«إذا كان لأحدِكُمْ ثوبانِ فَلْيُصَلِّ فيهما، فإنْ لم يَكُنْ إلَّا ثوبٌ واحدٌ فَلْيَتَّزِرْ به، ولا يَشْتَمِلْ اشْتِمَالَ اليهودِ».
رواه أحمد برقم: (6356)، وأبو داود برقم: (635) واللفظ له، والطبراني في الأوسط برقم: (6008)، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (768)، صحيح سنن أبي داود برقم: (645).
غريب الحديث
«فَلْيَتَّزِرْ»:
أصله: يَأْتَزِرْ فَسُهِّل وأُدغم، كقوله تعالى: }مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ{ الفرقان: 43 (أي: أصله: ائتخذ). مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 29).
وقال الفتني -رحمه الله-:
التَّأَزُّر: شَدَّ المئزر على وسطه. مجمع بحار الأنوار (1/ 53)
«يَشْتَمِلْ»:
اشتمال اليهود: هو الإسدال. النظم المستعذب، للركبي (1/ 72).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الاشتمال: افتعال من الشَّمْلة، وهو كساء يُتغطى به، ويتلفَّف فيه، والمنهي عنه هو التجلُّل بالثوب، وإسباله من غير أنْ يرفع طرفه. النهاية (2/ 501).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
قيل: الاشتمال بالثوب: أنْ يلتف به، فيطرحه عن شماله. تاج العروس (29/ 288).
وقال الشيرازي -رحمه الله-:
اشتمال الصماء وهو: أنْ يلتحف بثوب، ثم يخرج يديه من قِبَلِ صدره. المهذب (1/ 126).
شرح الحديث
قوله: «إذا كان لأحدِكُمْ ثوبانِ فَلْيُصَلِّ فيهما»:
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلِّ فيهما» يعني: لأنَّ هذا أكمل وأستر، والثوبان إزار ورداء، أو قميص وسراويل، أو قميص ورداء، يعني: أنْ يكون هناك قطعتان. شرح سنن أبي داود (85/ 10).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إذا صلى أحدكم فليتزر ولْيَرْتَدِ» (كما في لفظٍ لأحمد) أي: يشد أَحدهما على وسطه، والآخر على ظهره. شرح سنن أبي داود (4/ 78).
وقال العراقي -رحمه الله-:
الصلاة في ثوبين أفضل لمن قدر على ذلك. طرح التثريب (2/ 239).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«مَن كان معه ثوبان فيتزر بالواحد، ويلبس الآخر» (كما في رواية) إنه حسن أنْ يصلي فيهما معًا، وإنما قلنا: إنَّ ذلك حسن وليس واجبًا؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه قد صلُّوا في ثوب واحد ومعهم ثياب؛ وذلك عندي: تعليم منهم لمن يأخذ الدِّين عنهم، وقبولٌ لرخصة الله تعالى فيما رخَّص عنه مِن دِينه. الاستذكار (2/ 194، 195).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «إذا كان لأحدكم ثوبان فليصلِّ فيهما» هذا الأمر للندب؛ للاتفاق على جواز الصلاة في ثوب واحد ولو كان المصلي قادرًا على ثوبين؛ ولما رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: «الصلاة في الثوب الواحد سُنة، كنا نفعله مع رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- ولا يُعاب علينا، فقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذا كان في الثياب قلة، فأما إذا وسَّع الله، فالصلاة في الثوبين أزكى». المنهل العذب المورود (5/ 25).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الشافعية): يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ثيابه، فإن اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص ورداء، أو قميص وإزار، أو قميص وسراويل. شرح سنن أبي داود (4/ 78).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أهل العلم يستحبون... للواجد المطيق على الثياب أن يتجمَّل في صلاته ما استطاع بثيابه، وطِيبه وسِواكه، قال معمر عن أيوب عن نافع: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، فقال: أَلَمْ أَكْسُكَ ثوبين؟ قلتُ: بلى، فقال: أرأيتَ لو أرسلتُك إلى فلان، كنتَ ذاهبًا في هذا الثوب؟! قلتُ: لا، (قال:) فالله أحق مَن تَزَيَّنُ له، أو مَن تَزَيَّنْتَ له، وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل هذا، ومحمله عندنا على الأفضل، ولا سيما إن كان إمامًا. التمهيد (6/ 369، 370).
قوله: «فإنْ لم يَكُنْ إلَّا ثوبٌ واحدٌ فَلْيَتَّزِرْ به»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فإنْ لم يكن» له «إلا ثوب» واحد «فليتَّزِرْ به» أي: يشدّه على حقوه. شرح سنن أبي داود (4/ 78).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «فليتزر به» إلخ، يعني: إذا كان الثوب ضيقًا، وإن كان واسعًا، فليلتحف به، وليخالف بين طرفيه على عاتقيه. المنهل العذب المورود (5/ 25).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«فليتَّزِر به» يعني: إنْ قصر عن ستر جسده، فليستر به عورته؛ لأن سترها آكد مِن سِتر سائر جسده؛ لأن ستر جسده سُنة وفضيلة، وستر عورته فريضة. المنتقى شرح الموطأ (1/ 250).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الصلاة في الثوب الواحد جائزة بغير خلاف بين العلماء، إلا شيء روي عن ابن مسعود، كما أنه لا خلاف أنَّ الصلاة في الثوبين، وجمع الثياب أفضل. إكمال المعلم (2/ 430، 431).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -نفع الله بعلمه-:
لو قُدِّر أنَّ الإنسان عليه قميص، وليس تحته سراويل، ولا فنايل ولا شيء، ولا فوقه شماغ ولا طاقية، إيش يصير؟ ساتر عورته، لكن كل ما كثر الستار أفضل، يصلي في ثوبين أفضل من واحد، لكن الواحد مجزئ ما دام يستر العورة. شرح الموطأ(22/ 36).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
رُوِي عن جابر وابن عمر وابن عباس ومعاوية وسلمة بن الأكوع وأبي أمامة وأبي هريرة وطاوس ومجاهد وإبراهيم وجماعة من التابعين أنهم أجازوا الصلاة في القميص الواحد إذا كان لا يصف، وهو قول عامة فقهاء الأمصار في جميع الأقطار، ومن العلماء من استحب الصلاة في ثوبين، واستحبوا أن يكون المصلي مخمّر العاتقين، وكرهوا أن يصلي الرجل في ثوب واحد مؤتزرًا به ليس على عاتقه منه شيء إذا قدر على غيره، وأجمع جميعهم أنَّ صلاة مَن صلى بثوبٍ يستر عورته جائزة. التمهيد (6/ 370).
قوله: «ولا يَشْتَمِلْ اشْتِمَالَ اليهودِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا يشتمل» أي: يتلفف بالكساء. شرح سنن أبي داود (4/ 78).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
اشتمال اليهود المنهي عنه: هو أنْ يجلِّلَ بدنه الثوب، ويُسْبِلَه من غير أنْ يشيل طرفه، فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث فهو أنْ يجلل بدنه الثوب، ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، هكذا يُفسَّر في الحديث. معالم السنن (1/ 178).
وقال البغوي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: وقد رُوي أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى عن الصماء اشتمال اليهود»، فجعلهما شيئًا واحدًا. شرح السنة(2/ 425).
وقال السندي -رحمه الله-:
«اشتمال اليهود» كأنه اشتمال لهم في ذلك الوقت، معروف بين الصحابة في ذلك الوقت بأنه اشتمال اليهود. فتح الودود (1/ 403).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله (أي: الحجاوي): «واشتمال الصَّمَّاء» هنا أُضيف الشيءُ إلى نوعه، أي: اشتمال لبْسة الصَّمَّاء، أي: أنْ يلتحف بالثوب ولا يجعل ليديه مخرجًا؛ لأنَّ هذا يمنع من كمال الإتيان بمشروعات الصَّلاة؛ ولأنه لو قُدِّر أنَّ شيئًا صَالَ عليه فإنَّه لا يتمكَّن من المبادرة بردِّه، ولا سيِّمَا إذا كان هذا الثَّوب قميصًا، فهو أشدُّ، أي: بأنْ يلبس القميص، ولا يدخل يديه في كُمَّيْه، فهذا اشتمالٌ أصمٌّ، وأصمّ من الصمَّاء؛ لأن الرِّداء مع الحركة القويّة قد ينفتح، وهذا لا ينفتح. الشرح الممتع (2/ 191).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فحاصل ما دلت عليه الأحاديث في لبسة الصماء: هو أنْ يلبس ثوبًا واحدًا -وهو الرداء- فيشتمل به على بدنه من غير إزار، ثم يضع طرفيه على أحد منكبيه، ويبقى منكبه الآخر وشقه مكشوفًا، فتبدو عورته منه؛ وبذلك فسَّر الصماءَ أكثرُ العلماء، ومنهم: سفيان الثوري وابن وهب وأحمد وأبو عبيد وأكثر العلماء.
قال الأمام أحمد: هو الاضطباع بالثوب إذا لم يكن عليه غيره.
وإنَّما سُن الاضطباع للمُحْرم؛ لأنَّ عليه إزارًا، فلو كان على المصلي إزار وقميص جاز له الاضطباع بردائه في ظاهر مذهب الإمام أحمد، وروي عنه أنه يكره ذلك، وإنْ كان عليه غيره.
وقال ابن وهب: وقد كان مالك أجازها على ثوب، ثم كرهها.
ونقل ابن منصور، عن إسحاق، قال: اشتمال الصماء: أنْ يلتحف بثوب، ثم يُخرج إحدى يديه من تحت صدره.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب: أنْ يشمل الرجل بثوبه، فيُجَلِّل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبًا، فيُخرج منه يده، وربما اضطبع فيه على تلك الحال.
قال أبو عبيد: كأنه ذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه، وأنْ يتقيه بيده فلا يقدر على ذلك.
قال: وأما تفسير الفقهاء فإنهم يقولون: هو أنْ يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيبدو منه فَرْجُهُ.
قال أبو عبيد: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا؛ وذلك أصح معنى في الكلام، انتهى. فتح الباري (2/183- 184).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قوله في الحديث: «ولا يشتمل اشتمال اليهود» الآن يحصل في الإحرام أن الشخص يُسدل طرفي الرداء، ولا يلفُّه على الكتف، بمعنى: أنه يجعله كالشماغ مسدلًا، ولا يضم طرفيه، فهل هذا منهي عنه؟ الذي يبدو أن هذا ليس فيه بأس، والذي يبدو أن اليهود لا يضعونه على الكتفين، وإنما يجلل أحدهم به بدنه ويُسْبِله، ولا يجعل أطرافه ترجع إلى كتفيه، وفي الإحرام أحيانًا الإنسان لا يلف الرداء؛ إما لحرٍّ وإما لعذر آخر، فيخلّي الطرفين، والمهم أن يكون فوق الكتفين؛ لأن الإسبال إذا كان يترتب عليه سقوط لا يجوز، وذلك عندما ينكشف الكتفان، وكونه يلفه على كتفيه يكون هذا سببًا في عدم السقوط؛ لأنه لو سقط انكشف، وهذا هو السدل المنهي عنه في الصلاة، وهو أن يكون على الكتفين رداء، ويُسدل بحيث يكون عرضة للسقوط، ولكنه إذا لفَّ الطرف على الكتف فلا بأس، ولا يكون عُرضة للسقوط. شرح سنن أبي داود (85/ 12).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
حاصل الباب -كما قال الطحاوي-: أنَّ غرض الشارع أنْ لا يبقى الثوب مهملًا، فإذا كان أوسع يتوشح ويسمى بالمخالفة بين الطرفين والالتحاف والاشتمال، وإنْ كان وسيعًا فيُعقد على القفا وإلا فيتزر، ثم صرح الأحناف أنَّ اشتمال الصَّمَّاء -أي: اشتمال اليهود في الثوب الواحد- مكروه، ولا بأس به في الثوبين؛ لما في أبي داود (ص: 112) عن وائل بن حُجر: «أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كبَّر، ورفع اليدين في داخل الثوب، ثم التحف...» إلخ، وقال أحمد بن حنبل: تبطل الصلاة بكشف أحد المنكبين إذا كان الثوب وسيعًا يمكن ستر أحدهما.
واعلم أنَّ الصلاة في ثلاثة أثواب مستحبة عندنا؛ الرداء والإزار والعمامة، ولا تكره ولو تنزيهًا بدون العمامة وإنْ كان إمامًا. العرف الشذي (1/ 335-336).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قد سبق أنَّه (أي حديث الباب) حديث مختلف في رفعه، وفي وقفه على عمر بن الخطاب، وقد روي موقوفًا على ابن عمر من قوله، وفي رواية مرفوعة خرجها الحاكم وصححها: «إذا لم يجد أحدكم إلا ثوبًا واحدًا فليَشُدَّه على حقويه، ولا يشتمل اشتمال اليهود».
قال الأثرم في هذا الحديث: ليس كلُّ أحدٍ يرفعه، وقد روي عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن وجوهٍ خلافُه، يشير إلى الالتحاف والاتشاح بالثوب، كما تقدَّم.
وإنْ صح حديث ابن عمر فهو (أي: النهي عن اشتمال اليهود) محمول على ما إذا لم يردّه على عِطْفيه، فإن ذلك هو السدل المكروه، وبذلك فسر السدل الإمام أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة. فتح الباري (2/ 359).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
حاصله: أنَّه وقع الشك لبعض الرواة في أنَّ ابن عمر -رضي الله عنه- رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو رواه عن أبيه عمر موقوفًا عليه. بذل المجهود (3/ 574).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلَّ الحديث على أفضلية الصلاة في ثوبين؛ قميص ورداء، أو قميص وإزار، أو قميص وسراويل، وعلى أنه يجب على المصلي الائتزار بالثوب إذا كان ضيقًا، وعلى النهي عن التَّشبه بأفعال الكفار. المنهل العذب المورود (5/ 25).
استحباب الزينة في الصلاة (هنا)
إذا أقيمت الصلاة فمتى يستحب للمأموم أن يقوم للصلاة ؟