهو يَعظ أَخاه في الحياء...»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «مر على رجل» مرَّ عليه ومر به بمعنى واحد أي: اجتاز، والأنصار: جمع الناصر أو النصير، واللام للعهد أي: أنصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين آووا ونصروا من أهل المدينة.
قوله: «وهو يعظ أخاه» أي ينصح أخاه والوعظ النصح والتذكير بالعواقب...
قوله: «في الحياء» أي: في شأن الحياء وفي حقه، ومعناه: أنه ينهاه عنه ويخوفه منه. الكواكب الدراري (1/ 120).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
و«يُعَاتَب» بلفظ المجهول يعني: يُلام ويُذم ويوعَظ فيه. الكواكب الدراري (21/ 235).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
والعَتب لوم على الماضي، والنصح والوعظ والتذكير تنبيه على خير المستقبل، ودعوة إليه. فتح المنعم(1/ 138).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقوله: «يَعظ» أي: ينصح أو يخوِّف أو يذكِّر كذا شرحوه، والأَولى أن يُشرح بما جاء عند المصنف في الأدب... ولفظه: «‌يعاتِبُ ‌أخاه ‌في ‌الحياء، يقول: إنك لتستحيي حتى كأنه يقول: قد أضرَّ بك» انتهى، ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر لكن الْمَخرج متحد، فالظاهر أنه مِن تصرُّف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الآخر، و(في) سببيةٌ، فكأن الرجل كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فعاتبه أخوه على ذلك. فتح الباري(1/ 74).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «يعظ أخاه في الحياء» أي: ‌ينهاه ‌عنه، ‌ويقبِّح ‌له فعله، ويزجره عن كثرته. شرح صحيح مسلم (2/ 6).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«يعظ أخاه في الحياء» يريد لامه على كثرة الحياء. المنتقى شرح الموطأ (7/ 214).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أي: يؤنِّبه ويقبِّح له كثرته، وأنه من العجز، وينهاه عنه. إكمال المعلم (1/ 274).
وقال العيني -رحمه الله-:
«في الحياء» فيه حذف، أي: في شأن الحياء وفي حقه، معناه أنه ينهاه عنه ويخوفه منه...
وقال التيمي: الوعظ الزجر، يعني: يزجره عن الحياء...
وقال بعضهم: الأولى أن نشرح -يعني: قوله: «يعظ»- بما جاء عن المصنف في الأدب... ولفظه: «يعاتب أخاه في الحياء يقول: إنك لتستحيي حتى كأنه يقول: قد أضرَّ بك» انتهى.
قلت: هذا بعيد من حيث اللغة، فإن معنى الوعظ: الزجر، ومعنى العتب: الوَجْدُ... على أن الروايتين تدلان على معنيين جلِيَّيْنِ ليس في واحد منهما خفاء حتى يفسر أحدهما بالآخر، غاية في الباب أن الواعظ المذكور وعظ أخاه في استعماله الحياء، وعاتبه عليه. والراوي حكى في إحدى روايتيه بلفظ الوعظ، وفي الأخرى بلفظ المعاتبة، وذلك أن الرجل كان كثير الحياء، وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فوعظه أخوه على مباشرة الحياء، وعاتبه على ذلك. عمدة القاري (1/ 176- 177).

قوله: «يقول: إنك لَتَسْتَحْيِي حتى كأنه يقول: ‌قد ‌أضرَّ ‌بك»:
قال الباجي -رحمه الله-:
«يقول له: إنك لتستحيي حتى قد أضر ذلك بك» ومنعك من بلوغ حاجتك. المنتقى شرح الموطأ (7/ 214).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«يقول: إنك لتستحي» بكسر الحاء وتحتية واحدة... «حتى كأنه يقول: قد أضرَّ بك» الحياء، وكأنه كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه عن استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك. إرشاد الساري (9/ 73).

قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دَعْهُ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
و«قوله -عليه الصلاة والسلام-: دَعه» زجر للواعظ؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- علم أن ذلك الشخص لا يضره الحياء في دينه، بل ينفعه؛ ولذلك قال له: «دعه»...
وقد يَفْرُطُ الحياء على بعض الناس، حتى يمنعه ذلك من القيام بحق الله -تعالى- من الأمر بالمعروف وتغيير المنكر، ويحمله على المداهنة في الحق، وكل ذلك حياء مذموم شرعًا وطبعًا يحرم استعماله، ويجب الانكفاف عنه؛ فإن ذلك الحياء أحق باسم الجُبن والخور، وأولى منه باسم الحياء والخَفَر (هو الحياء أيضًا). المفهم (1/ 219).
وقال النووي -رحمه الله-:
فنهاه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: «دعه»... أي: دعه على فعل الحياء، وكُفَّ عن نهيه، ووقعت لفظة: «دعه» في البخاري ولم تقع في مسلم. شرح صحيح مسلم (2/ 6).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: دعه» وسبب النهي أنه سمعه يزجره عن الحياء ويقول له: لا تَسْتَحِ، فنهاه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: «دعه» يستحي. شرح سنن أبي داود (18/ 457).
وقال العيني -رحمه الله-:
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «دعه» أي: اتركه على هذا الخُلُق الحسن؛ لأن الحياء خير له في ذلك، بل في كل الأوقات وكل الحالات، يدل على ذلك ما جاء في الرواية الأخرى: «الحياء لا يأتي إلا بخير» وفي رواية أخرى: «الحياء خير كله». عمدة القاري (1/ 176- 177).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فوجَّه -صلى الله عليه وسلم- لومه للَّائم، وعَتَبَه للمُعَاتِب، ونُصْحَه للناصح، وزَجْرَهُ للزاجر، فقال له: دع أخاك على خُلُقه الحميد، وصفته الطيبة، وخصلته الشرعية. فتح المنعم (1/ 137).

قوله: «فإن ‌الحياءَ ‌من ‌الإيمانِ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
«فإن ‌الحياء ‌من ‌الإيمان» يريد -والله أعلم- من شرائع الإيمان... ويحتمل أن يريد به أنه مرافق للإيمان. المنتقى شرح الموطأ (7/ 214).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«من الإيمان» أي: شُعبة منه، فـ«مِن» للتبعيض. اللامع الصبيح (15/ 153).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإن الحياء من» كمال «الإيمان»؛ لأن الحَيِيَّ يخاف فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة، فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات كلها بكثرة حيائه. شرح سنن أبي داود (18/ 457).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: «الحياء من الإيمان» يريد ثمرته. المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 255- 256).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله -عليه السلام-: «دعه؛ فإن الحياء من الإيمان» معناه أن الحياء من أسباب الإيمان وأخلاق أهله. شرح صحيح البخاري (9/ 298- 299).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «‌الحياء ‌من ‌الإيمان»... وقال أبو عبيد الهروي: معناه أن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي وإن لم يكن له تقية، فصار كالإيمان القاطع بينه وبين المعاصي. فتح الباري لابن حجر (10/ 522).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ثم علل ذلك أمره بالترك بما ذكره بالفاء التعليلية، فقال: «فإن الحياء من الإيمان» أي وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه، جَرَّ له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق، لاسيما إذا كان المتروك له مستحقًا. ذخيرة العقبى (37/ 361).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
والذي عندي في ذلك أن الحياء ربما قَطَعَ عن المعاصي كما يقطع الإيمان فصار شُعبة منه... وإذا كان ‌الحياء ‌من ‌الإيمان كان قلة الحياء من الكفر هذا على التضاد لازم؛ لأنه إذا كان قليل الحياء رَكِبَ كل معصية، وجاهر بكل فاحشة، فكأنه شُعبة من الكفر. المسائل والأجوبة (ص: 333- 334).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
ومعنى هذا الحديث -والله أعلم-: أن الحياء يمنع من كثير من الفحش والفواحش، ويشتمل على كثير من أعمال البر، وبهذا صار جزءًا وشُعبة من الإيمان؛ لأنه وإن كان غريزة مركَّبة في المرء فإن المستحي يندفع بالحياء عن كثير من المعاصي، كما يندفع بالإيمان عنها إذا عصمه الله، فكأنه شُعبة منه؛ لأنه يعمل عمله، فلما صار الحياء والإيمان يعملان عملًا واحدًا جُعلا كالشيء الواحد، وإن كان الإيمان اكتسابًا، والحياء غريزة. والإيمان شُعب كثيرة...
ولما كان من لا يستحي راكبًا للفواحش، مرتكبًا للقبيح، لا يحجزه عن ذلك حياء ولا دين كما قال: ...«إذا لم تستحي فاصنع ما شئت».
وقد روينا عن سعيد بن المسيب -رحمه الله- قال: قلة الحياء كفر.
وهذا صحيح المعنى على الضد؛ لأن من لا يستحي لا يبالي من العار والمعاصي ما يأتي، وكان المستحي من أجل حيائه مرتدعًا عن الفواحش والعار والكبائر، فصار الحياء من الإيمان؛ لأن الإيمان عندنا مع التصديق: الطاعات وأعمال البر، ولذلك صار الخُلق الحسن من كمال الإيمان وتمامه على هذا المعنى؛ لأن صاحبه يصبر، فلا يشفي غيظه بما يسخط ربه، ويحلم فلا يفحش، ولا ينتصر بلسان ولا يد، ونحو هذا مما لا يخرج عن معنى ما وصفنا. التمهيد (6/ 371- 373).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقد يُعَدُّ الحياء من الإيمان بمعنى التَّخلق، والتزام ما يوافق الشرع ويحمد منه، فرُب حياء مانع من الخير، مُجْبِن عن قول الحق، وفعله مذموم، ورُبَّ حياء عن المآثم والرذائل مأمور به يجازى عليه، كما جاء في الحديث الآخر: «لكل دِين خُلق، وخُلق الإسلام الحياء»، وكان الحياء مِن خُلق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد يكون الحياء في بعض الناس غريزة وطبعًا جُبل عليه، ولكن استعماله على قانون الشريعة وحيث يجب يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم.
وقد يكتسبه من لم يُجْبَلْ عليه ويتخلَّق به. إكمال المعلم (1/ 273).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وأصله غريزي في الفطرة، ومنه مكتسب للإنسان... وهذا المكتسب: هو الذي جعله الشرع من الإيمان، وهو الذي يكلَّف به.
وأما الغريزي فلا يكلَّف به؛ إذ ليس ذلك مِن كَسْبِنَا، ولا في وسعنا، ولم يكلف الله نفسًا إلا وسعها؛ غير أن هذا الغريزي يُحمل على المكتسب، ويعين عليه... وأول الحياء وأولاه: الحياء من الله تعالى، وهو ألا يراك حيث نهاك، وذلك لا يكون إلا عن معرفة بالله تعالى كاملة، ومراقبة له حاصلة. المفهم (1/ 218).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أيضًا:
فإن من يَفْرُطُ عليه الحياء حتى يمنعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق، واستحيا من الخلق، ومن كان هكذا فقد حُرم نافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس، فإن الله تعالى أحق أن يُسْتَحيا منه من الناس. المفهم (6/ 115).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وقد تقدم أن ‌الحياء ‌من ‌الإيمان، وهو الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر وهو محمود، وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي فهو مذموم، وليس هو بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة، وهو المراد بقول مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي. فتح الباري (1/ 229).
وقال العيني -رحمه الله-:
معناه: أن من استحى من الناس أن يروه يأتي بالفجور وارتكاب المحارم فذلك داعيه إلى أن يكون أشد حياء من الله تعالى، ومن استحى من ربه فإن حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه، والحياء يمنع من الفواحش ويَحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من الفجور ويبعده عن المعاصي ويحمله على الطاعات، فصار الحياء كالإيمان؛ لمساواته له في ذلك، وإن كان الحياء غريزة، والإيمان فعل المؤمن، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «‌الحياء ‌من ‌الإيمان» أي: من أسبابه وأخلاق أهله. عمدة القاري (22/ 164).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، أعم من أن يكون شرعيًا أو عقليًا أو عرفيًا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «‌الحياء ‌من ‌الإيمان»، أي: أثرٌ من آثار الإيمان.
وقال الحليمي: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه، قال غيره: فإن كان في مُحرم فهو واجب، وفي مكروه فمستحب، وفي مباح فهو العرفي...
وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه فيستحيي العاقل أن يستعين بها على معصيته. شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 404- 407).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
واعلم أن الحياء في الإنسان قد يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها: حياؤه من الله تعالى.
والثاني: حياؤه من الناس.
والثالث: حياؤه من نفسه.
فأما حياؤه من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره...
وأما حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح. وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من اتقى الله اتقى الناس»، وروي أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب الطريق عن الناس، وقال: لا خير فيمن لا يستحي من الناس...
وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة الخلوات...، فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة فقد كملت فيه أسباب الخير، وانتفت عنه أسباب الشر، وصار بالفضل مشهورًا، وبالجميل مذكورًا. أدب الدنيا والدين (ص: 148- 250).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
والحياء نوعان:
أحدهما: غريزي، وهو خُلق يمنحه الله العبدَ ويجبله عليه فيكفّه عن ارتكاب القبائح الرذائل، ويحثه على فعل الجميل، وهو من أعلى مواهب الله للعبد، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثر ما يؤثره الإيمان من فعل الجميل والكفِّ عن القبيح، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان، فهو وسيلة إليه كما قال عمر: من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقي.
وقال بعض التابعين: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع.
وقال ابن سمعون: رأيت المعاصي نذالة؛ فتركتها مروءة فاستحالت ديانة.
والنوع الثاني: أن يكون مكتسبًا، إما من مقام الإيمان كحياء العبد من مقامه بين يدي الله يوم القيامة فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه، أو من مقام الإحسان، كحياء العبد من اطلاع الله عليه وقربه منه، فهذا من أعلى خصال الإيمان...
وكان الصدِّيق يقول: استحيوا من الله؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعًا بثوبي؛ حياء من ربي -عز وجل-، وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه؛ حياء من الله -عز وجل-.
قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك. وقد يتولد الحياء من الله مِن مطالعة النعم فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان. فتح الباري (1/ 102- 104).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
الحياء مشتق من الحياة، فإنَّ القلب الحيَّ يكون صاحبه حيًّا فيه حياء يمنعه عن القبائح، فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تُفسد القلب؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «‌الحياء من الإيمان»؛ فإن الحيَّ يدفع ما يؤذيه، بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحًا، والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة، فإذا كان وقحًا يابسًا صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه. تقريب فتاوى (2/ 6).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«‌الحياء ‌من ‌الإيمان»...وهو من خصائص الإنسان، وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان، وجُعل في الإنسان ليرتدع عما تَنْزَع إليه الشهوة من القبائح، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركَّب من خير وعِفّة، ولذلك لا يكون المستحي فاسقًا ولا الفاسق مستحيًا؛ لتنافي اجتماع العفة والفسق، وأما الخجل فحيرةُ النفس لفرط الحياء، ويحمد في النساء والصبيان ويُذم باتفاق في الرجال، والوقاحة مذمومة بكل لسان، وهي عدم الحياء، وهي انسلاخ من الإنسانية، وحقيقتها: لجاج النفس في تعاطي القبيح، واشتقاقها قرحًا من وقاح أي: صلب. التنوير شرح الجامع الصغير (5/ 446).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والحياء: حالة نفسية تعتري الإنسان عند فعل ما يخجل منه، وهي صفة حميدة كانت خُلق النبي -عليه الصلاة والسلام-، فكان من خُلقه -عليه الصلاة والسلام- الحياء، حتى إنه كان أكثر حياء من العذراء في خِدرها -عليه الصلاة والسلام- إلا أنه لا يستحي من الحق.
فالحياء صفة محمودة، لكن الحق لا يُسْتَحْيا منه منه، فإن الله يقول: {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} الأحزاب: 53، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} البقرة: 26، الحق لا يُسْتَحْيا منه منه، ولكن ما سوى الحق فإن من الأخلاق الحميدة أن تكون حَيِيًّا، ضد ذلك من لا يستحي، فلا يبالي بما فعل، ولا يبالي بما قال. شرح رياض الصالحين (2/ 170)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
من فوائد الحديثين:
أولًا: أنَّ الإيمان له خصال متعددة، وجه ذلك: قوله: «‌الحياء ‌من ‌الإيمان»، و "مِن" للتبعيض.
ومن فوائد الحديث: الحث على الحياء، ما لم يكن خورًا أو جبنًا.
ومن فوائد ذلك: أن الإيمان له أثار حميدة ومنها الحياء، فإن الحياء خلق محمود عند كل الناس وهو من آثار الإيمان. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 429).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
أن فيه بيان عِظَم شأن الحياء، وأنه من أعلى الصفات الحميدة التي يتحلى بها المؤمن، وقد ورد في مدحه أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث. ذخيرة العقبى (37/ 362).


وللمزيد من أحاديث الحث على خلق الحياء ينظر حديث رقم: (1438) ورقم: (1453).


إبلاغ عن خطأ