«كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
رواه أحمد برقم: (13049)، والترمذي برقم: (2499) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (4251)، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4515)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3139).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«خَطَّاءٌ»:
يقال: رجلٌ خطَّاءٌ إذا كان ملازمًا للخطايا، غير تارك لها. الغريبين، للهروي (2/ 568).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أخطأَ يُخطئ: إذا سلك سبيل الخَطأ عمدًا أو سهوًا...النهاية(2/44).
شرح الحديث
قوله: «كلُّ ابنِ آدمَ خَطَّاءٌ»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «كل بني آدم» كذا في جميع النُّسخ الحاضرة من المشكاة، وهكذا في المصابيح وجامع الأصول (ج 3: ص 70) والكنز، والجامع الصغير، وهكذا وقع عند ابن ماجه والدارمي والحاكم، والذي في الترمذي: «كل ابن آدم». مرعاة المفاتيح (8/ 40 - 41).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كل» مبتدأ، و«خطَّاء» خبره، أي: كثير الخطأ؛ لأنه لم يقل: "كل بني آدم يُخطئ" قال: «خطَّاء» أي: كثير الخطأ، وما أكثر خطأنا، والخطأ يدور على شيئين: إما ترك واجب، وإما فِعل محرم، وأيّنا سَلِم من ترك الواجب؟ نسأل الله العفو، (و) أيُّنا يسلم من فِعل المحرم كذلك؟ فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 346).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كل بني آدم خطَّاء» بشد الطَّاء والتنوين، أي: غالبهم. التيسير (2/ 212).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «كل بني آدم خطَّاء» أي: كثير الخطأ، وقيل: الملازم له، عامٌّ مخصوصٌ بالأنبياء، فإنَّهم معصومون من الذنوب، وبالأولياء؛ فإنَّ الكثرة في حقهم منتفية، وبالصبيان الميِّتين قبل بلوغهم، وبالمجانين من البلوغ إلى الموت؛ فإنَّه لا ذنب لهم أصلًا. الأزهار مخطوط لوح (237).
وقال الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «كل بني آدم» هذه صيغة عموم، قوله: «خطَّاء» صيغة مبالغة من الثلاثي خَطِئ. منحة العلام (10/ 187).
وقال السندي -رحمه الله-:
«خطَّاء» بالتشديد، أي: كثير الخطأ، والمراد بالخطأ المعصية عمدًا، أو مطلقًا؛ بناء على أنه الخطأ المقابل للصواب دون العمد. حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/ 562).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«خطّاؤون» كثيرو الخطأ؛ إذ هو صيغة مبالغة، والحديث دال على أنه لا يخلو من الخطيئة إنسان؛ لما جُبل عليه هذا النوع من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه، وترك ما عنه نهاه. سبل السلام (8/ 205).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا لفظٌ يعم جميع بني آدم حتى الأنبياء، ولكن الأنبياء خارجون من هذا الحديث؛ لأن الأنبياء معصومون.
واختلف الناس في أنهم معصومون عن الكبائر والصغائر جميعًا، أم هم معصومون من الكبائر دون الصغائر؟ فمَن قال: هم غير معصومين عن الصغائر، دليلهم: عصيان آدم ربه في أكل الشجرة، وكذبات إبراهيم...، وغيرهما مما نُقل من زلات الأنبياء.
ومَن قال: بعضهم معصومون عن الصغائر كما هم معصومون عن الكبائر، حملوا هذه الزلات المنقولة عن الأنبياء -عليهم السلام- على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى الزلّة، وهذا هو الأَولى؛ لأن في هذا تعظيمًا للأنبياء -عليهم السلام-، وقد أُمرنا بتعظيمهم، وحُسن الاعتقاد فيهم. المفاتيح (3/ 185 - 186).
وقال الطيبي -رحمه الله-: معلقًا على كلام المظهري -رحمه الله-:
أقول: إخراجه الأنبياء من هذا الحديث بالنظر إلى بناء المبالغة، وإثبات الخطأ لهم بالنظر إلى التوزيع. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1848).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
(نه) (أي: في النهاية لابن الأثير) يقال: رجل خطّاء، إذا كان ملازمًا للخطايا، غير تارك لها، وهو من أبنية المبالغة.
أقولُ: إن أُريد بلفظ الكل، الكل من حيث هو كل، كان تغليبًا؛ لأن فيهم الأنبياء، وليسوا مبالِغين في الخطأ، وإنْ أريد به الاستغراق، وأنَّ كل واحد خطَّاء فلا يستقيم إلا على التوزيع، كما تقول: هو "ظلَّام لعبيده" أي: يظلم كل واحد، فهو ظالمٌ بالنسبة إلى كل أحد، وظلَّام بالنسبة إلى المجموع، وإذا قلتَ: هو ظلَّام لعبده، كان مبالِغًا في الظلم. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1847).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كل بني آدم خطَّاء» أي: كثير الخطأ، أُفرد نظرًا إلى لفظ "الكل" وفي رواية: «خطاؤون» نظرًا إلى معنى "الكل".
قيل: أراد الكل من حيث هو كل، أو كل واحد، وأما الأنبياء -صلوات الله عليهم- فإما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر، والأول أَولى؛ فإنَّ ما صدر عنهم من باب ترك الأَولى، أو من قبيل "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، أو يقال: الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان من غير أنْ يكون لهم قصد إلى العصيان. مرقاة المفاتيح (4/ 1622).
وقال الكاندهلوي -رحمه الله- معلقًا على كلام القاري:
قلتُ: والأوجه ما أفاده الشيخ (أي: الكنكوهي في الكوكب الدري) وما يُعدُّ خطأً في حقهم لا يجب أنْ يكون خطأً في حقنا؛ "فإنَّ حسنات الأبرار سيئات المقربين"، ولذا قالوا في شرح قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّه ليُغان على قلبي» إنَّه وإنْ لم يكن ذنبًا لكنه بالنسبة إلى سائر أحواله العالية هبوط ونزول، فناسبه الاستغفار. تحقيقه الكوكب الدري على جامع الترمذي (3/ 301).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«كل بني آدم خطَّاء» خُصَّ منه الأنبياء؛ لأنهم معصومون، اللهم إلا أنْ يُحمل الخطَّاء على ما يشمل الصغائر، فلا إشكال بالأنبياء، على القول بصدور الصغيرة منهم، وأما صيغة المبالغة فباعتبار وجود الكثرة في الجملة، ويمكن أنْ يكون باعتبار أنَّ الذنب قليله كثير، هذا وإنْ حمل على المبالغة فله وجه أيضًا. لمعات التنقيح (5/ 159).
وقال المغربي -رحمه الله-:
يُؤيِّد هذا الحديث حديث: «لو لم تذنبوا لأتى اللهُ بقومٍ» الحديث، وقوله تعالى: {كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} عبس: 23، بعد ذكر الإنسان، وظاهره الاستغراق، والله سبحانه أعلم. البدر التمام (10/ 254).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
في الحديث: «كل بني آدم خطَّاء...» فلا بد للإنسان من مقدمات الكبيرة، وكثير منهم يقع في الكبيرة، فيؤمر بالتوبة، ويؤمرون أنْ لا يصرُّوا على صغيرة، فإنه «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار»، ويوسف -صلى الله عليه وسلم- صبر على الذَّنب مطلقًا، ولم يوجد منه إلا همٌّ تركه لله، كتب له به حسنة. مجموع الفتاوى (17/ 30).
قوله: «وخيرُ الخطَّائين التَّوابون»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وخير الخطائين التوابون» أي: الرجَّاعون إلى الله بالتوبة من المعصية إلى الطاعة، أو بالإنابة من الغفلة إلى الذِّكر. مرقاة المفاتيح (4/ 1622).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «وخيرُ الخطائين التَّوابون» ليس للتفضيل؛ فإنَّه لا خيرَ في الخطيئة والخاطئ، ومعناه: والخير من الخطائين في الذين يتوبون، وقيل: للتفضيل؛ لأنَّ المسلم وإنْ لم يتب ففيه خير أيضًا والتائب خيرٌ منه، وقيل: في بعض الخطيئة خير، فبخطيئة آدم حصول الأنبياء منه، وقيل: في خطيئة كل مسلم خير من وجه تحقُّق صفة الغفور الغفار بذلك. الأزهار مخطوط لوح (237).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وخير الخطائين التوابون» يعني: أنَّ العبد لا بد أنْ يجري عليه ما سبق به القَدَر، فكأنه قال: لا بدَّ لك من فعل الذنوب والخطايا؛ لأن ذلك مكتوب عليك فأحدِث توبة؛ فإنه لا يؤتى العبد مِن فعل المعصية وإنْ عظُمت، وإنما يُؤتى مِن ترك التوبة وتأخيرها؛ فإنَّ الله غفور يحب التوابين، وقد قال تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} القصص: 54. فيض القدير (5/ 16).
وقال السندي -رحمه الله-:
«التوابون» لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} البقرة: 222، أي: دون المُصرِّين؛ فإنَّ الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، فكيف على الكبيرة؟ حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/ 562).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ولكنه -تعالى- بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أنَّ «خير الخطائين التوابون» الكثيرون للتوبة على قدر كثرة الخطأ، وفي الأحاديث أدلة على أنَّ العبد إذا عصى وتاب، تاب الله عليه، ولا يزال كذلك، ولن يهلك على الله إلا هالك، وقد خُص من هذا العموم يحيى بن زكريا؛ فإنه ورد أنه «ما هم بخطيئة» وروي أنه «لقيه إبليس ومعه معاليق من كل شيء، فسأله عنها، فقال: هي الشهوات التي أصيب بها بني آدم، فقال: هل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبِعتَ فشغلناك عن الصلاة والذكر، قال: هل غير ذلك؟ قال لا، قال: لله عليَّ أن لا أملأ بطني من طعام أبدًا، فقال إبليس: لله عليَّ أن لا أنصح مسلمًا أبدًا». سبل السلام (8/ 205).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال العلماءُ: التوبةُ واجبةٌ من كلِّ ذنبٍ، فإن كانتِ المعصيةُ بينَ العبدِ وبينَ اللهِ تعالى لا تتعلَّقُ بحقِّ آدميٍّ، فلها ثلاثةُ شروطٍ:
أحدُها: أن يُقلِعَ عن المعصية.
والثاني: أن يندمَ على فعلِها.
والثالث: أن يعزمَ أن لا يعودَ إليها أبداً.
فإن فُقِد أحدُ الثلاثةِ لم تصحَّ توبتُه.
وإن كانتِ المعصيةُ تتعلَّقُ بآدميٍّ، فشروطُها أربعة: هذه الثلاثةُ، وأن يبرأَ من حقِّ صاحبِها. فإن كانت مالاً أو نحوَه ردَّه إليه، وإن كانت حدَّ قذفٍ ونحوَه مكَّنه منه أو طلب عفوَه، وإن كانت غِيبةً استحلَّه منها.
ويجبُ أن يتوبَ من جميعِ الذنوب، فإن تاب من بعضِها صحَّت توبتُه عند أهلِ الحقِّ من ذلك الذنبِ، وبقي عليه الباقي. رياض الصالحين(ص: 14).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
اعلم أنَّ التوبة هي: الرُّجوع إلى الله -عز وجل- من معصيته إلى طاعته، وشروط قبولها خمسة:
(فـ) الأول: الإخلاص لله، وهذا أساس كُل عملٍ صالح، لابد فيه من الإخلاص لله، وإلا كان مردودًا، كما قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركَه».
الثاني: الندم؛ بحيث يتحسر ويتأسى، وإلا يكون فعله للذنب وعدمه سواء.
والثالث: الإقلاع عن الذنب.
والرابع: العزم على ألا يعود.
والخامس: أن يكون قبل وقت رد التوبة...، إذن «خير الخطائين التوابون» أي: كثيرو الخطأ، كثيرو التوبة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 346 - 348).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يُؤخَذ من الحديث:
- الحديث دليل على أنه لا يخلو من الخطيئة إنسان؛ لما جُبل عليه من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما دعاه إليه، وترك ما عنه نهاه، ولكنه تعالى بلطفه فتح باب التوبة لعباده، وأخبر أنَّ خير الخطائين هم التوابون، المكثرون للتوبة، والمسارعون إليها كلّما وقعوا في الخطيئة.
- الذنوب قسمان: كبائر وصغائر:
فأما الصغائر: فإن الأعمال الصالحة تكفرها بإذن الله تعالى من الصلوات الخمس، ومتابعة الحج والعمرة، وصيام رمضان وقيامه، وصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وغير ذلك، كما قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود: 114، وأما الكبائر: فلا يكفرها إلا التوبة النصوح، المشتملة على الإقلاع عن المعصية في الحال، والعزم على ألَّا يعود، والندم على ما فات، وإن كانت مَظْلَمة لمخلوق فالبراءة منها بأداء، أو استحلال، أو غير ذلك. توضيح الأحكام (7/ 380 - 381).
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله-:
في حديث أنس -رضي الله عنه-: «كل بني آدم خطَّاء» من الفوائد:
1. الحكم على بني آدم بكثرة الخطأ، والخطأ ما خالف الصواب تعمدًا أو جهلًا أو نسيانًا.
2. أنَّ الناس في الخطأ صنفان: منهم من يُصرّ على خطئه، ومنهم مَن يتوب ويُنيب، وهذا خير الصنفين.
3. الترغيب في التوبة من الخطأ، سواء كان معذورًا أو غير معذور.
4. فيه شاهد للحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغروني أغفر لكم». الجامع لفوائد بلوغ المرام (3/ 282).
استغفار النبي ﷺ وتوبته (هنا)
ولمعرفة أثر الخطايا على القلب وزوالها بالتوبة والاستغفار ينظر (هنا)