«رأى النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- رجلًا يُصَلِّي بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ ركعتينِ، فقال رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «أَصَلَاةُ الصُّبْحِ مرَّتينِ؟» فقال الرَّجلُ: إنِّي لم أكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكعتينِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا، فَصَلَّيْتُهُمَا الآن، قال: فَسَكَتَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-».
رواه أحمد برقم: (23760) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1267) والترمذي برقم: (422) وابن ماجه برقم: (1154)، من حديث قيس بن عمرو -رضي الله عنه- ويُقال: قيس بن قَهْد.
ولفظ الترمذي: «قال: فلا إِذَنْ».
صحيح سنن أبي داود برقم: (1151)، وصحيح سنن ابن ماجه برقم: (948).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «رَأى النبيُّ -صلى الله عليه وسلَّم- رجلًا يُصلِّي بعدَ صلاةِ الصبحِ ركعتين»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «رأى رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- رجلًا» هو: قيس بن عمرو، الراوي، كما صرَّح به الترمذي في حديثه، عن قيس، وفيه: «فصليتُ معه الصبح، ثم انصرف النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- فوجدني أُصلي، قال: مهلًا يا قيس، أَصَلَاتَان معًا؟» قلتُ: يا رسول الله، إني لم أكن ركعتُ ركعتي الفجر: قال: «فلا إذن». المنهل العذب المورود (7/ 157).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وفي تسمية هذا الراوي، وتسمية أبيه اختلاف في الروايات. شرح الإلمام (4/ 503).
قوله: «فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَصلاةُ الصُّبح مرتين؟!»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
«أصلاةُ الصبح مرتين؟» أي: أتصلي صلاة الصبح مرتين؟ وهي أوضح، وفي بعض النُّسَخ: «صلاة الصبح ركعتين» أي: صلاة الصبح شرعها الله ركعتين، وفي نسخة: «ركعتين ركعتين» مكررًا؛ تأكيدًا لفظيًّا. المنهل العذب المورود (7/ 157).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «صلاة الصبح ركعتان» (كما في رواية) أي: لا أربع، كما هو مقتضى صنيعك. فتح الودود (2/ 41).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«ركعتين» (كما في رواية) منصوب بفعل مضمر، يُنكِرُ عليه فعله، يعني: أتصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، وليس بعدها صلاة؟ الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1122).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
الاستفهام للإنكار. لمعات التنقيح (3/ 186).
قوله: «فقال الرجلُ: إنِّي لم أكنْ صَّليتُ الركعتين اللتين قَبلهما، فصلَّيتُهما الآن»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال الرَّجل: إني لم أكن صليتُ الركعتين اللتين قبلها» أي: قبل صلاة الصبح، وفي نسخة صحيحة: «قبلهما» أي: قبل ركعتي الصبح، «فصليتهما الآن». مرقاة المفاتيح (2/ 826).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
والأول (أي: بضمير التثنية «قبلهما») هو الأَولى؛ لكونه مطابقًا لما في أبي داود. مرعاة المفاتيح (3/ 465).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فاعتذر الرجل بأنه صلى الفرض، وترك النافلة، وهو حينئذٍ آتٍ بها، هذا مذهب الشافعي، ومحمد (ابن الحسن) -رضي الله عنهما-، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف -رضي الله عنهما- لا قضاء بعد الفوات. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1122).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: مذهب محمد أنَّها تُقضى بعد طلوع الشمس. مرقاة المفاتيح (2/ 826).
قوله: «قال: فَسَكَتَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-» وفي رواية «قال: فلا إِذَنْ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «قال: فسكتَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-» يدل على الإذن في الركعتين بعد صلاة الفجر لمن فاتتاه قبل ذلك. كفاية الحاجة (1/ 352).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فسَكَتَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-» فيه: تقريره على ذلك. لمعات التنقيح (3/ 187).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
فسكوته -صلى الله عليه وسلم- يدلُّ على جواز قضاء سُنة الصبح بعد فرضه لمن لم يصلِّها قبله، وبه قال الشافعي. شرح المصابيح (2/ 89).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فسكت» عنه «النبي -صلى الله عليه وسلم-» أي: لم يُعَنِّفْه، ولم ينهه عن فعل مثل ذلك فيما بعد. مرشد ذوي الحجا والحاجة (7/ 208).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «فلا إذن» أي: إذا كان كذلك فلا بأس عليك أنْ تصليهما حينئذٍ، وفي رواية أبي داود: «فسكتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»...ورواية عطاء بن أبي رباح عن رجل من الأنصار بلفظ: «فلم يقل له شيئًا». تحفة الأحوذي (2/ 403).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه (حديث قيس بن عمرو): بيان أنَّ لِمَن فاتته الركعتان قبل الفريضة أنْ يصليهما بعدها قبل طلوع الشمس، وأنَّ النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إنما هو فيما يَتطوع به الإنسان إنشاءً وابتداءً، دون ما كان له تعلُّق بسبب. معالم السنن (1/ 275).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
يعارض ما قاله الخطابي ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: سمعتُ رسول الله -عليه السلام- يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس»؛ فإنَّ قوله: «لا صلاة» لنفي جنس الصلاة، فيتناول جميع الصلوات، ولكنَّ النهي لحق الفرض؛ ليصير الوقت كالمشغول به، لا لمعنى في الوقت، فلم يظهر في حق الفرائض فجازت الفوائت، وفيما وَجَبَ لِعَينه كسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، وظهر في غير ذلك سواء يتطوع به الإنسان ابتداءً، أو كان له سبب، على أنَّ الحديث (حديث: قيس بن عمرو) إسناده ليس بمتصل، فإنَّ محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس (كما قال الترمذي). شرح أبي داود (5/ 158، 159).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
اختلف الناس في وقت قضاء ركعتي الفجر: فَرُوي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: يقضيهما بعد صلاة الصبح، وبه قال عطاء وطاوس وابن جريج، وقال طائفة: يقضيهما إذا طلعت الشمس، وبه قال القاسم بن محمد، وهو مذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال أصحاب الرأي (أبو حنيفة وأصحابه): إنْ أَحَبَّ قضاهما إذا ارتفعت الشمس، فإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ لأنه تطوع، وقال مالك: يقضيهما ضحى إلى وقت زوال الشمس، ولا يقضيهما بعد الزوال. معالم السنن (1/ 275، 276).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
وقوله: "وقال أصحاب الرأي" إلى آخره، كلامُ مَن لا رأي له، ونقل مذاهب الناس على غير أصلها، فإنَّ مذهب أصحاب أبي حنيفة أنَّ سُنة الفجر إما أن تفوت مع الفرض، أو تفوت وحدها، فإنْ فاتت مع الفرض فإنها تُقضى إلى الزوال، بلا خلاف بين أصحابنا (الأحناف)، إلا إنْ فاتت وحدها، وكذلك تُقضى عند محمد (ابن الحسن) إلى وقت الزوال. شرح أبي داود (5/ 159).
وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-:
ومِمَّن ذهب إلى هذا الحديث، ورخص في صلاة ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس: عطاء وطاوس وابن جريج، والشافعي -فيما نقله عنه المزني-، وهو رواية عن أحمد، واختارها صاحب المغني (ابن قدامة) وقَصَرَ الجواز على قضاء ركعتي الفجر بعدها، وقضاء السنن الراتبة بعد العصر، وقضاء الوتر بعد طلوع الفجر؛ لورود النص بذلك، وقد نص أحمد في رواية ابن منصور على جواز قضاء السنن الفائتة بعد العصر، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي رواية المروذي على قضاء الوتر بعد طلوع الفجر، واختلفت الرواية عنه في قضاء سُنة الفجر بعد الصلاة، والمشهور عند أكثر أصحابنا: أنَّ الحكم يتعدى إلى قضاء جميع السنن والرواتب في جميع أوقات النهي، وفِعل جميع ذوات الأسباب فيها، كصلاة الكسوف وتحية المسجد، وحكوا في جواز ذلك كله روايتين عن أحمد في جميع أوقات النهي. فتح الباري (5/ 96، 97).
وقال المظهري الحنفي -رحمه الله-:
هذا (الحديث) دليل على أنَّ قضاءَ السُّنةِ سُنَّةٌ، وعلى أنَّ أداءَ ما له سببٌ من الصلاة في الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها جائزٌ. المفاتيح (2/ 213).
وقال العيني الحنفي -رحمه الله-:
ولهما (أبو حنيفة وأبو يوسف): أنَّ الأصل في السُّنة أنْ لا تُقضى؛ لاختصاص القضاء بالواجب، والحديث ورد في قضائهما تبعًا للفرض (عندما فات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه صلاة الفجر، ليلة التعريس)، فبقي ما رواه على الأصل، وإنما تقضى تبعًا له، وهو يصلي بالجماعة أو وحده إلى وقت الزوال، وفيما بعده اختلاف المشايخ -رحمهم اللَّه-، وأما سائر السنن سواها فلا تُقضى بعد الوقت وحدها، واختلف المشايخ -رحمهم اللَّه- في قضائها تبعًا للفرض. البناية شرح الهداية (2/ 574، 575).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي -رحمه الله-:
السُّنن من الصلاة لا تُقضى بعد انقضاء أوقاتها خلافًا لأحد قولي الشافعي؛ لأنها صلاة نفل، فوجب أنْ تسقط بفوات وقتها، كالكسوف؛ ولأنها سُنة، كالأضحى إذا انقضت أيام النحر، وكالتسمية إذا فرغ من الذبح. الإشراف (1/ 287).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: النوافل قسمان:
أحدهما: غير مؤقت، وإنما يُفعل لعارض، كالكسوف والاستسقاء وتحية المسجد، فهذا إذا فات لا يُقضى.
والثاني: مؤقَّت كالعيد والضحى والرواتب مع الفرائض، كسنة الظهر وغيرها، فهذه فيها ثلاثة أقوال: الصحيح منها: أنها يُستحب قضاؤها، قال القاضي أبو الطيب (الطبري) وغيره: هذا القول هو المنصوص في الجديد، والثاني: لا تُقضى، وهو نَصُّه في القديم، وبه قال أبو حنيفة.
والثالث: ما استقل كالعيد والضحى قُضِي، وما لا يستقل كالرواتب مع الفرائض، فلا يُقضى، وإذا تُقضى فالصحيح الذي قطع به العراقيون وغيرهم أنها تُقضى أبدًا، وحكى الخراسانيون قولًا ضعيفًا أنه يقضي فائت النهار ما لم تغرب شمسه، وفائت الليل ما لم يطلع فجره، وعلى هذا تُقضى سُنة الفجر ما دام النهار باقيًا، وحكوا قولًا آخر ضعيفًا: أنه يَقضي كلَّ تابعٍ ما لم يصلِّ فريضة مستقبلة، فيَقضي الوتر ما لم يصلِّ الصبح، ويقضي سُنة الصبح ما لم يصلِّ الظهر، والباقي على هذا المثال، وفيه وجه: أنه على هذا القول يكون الاعتبار بدخول وقت الصلاة المستقبلة، لا بفعلها، وهذا الخلاف كله ضعيف، والصحيح استحباب قضاء الجميع أبدًا. المجموع (4/ 41، 42).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اختلف العلماء في ذلك (قضاء النوافل) على أقوال:
أحدها: استحباب قضائها مطلقًا، سواء كان الفوت لعذر أو لغير عذر؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أطلق الأمر بالقضاء ولم يقيده بالعذر...
والقول الثاني: إنها لا تقضى...
والقول الثالث: التفرقة بين ما هو مستقلٌّ بنفسه، كالعيد والضحى، فيُقضى، وبين ما هو تابع لغيره، كرواتب الفرائض، فلا يقضى، وهو أحد الأقوال عن الشافعي.
والقول الرابع: إنْ شاء قضاها، وإنْ شاء لم يقضها، على التخيير...
والقول الخامس: التفرقة بين الترك لعذرِ نوم أو نسيان، فُيقضى، أو لغير عذر، فلا يُقضى، وهو قول ابن حزم، واستدل بعموم قوله: «من نام عن صلاته...» الحديث، وأجاب الجمهور: أنَّ قضاء التارك لها تعمدًا من باب الأولى. نيل الأوطار (3/ 33، 34).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
دَلَّ هذا (حديث قيس بن عمرو) على أنَّ ركعتي الفجر إذا لم يتمكن الإنسان من الإتيان بهما قبل الصلاة فإنه يدخل مع الإمام، ولا يتشاغل بهما والإمام يصلي، بل يدخل مع الإمام، وإذا فرغ أتى بالركعتين؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما علم قصد هذا الرجل سكت ولم ينكر عليه، وهذا إقرار منه -صلى الله عليه وسلم-، وهو لا يقر على باطل، والسُّنة هي قوله وفعله وتقريره؛ لأن السُّنة إنما تؤخذ عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالقول والفعل والتقرير، وهذا من التقرير؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سكت، وهو لا يسكت على باطل -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-، وعلى هذا فيكون قضاء الركعتين بعد الفجر سائغ، وإنْ كان جاء النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى طلوع الشمس، إلا أنَّ هذا استُثني بهذا الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح سنن أبي داود (156/ 16).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: رد على ما ذهب إليه بعض أصحابنا (من الشافعية) أنَّ التوابع تُقضى ما لم يُصَلِّ الفرض الذي بعدها، فلا يقضى الوتر مثلًا بعد صلاة الصبح، ولِمَا قاله بعض أصحابنا أيضًا: إنَّ مَن فاتته الراتبة مع الفرض، تُقضى معه تبعًا، وإنْ فاتت وحدها فلا. شرح سنن أبي داود (6/ 323).
ينظر حكم قضاء سنة الفجر بعد طلوع الشمس (هنا)
وفضل ركعتي سُنّة الفجر (هنا)