«أَمَرَنَا رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّمَ- بِقَتْلِ الكلابِ، حتَّى إنَّ المرأةَ تَقْدَمُ مِن الباديةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثم نَهَى النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن قَتْلِهَا، وقال: عليكم بالأسودِ البَهِيمِ، ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ فإنَّه شيطانٌ».
رواه مسلم برقم: (1572)، من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«البَهِيمِ»:
هو الذي لا يَخْلِطُ لونَه لونٌ سواه، والبهيم يُوصَف به الحيوان والليل. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 152).
وقال القاسم بن سلام -رحمه الله-:
البهيم من الألوان لا يخالطه غيره، ولا يُقال في الأبيض: بهيم. غريب الحديث (1/ 197).
«ذِي النُّقْطَتَيْنِ»:
أي: الذي فوق عينيه نقطتان بيضاوان. شرح المصابيح، لابن الملك (4/ 507).
وقال النووي -رحمه الله-:
هما نقطتان معروفتان، بيضاوان فوق عينيه، وهذا مشاهَد معروف. المنهاج شرح مسلم (10/ 237).
شرح الحديث
قوله: «أَمَرَنَا رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّمَ- بِقَتْلِ الكلابِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أَمَرَنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقَتْلِ الكلاب» أي: كلاب المدينة. مرقاة المفاتيح (7/ 2261).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قيل في تخصيص كلاب المدينة بالقتل: من حيث إنَّ المدينة كانت مهبط الملائكة بالوحي، وهم لا يدخلون بيتًا فيه كلب. شرح السنة (11/ 212).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أَمَرنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بقتلِ» جميعِ «الكلابِ» بلا استثناء. الكوكب الوهاج (17/ 242).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
سببُ أمْرِه -صلى الله عليه وسلم- بقتل الكلاب هو ما سيأتي للمصنف (مسلم) في كتاب اللباس من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: واعَدَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- جبريل في ساعة يأتيه فيها، فجاءت تلك الساعة، ولم يأته، وفي يده عصا، فألقاها من يده، وقال: «ما يُخْلِفُ اللهُ وعده، ولا رسله» ثم التفت، فإذا جرو كلبٍ تحت سريره، فقال: «يا عائشة متى دخل هذا الكلب ها هنا؟ فقالت: والله ما دريت، فأمر به، فأُخْرِجَ، فجاء جبريل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «واعدتني، فجلستُ لك، فلم تأتِ» فقال: منعني الكلب الذي كان في بيتك؛ إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب، ولا صورة»، وعن ميمونة -رضي الله عنها-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصبح يومًا واجمًا، فقالت ميمونة: يا رسول الله، لقد استنكرتُ هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ جبريل كان وَعَدَني أنْ يلقاني الليلة، فلم يلقني، أَمَ والله ما أَخْلَفَني، قال: فظلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأُخْرِج، ثم أخذ بيده ماء، فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: قد كنتَ وعدتني أنْ تلقاني البارحة، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب، ولا صورة، فأصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنَّه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير». البحر المحيط الثجاج (27/ 464-465).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
مما ورد في التشديد بقتل الكلاب: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن سالم بن عبد الله، عن أبي رافع -رضي الله عنه- قال: «أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ أقتل الكلاب، فخرجتُ أقتلها، لا أرى كلبًا إلا قتلته، فإذا كلب يدور ببيت، فذهبتُ لأقتله، فناداني إنسان من جوف البيت: يا عبد الله ما تريد أنْ تصنع؟ قال: قلتُ: أريد أنْ أقتل هذا الكلب، فقالت: إني امرأة مضيعة، وإنَّ هذا الكلب يطرد عني السبع، ويُؤْذِنُنِي بالجائي، فائتِ النبي -صلى الله عليه وسلم- فاذكر ذلك له، قال: فأتيتُ النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذكرتُ ذلك له، فأمرني بقتله».
وأخرج أحمد أيضًا عن أبي رافع أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يا أبا رافع، اقتل كل كلب بالمدينة» قال: فوجدتُ نسوة من الأنصار بالصَّوْرين (موضع بالمدينة بالبقيع) من البقيع، لهن كلب، فقلن: يا أبا رافع، إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أغزى رجالنا، وإنَّ هذا الكلب يمنعنا بعد الله، والله ما يستطيع أحد أنْ يأتينا حتى تقوم امرأة منا فتحول بينه وبينه، فاذكره للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فذكره أبو رافع للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «يا أبا رافع اقتله؛ فإنما يمنعهن الله» انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (27/ 478-479).
قوله: «حتَّى إنَّ المرأةَ تَقْدَمُ مِن الباديةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى إنِّ المرأة» بكسر «إنَّ» والمراد بالمرأة الجنس، والمعنى: أنَّ المرأة «تَقْدَم» بفتح الدال، أي: تجيء «من البادية بكلبها فنَقْتُلُه» بالنون، أي: نحن، وفي نسخة بالتاء، أي: هي بنفسها. مرقاة المفاتيح (7/ 2261).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «حتى إنَّ المرأة» «حتى» هي الداخلة على الجملة، وهي غاية لمحذوف، أي: أَمَرَنا بقتل الكلاب فقَتَلنا ولم نَدَعْ في المدينة كلبًا إلا قتلناه، «حتى لنقتل كلب المرأة من أهل البادية»، كذا نصَّ في حديث آخر. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2816).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «حتى إنَّ المرأة تقدم» صُحِّح بلفظ المضارع من التقدم، محذوف التاء، ولعل ذكر المرأة وتقدمها عن البادية بالكلب بيان للواقع، وما وقع من قتل بعض الكلاب التي أتت بها امرأة من البادية، أو لأنَّ المرأة لضعفها وشدة احتياجها محلٌّ أنْ تُرحَم، ولا تُهلك أسباب معيشتها، مع أنَّها لا تسكن في البلد، وترجع بكلبها إلى البادية، ففيه مبالغة وتأكيد، واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (7/ 176).
قوله: «ثم نَهَى النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن قَتْلِهَا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم نَهَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قتلها» أي: عن قتل الكلاب بعمومها. مرقاة المفاتيح (7/ 2261).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: قول جابر: «ثم نَهَى النبيُّ عن قتلها» نسخٌ لأمره بقتل الكلاب، والنهي للحرمة في الكلب المنتفع به، وللكراهة في غيره. الأزهار مخطوط لوح (375).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ذهب كثيرٌ من العلماء إلى الأخذ بالحديث (أي: حديث ابن عمر «أنَّ رسول الله أمر بقتلِ الكلابِ إلَّا كلبَ صيدٍ أو كلبَ غنمٍ، أو ماشيةٍ») في قتل الكلاب، إلا ما استَثْنَى مِن كلب الصيد وما ذَكَرَه معه، وهو مذهب مالك وأصحابه، ثم اختلف القائلون بهذا، هل حكم كلبِ الصيد وما ذُكر معه منسوخٌ من العموم الأول، وأنَّ القتل كان عامًّا في الجميع أم كان مخصوصًا على ما جاء في بعض الأحاديث؟
وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها، إلا ما خصَّه آخرًا من الأَسود البهيم، وقوله: «ما لي والكلاب؟» والذي عندي في تنزيل هذه الأحاديث أو ظواهرها تقتضي أولًا النهي العام عن اقتنائها، والأمر بقتلها، ثم تُحمَل الأحاديث الأُخر على نسخ العموم باقتصار القتل على الأَسود، ومنْع الاقتناء إلا لكلب الصيد والضرع والماشية، وقد أشار بعضهم إلى منْع القتل فيما عدا الأسود يدلُّ على جواز اقتنائه، وليس نهي وجوب. إكمال المعلم (5/ 242).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع العلماءُ على قتل الكَلْب الكَلِب (وهو الكلْب الذي ضَرِي بأكلِ لحوم الناس، فيُصِيبُه شِبْهُ الجُنون) والكلْب العقور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه، فقال إمام الحرمين من أصحابنا (الشافعية): أَمَرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أولًا بقتلها كلها، ثم نُسخ ذلك، ونَهَى عن قتلها إلا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء الأَسود وغيره، ويستدل لما ذكره بحديث ابن المغفل.
وقال القاضي عياض:... وعندي أنَّ النهي أولًا كان نهيًا عامًّا عن اقتناء جميعها، وأَمَرَ بقتل جميعها، ثم نَهَى عن قتلها ما سوى الأَسود، ومنعَ الاقتناء في جميعها إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية.
وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن المغفل مخصوصًا بما سوى الأَسود؛ لأنَّه عام، فيُخَصُّ منه الأسود بالحديث الآخر. المنهاج شرح صحيح مسلم (10/235- 236).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فمقتضاه (أي: حديث جابر): أنَّ الأمر كان بقتل الكلاب عامًّا لجميعها، وأنَّه نُسخ عن جميعها إلا الأَسود، وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء.
ولَمَّا اضطربت هذه الأحاديث المروية وجب عَرْضُها على القواعد الأصولية، فنقول: إنَّ حديث ابن عمر ليس فيه أكثر من تخصيص عموم باستثناء مُقْتَرِنٍ به، وهو أكثر في تصرفات الشرع من نسخ العموم بكليته، وأيضًا: فإنَّ هذه الكلاب المستثنيات الحاجة إليها شديدة، والمنفعة بها عامَّة وكيدة، فكيف يأمر بقتلها؟ هذا بعيد من مقاصد الشرع، فحديث ابن عمر أولى، والله تعالى أعلم.
قلتُ: والحاصل من هذه الأحاديث: أنَّ قتل الكلاب غير المستثنيات مأمور به إذا أضرَّت بالمسلمين، فإنْ كثُر ضررها وغلب كان ذلك الأمر على الوجوب، وإنْ قلَّ ونَدَر، فأي كلب أضرَّ وجب قتله، وما عداه جائز قتله؛ لأنه سَبُعٌ لا منفعة فيه، وأقل درجاته تَوَقُّع الترويع، وأنه يُنقص من أجر مُقْتَنِيه كل يوم قيراطين.
فأمَّا المرَوِّع منهن غير المؤذي: فقَتْلُه مندوب إليه، وأما الكلب الأسود ذو النقطتين؛ فلا بُدَّ مِن قتله؛ للحديث المتقدِّم، وقلَّما ينتفع بمثل تلك الصفة؛ لأنَّه إنْ كان شيطانًا على الحقيقة فهو ضرر محض، لا نفع فيه، وإنْ كان على التشبيه به، فإنَّما شُبِّه به للمفسدة الحاصلة منه، فكيف يكون فيه منفعة؟! ولو قدَّرنا فيه: أنَّه ضار، أو للماشية لقُتِل؛ لنصِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على قتله. المفهم (4/ 449-450).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أما أمْرُه بقتل الكلاب فقد بقي هذا مدة، ثم نهى عن ذلك بقوله: «ما بالهم وبال الكلاب؟» وسيأتي في مسند جابر قال: أمرنا رسول الله بقتل الكلاب، ثم نهى عن قتلها» وقال في موضع آخر: «اقتلوا منها كل أَسْوَد بهيمٍ» ويجيء في حديث: «لولا أنَّ الكلاب أمَّة لأمرت بقتلها» أي: لاستدمتُ الأمر بذلك، ولو أراد الله سبحانه إبطال أمَّة لما أمر نوحًا أنْ يحمل معه في سفينته من كلٍّ زوجين اثنين، فلما حَفِظَ الحمائر للتناسل عُلِم أنَّه أراد حفظ كل الأمم.
ويحتمل قوله: «لولا أنَّ الكلاب أمَّة» أي: خَلْقٌ كثيرٌ يشق استيعابها في كل الأماكن، فلا يحصل استئصالها، وإنَّما أمر بقتلها لأنَّ القوم أَلِفُوها، وكانت تُخَالِطُهم في أوانيهم، فأراد فِطَامهم عن ذلك، فأمر بالقتل، فلما استقر في نفوسهم تنجيسها، وإبعادها، نهى عن ذلك، فصار النهي ناسخًا لذلك الأمر. كشف المشكل (1/ 493).
قوله: «وقال: عليكم بالأَسودِ البَهِيمِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«عليكم بالأَسود» أي: بقتل الكلب الأسود «البهيم» أي: الذي لا بياضَ فيه. شرح المصابيح (4/ 507).
وإليه الإيماء بقوله: «فإنَّه شيطان». الأزهار مخطوط لوح (375).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«البَهِيم» بفتح الموحدة، وكسر الهاء: هو الخالص السواد. البحر المحيط الثجاج (27/ 478).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
الكلبُ الأسودُ: البَهِيمُ الذي لا يكونُ فيه شيءٌ مِن البَيَاضِ، وقدْ كَرِهَ بعضُ أهلِ العِلْمِ صَيْدَ الكَلْبِ الأَسْوَدِ البَهِيمِ. سنن الترمذي (4/ 79).
وقال الزركشي -رحمه الله-:
البَهِيمُ: الذي لا يخالطه لون آخر، قال ثعلب وإبراهيم الحربي: كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم، قيل لهما: من كل لون؟ قالا: نعم. شرحه على مختصر الخرقي (6/ 617).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «عليكم بالأَسود البهيم» تخصيص للنهي عن القتل، وتحضيض وحث على قتله، وبيان لاستمرار الحكم بقتله؛ لاستمرار ضُرِّه، واستقرار ضرره، كالشيطان، وإليه الإيماء بقوله: «فإنَّه شيطان». الأزهار مخطوط لوح (375).
وقال العيني -رحمه الله-:
معنى البهيم شيطان: بعيدٌ عن المنافع، قريبٌ من المضرة، وهذه أمور لا تُدرَك بنظر، ولا يُوصَل إليها بقياس، وإنَّما يُنتهى إلى ما جاء عن الشارع، وقد روى ابن عبد البر عن ابن عباس: أنَّ الكلاب مِن الجنِّ، وهي ضَعَفَة الجن، وفي لفظ: السُّود منها جِنٌّ، والبُقْعُ منها حِنُّ، وقال ابن الأعرابي: هم سفلة الجن، وضعفاؤهم، وقال ابن عديس: يُقال: كلب حِنِّيٌّ. عمدة القاري (15/ 202).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بقتل الكلاب كلها في مبدأ الأمر، ثم خصَّ القتل بالأسود البهيم، ثم رخَّص فيه أيضًا. الكوكب الوهاج (17/ 242-243).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
لعل سرّ الأمر بقتل الأَسود البهيم: قُبْح منظره، والاشمئزاز منه. فتح المنعم (2/ 230).
قوله: «ذِي النُّقْطَتَيْنِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ذي النقطتين» أي: صاحب النقطتين، أي: الذي فوق عينيه نقطتان بيضاوان. الكوكب الوهاج (17/ 242).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
المراد... بالنقطتين: البياضان الممدودان إلى جانب الأذنين، فوق العينين. الأزهار مخطوط لوح (375).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
قوله: «ذي النقطتين» ليُحمل على ما ورد في غير هذه الرواية: «ولكن اقتلوا منها كل أَسود بهيم، ذي عينين بَيْضَاوَين». شرح مسند الشافعي (2/ 411).
وقال الزركشي -رحمه الله-:
فبيَّن -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- أنَّ الشيطان منها (أي: الكلاب) هو الأَسود البهيم، فعُلِم أنَّه المراد في نصِّ القطع (أي: قطع الصلاة)، والبهيم هو الذي لا يخالط سواده شيء من البياض، في إحدى الروايتين، حتى لو كان بين عينيه بياض، فليس ببهيم، كذا قال ثعلب، والرواية الأخرى وهي الصحيحة عند أبي البركات (المجد ابن تيمية): أنَّه بهيمٌ، وإنْ كان بين عينيه بياض؛ لِمَا روى جابر -رضي الله عنه- قال: «أَمَرَنا النبي بقتل الكلاب، ثم نهى عن قتلها، وقال: عليكم بالأَسود البهيم، ذي الطُّفْيَتين (كذا في مستخرج أبي عوانة والجمع بين الصحيحين خلاف ما في مسلم وهذا الوصف ورد في الحيات لا في الكلاب)؛ فإنَّه شيطان» مختصر، رواه مسلم، والطُّفْيَة خُوص (أي: أوراق) المُقْل (نوع من الشجر)، شبَّه الخَطَّين الأبيضين منه بالخُوصتين، ولو كان البياض في غير هذا الموضع فليس ببهيم رواية واحدة، اعتمادًا على قول أهل اللغة، من غير تعارض. شرحه على مختصر الخرقي (2/ 133).
قوله: «فإنَّه شيطانٌ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإنَّه» أي: فإنَّ الأسود البهيم (ذي الطُّفْيَتين) «شيطان» حقيقة في كونه ضررًا محضًا، لا نفع فيه، أو مثل الشيطان؛ للمفسدة الحاصلة منه. الكوكب الوهاج (17/ 243).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قيل في معنى كونه شيطانًا: إنَّه بعيدٌ من المنافع، قريب من المضرة والأذى. طرح التثريب (6/ 33).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قيل: جعل الأَسود منها شيطانًا لخبثها؛ لأنَّ الأسود البهيم أضرَّها وأَعْقَرَها، والكَلَب أسرع إليه منه إلى جميعها، وهي مع هذا أقلُّها نفعًا، وأسوؤها حراسة، وأبعَدُها مِن الصيد، وأكثرُها نُعاسًا. شرح السنة (11/ 212).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
تشبيهه بالشيطان للتنفير من اقتنائه. فتح المنعم (2/ 230).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فإنَّه شيطان» وصفه بكونه شيطانًا؛ لما فيه من ترويع الناس؛ لكثرة خبثه، وشدة سوء مَنْظَرِه، وفظاعته، بخلاف بقية ألوان الكلاب؛ فإنَّ ذلك فيها أقل وأخف بكثير من الكلب المذكور. منة المنعم (3/ 48).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّه شيطان» معناه: أنَّ الشيطان يتصوَّر بصورة الكلاب السُّود، وقيل: إنَّما قال ذلك على التشبيه؛ لأنَّ الكلب الأسود شرُّ الكلاب، وأقلها نفعًا، وأشدها ضررًا. الفتح الرباني (16/ 22).
وقال النووي -رحمه الله-:
«فإنَّه شيطان» احتج به أحمد بن حنبل، وبعض أصحابنا (الشافعية) في أنَّه لا يجوز صيد الكلب الأَسْود البهيم، ولا يحل إذًا قتله؛ لأنَّه شيطان، وإنَّما حل صيد الكلب، وقال الشافعي ومالك وجماهير العلماء: يحل صيد الكلب الأسود كغيره.
وليس المراد بالحديث إخراجه عن جنس الكلاب؛ ولهذا لو وَلَغَ في إناء وغيره وجب غسله، كما يُغسل من ولوغ الكلب الأبيض. المنهاج شرح مسلم (10/ 237).