«اقْرَؤُوا القرآنَ؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ شَفِيعًا لأصحابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: البقرةَ وسورةَ آلِ عِمرانَ؛ فإنَّهما تأتيانِ يومَ القيامةِ، كأنَّهما غَمَامَتَانِ، أو كأنَّهما غَيَايَتَانِ، أو كأنَّهما فِرْقَانِ مِن طيرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عن أصحابهِمَا، اقْرَؤُوا سورةَ البقرةِ؛ فإنَّ أخْذَهَا بركةٌ، وترْكَهَا حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ».
رواه مسلم برقم: (804)، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«الزَّهْرَاوَيْنِ»:
الـمُنيرتان، واحدتهما زهراء. النهاية، لابن الأثير(2/ 321).
وقال الفتني -رحمه الله-:
«الزهراوين» أي: المنيرتان، واحدتها زهراء؛ لكثرة الأحكام الشرعية، وأسماء الله العظام فيهما. مجمع بحار الأنوار (2/ 448).
«غَمَامَتَانِ»:
يعني: سحابتين بيضاوين. مطالع الأنوار، لابن قرقول (5/ 155).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الغمامة والغمام: الغيم الأبيض، وسُمي غمامًا لأنه يَغُمُّ السماء، أي: يغطِّيها، يقال: غامَتِ السماءُ وأَغَامت وتغيَّمتْ وغَيِمتْ وغمَتْ وأغْمَت وغيَّمَت. كشف المشكل (4/ 150).
«غَيَايَتَانِ»:
غياية البئر قَعْرُها، مثل الغيابة، وهي أيضًا: كل شيء أظلَّك فوق رأسك كالسحابة والغُبرة -بالضم- والظُّلمة ونحوها. مختار الصحاح، للرازي (ص: 232).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
والغياية: السحابة المنفردة، وقيل: الواقفة، عن ابن الأعرابي، والغَيَاية: ظلُّ الشمس بالغداة والعشي. المحكم (5/ 548).
«فِرْقَان»:
والفِرْق والفريقة: القطعة من الشَّيء المنحازة عنه. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 478).
«البَطَلة»:
بفتح الباء والطاء، أي: السَّحرة. مشارق الأنوار، للقاضي عياض (1/ 87).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قيل: هُم السَّحرة، يقال: أَبْطَلَ إذا جاء بالباطل. النهاية، (1/ 136).
شرح الحديث
قوله: «اقرؤوا القرآن»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اقرؤوا القرآن» أي: اغتنموا قراءته، وداوموا على تلاوته. مرقاة المفاتيح (4/ 1460).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «اقرؤوا القرآن» للوجوب في الواجب، وللندب في الزائد. الأزهار مخطوط لوح (223).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«اقرؤوا القرآن» فأمر بقراءة القرآن وأَطْلَقَ، فهي مستحبة كل وقت، وعلى كل حال، إلا إذا كان الإنسان على حاجة (يعني: يبول أو يتغوط) فلا يقرأ القرآن؛ لأن القرآن معظَّم مُحترم، فلا يقرأ في هذه الحال، وكذلك إذا كان الإنسان مع أهله حال جِماعِه، فإنه لا يقرأ القرآن. شرح رياض الصالحين (4/ 636).
قوله: «فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا» أي: مشفَّعًا «لأصحابه» أي: القائمين بآدابه. مرقاة المفاتيح (4/ 1460).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» أي: لقارئيه. السراج المنير (1/ 270، 271).
وقال الترمذي -رحمه الله- معلقًا على حديث النواس وهو يشبه هذا الحديث:
وفي الباب عن بريدة، وأبي أُمامة...، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أنه يجيء ثواب قراءته، كذا فسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث، وما يشبه هذا من الأحاديث: أنه يجيء ثواب قراءة القرآن، وفي حديث النواس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على ما فسروا؛ إذ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وأهله الذين يعملون به في الدنيا» ففي هذا دلالة أنه يجيء ثواب العمل. سنن الترمذي (5/ 160).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» إذا كان يوم القيامة جعل الله -عز وجل- ثواب هذا القرآن شيئًا قائمًا بنفسه، يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه يشفع لهم عند الله -سبحانه وتعالى-، فإن القرآن إذا تلاه الإنسان محتسبًا فيه الأجر عند الله؛ فله بكل حرفٍ عشر حسنات. شرح رياض الصالحين (4/ 637).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» يجوز أن تكون الشفاعة للملائكة الذين شهدوا تلاوته، أُسندت إلى القرآن مجازًا؛ لكونه سببًا لها، وأن تكون للقرآن بأن يجعله اللهُ في صورةٍ وأنطقه. شرح المصابيح (3/ 17).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإنَّه» الفاء للتعليل، أي: لأن القرآن «يأتي يومَ القيامةِ شَفِيعًا لأصحابِهِ» أي: لِمُلازِمِي قراءته؛ وذلك بأن يتمثَّل بصورة يراه الناس، كما يجعل اللَّه تعالى لأعمال العباد صورةً ووزنًا لتوضع في الميزان، واللَّه على كلّ شيء قدير، وبالجملة فما دلَّ عليه ظاهر النصِّ لا ينبغي العدول عنه، فعلى المؤمن أنْ يقبل هذا وأمثاله، ويعتقد أنه لا دخل للعقل في مثل هذا، بل يُسلِّم تسليمًا، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. البحر المحيط الثجاج (16/ 347).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذه الشفاعة على تقدير أن يكون القارئ صاحب كبيرة في تخليصه من النار، وإن لم يكن عليه ذنوب شُفع له في ترفيع درجاته في الجنة، أو في المسابقة إليها، أو في جميعهما، أو ما شاء الله منها؛ إذ كلُّ ذلك بكرمه تعالى وتفضُّله. المفهم (2/ 430).
قوله: «اقرؤوا الزهراوين: البقرةَ وسورةَ آلِ عمران»:
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «الزهراوين» أي: المنيرتين، كما سمي القرآن نورًا...، والزهراوين واحدتهما زهراء، مأخوذ من الزهر والزهرة وهي البياض النيّر، وهو أحسن الألوان.
وفيه تنبيه على أن مكان السورتين مما عداهما من سور القرآن مكان القمرين من سائر النجوم.فتح القريب المجيب(7/ 156.
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
معنى «الزهراوين»: المنيرتان، إما لهدايتهما قارئهما، أو لما يُسبّب له أجرهما مِن النور يوم القيامة. إكمال المعلم (3/ 173).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «الزهراوين» قالوا: سميتا الزهراوين لنورهما وهدايتهما، وعظيم أجرهما. شرح مسلم (6/ 89، 90).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«البقرةَ وآلَ عمران» ونصب البقرة وآل عمران على البدل من الزهراوين، أو عطف البيان لهما، وفي تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين ثلاثة أقوال:
الأول: أنهما النيرتان، مأخوذ من الزهر والزهرة، فإما لهدايتهما قارئهما بما يُزهران من أنوارهما، أي: مِن معانيهما، وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة، وهو القول الثاني.
الثالث: سُميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمَّنه اسمُ الله الأعظم، كما ذكره أبو داود وغيره، عن أسماء بنت يزيد، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} البقرة: 163، والتي في آل عمران: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} آل عمران: 2». فتح القريب المجيب (7/ 157).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما من السور كنسبة القمرين إلى سائر الكواكب، ولا شكّ أن نور كلام اللَّه أشدّ وأكثر ضياء من جميع الأنوار الكونيّة، وكلّ سورة من سُوَر القرآن زهراء؛ لما فيها من نور بيان الأحكام والمواعظ، وغير ذلك من الفوائد؛ ولما فيها من شفاء الصدور، وتنوير القلوب، وتكثير الأجر لقارئها، إلا أن النور الذي في هاتين السورتين أشدّ وأقوى، واللَّه تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (16/ 348).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «اقرؤوا الزهراوين» للندب والاستحباب. الأزهار مخطوط لوح (223).
قوله: «فإنَّهما تأتيانِ يومَ القيامةِ كأنَّهما غَمَامَتَانِ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
والغمامة: السحابة. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1641).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فإنهما يأتيان يوم القيامة» إتيانهما: كناية عن إتيان ثواب قراءتهما، بأن يصوِّر الله تعالى صورتين مناسبتين لثوابهما، فيجيئان «كأنهما غمامتان» وهي: ما يغمُّ الضوء ويمحوه؛ لشدة كثافته. شرح المصابيح (3/ 18).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فإنهما» أي: ثوابهما الذي استحقه التالي العامل بهما، أو هما يتصوران ويتجسدان ويتشكلان، «تأتيان» أي: تحضران «يوم القيامة كأنهما غمامتان» أي: سحابتان تُظِلان صاحبهما عن حرِّ الموقف، قيل: هي ما يغم الضوءَ ويمحوه؛ لشدة كثافته. مرقاة المفاتيح (4/ 1460).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإنَّهما» أي: السورتان، وقيل: ثوابهما الذي استحقّه التالي لهما العامل بهما، والأول هو الصواب، فإنهما يتصوّران، ويتشكَّلان، ويتجسَّدان على الحقيقة على ما أسلفناه «تأتيانِ» أي: تحضران. البحر المحيط الثجاج (16/ 348).
قوله: «أو كأنَّهما غَيَايَتَانِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
(الغياية): بياءين المنقوطة من تحتها بنقطتين، وهي: ظل السحاب. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 71).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
الغياية: كل شيء أظلَّ الإنسانَ فوق رأسِه مثل السحابة وغيرها، ويقال: غايا القومُ فوق رأس فلان بالسيف: كأنهم أظلوه به، كذا في الغَريبَين (لأبي عبيد). الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1641).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أو» للتنويع؛ إذ لا يُجعل للشك المخالف للأصل، إلا حيث لم يظهر للتنويع وجه، وهنا ظهر وجهه، بل تعيَّن؛ لأن المراتب الثلاث متفاوتة بحسب تفاوت سببهما، وهو العمل. فتح الإله (7/96).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
و(أو) يحتمل الشك من الراوي، والتخيير في تشبيه هاتين السورتين، والأَولى أن يكون لتقسيم التالين؛ لأن (أو) من قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا مِن تردُّدٍ من الرواة؛ لاتِّساق الرواة عليه على منوال واحد. مرقاة المفاتيح (4/ 1460).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«غيايتان» تثنية غياية، بمعجمة فتحتية، ثم تحتية، وهي الظلة التي تكون فوق الرأس، كما يُفعل بالملوك، وهذا لكون أعلى وأظل من السحابة العامة لكل أحد، والبعيدة عن الرأس، لمن أتقن اللفظ، فحفظه، ودرى المعنى، فعمل به. فتح الإله (7/96).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أو غيايتان» وهي: ما يكون أدون منها (أي: من الغمامة)، فيحصل عنده الضوء والظل جميعًا. شرح المصابيح (3/ 18).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أو غيايتان» وهي بالياءين: ما يكون أدون منهما في الكثافة وأقرب إلى رأس صاحبهما، كما يُفعل بالملوك، فيحصل عنده الظل والضوء جميعًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1460).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
غياية: هي كل متظلل من عال إذا ظل، ولعله يريد به: ما يكون له صفاء وضوء، إذ الغياية: ضوء شعاع الشمس. تحفة الأبرار (1/ 523).
قوله: «أو كأنَّهما فِرْقَانِ من طيرٍ صَوَافَّ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
والفِرقان: القِطعتان، والفِرق والفَريق والفِرقة: القطعة، والصواف: الباسطات أجنحتها متصلًا بعضها ببعض جمع صافَّة». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1641).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
ومعنى فِرقان: قِطعتان، والفِرق: القطعة من الشيء، قال الله -عز وجل-: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} الشعراء: 63، والصَّواف: المصطفَّة المتضامَّة؛ لتُظِلّ قارئها. زاد المسير في علم التفسير (1/ 24).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أو فِرْقَان من طير صواف» وهذا لكونه أبهر من الأوَّلَيْن؛ إذ لا نظير له في الدنيا، إلا بما وقع لسليمان -صلى الله عليه وسلم-، فيمن ضم إلى المرتبة الثانية تعليم المستفيدين، وإرشاد الضالين، والرد بما فيهما من بدائع الحُجج، وقواطع البراهين على المخالفين والمعاندين. فتح الإله (7/96).
وقال البيضاوي -رحمة الله-:
«كأنَّهما غَمَامَتَانِ، أو كأنَّهما غَيَايَتَانِ» مثَّل حِراسةَ السورة إياه، وخَلاصِه ببركتها من عذاب يوم القيامة بإظلالِ أحدِ هذه الأشياء الثلاثة، ولعلها تُمثَّل له حتى يشاهدها كأنها ظُلَّة أظلته مِن غمامة أو سحابة أو غياية...، أو فرقان من طير...، ولعل الأول: لمن يقرأهما، ولا يعرف معناهما، والثاني: لمن وفِّق للجمع بين تلاوة اللفظ، ودراية المعنى، والثالث: لمن ضَم إليها تعليمَ المستعدين، وإرشاد الطالبين، وبيان حقائقها... تحفة الأبرار (1/ 523).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
وإنَّما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع الثلاثة ترتيبًا لطبقات أهل الإيمان، وتمييزًا بين درجاتهم؛ فإن العباد وإن تباعدت منازلهم في العبودية، واختلفت أحوالهم في علوم المعارف، لا يتعدَّون عن الأقسام الثلاثة التي وقع عليها التنصيص في كتاب الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} فاطر: 32، وهم المفتونون الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، والأبرار والمقربون...، وعلى هذا يحتمل أنه ضرب الغمام لأدناهم منزلةً...، ولا خفاء أنَّ قوله: «ظُلَّتان» في حديث النواس مُنزَّل منزلة قوله: «غيايتان» في حديث أبي أمامة، فعُلم أن الضرب الثاني أرفع وأنفع من الأول، والثالث أفضل وأكمل من الثاني؛ وذلك لأن قوله: «فِرقان من طير» يدل على أن صاحبهما قد بلغ من تلاوتهما، والعمل بهما، والفهم فيهما مَنزلةً لم يبلغها غيره، فصار كل كلمة بل كل حرف منهما مستقلة بنفسها، كما أن كل طائر من الفِرقين مستقل بنفسها، ثم إن هذه الرتبة -أعني تظليل الطير إياه، وتصفيفها الأجنحة له- من عجائب الأمور، ونوادر الشؤون على ما شاهدناه وسمعناه، قد علمنا أن تظليل الغمام قد كان لكثير من عباد الله فضلًا عن الأنبياء، بل شهد التنزيل به لعموم بني إسرائيل في قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ} الأعراف: 160، وأما تظليل الطير بتصفيف أجنحتها، فإنها مما أكرم الله به نبيه الذي آتاه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. الميسر (2/ 492-493)
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وإذا تحقق التفاوت في المشبَّهات يلزم التفاوت في المشبَّه بها، فالتظليل بالغمامة دون التظليل بالغياية؛ فإن الأول عام في كل أحد، والثاني مختص بمثل الملوك، والثالث مختص بمن دعا بقوله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} ص: 35، ثم في هذا التشبيه من الغرابة أن شبّههما أولًا: بالنيرين في الإشراق، وسطوع النور، وثانيًا: بالغمامة والغياية، وبما ينبئ عما يُخالف النور من الظل السواد، كما في الحديث الذي يلي هذا الحديث: «أو ظُلَّتَان سوداوان» فآذن بهما أنَّ تَينِك المظَلَّتين على غير ما عليه المظلة المتعارفة في الدنيا، فإنها وإن كانت لدفع كربِ الحر عن صاحبها ولتكرمته، ولكن لم تخل عن نوع كُدورة وشائبةِ نَصَبٍ، وتلك -رزقنا الله منها- مبرَّأة عن ذلك؛ لكونهما كالنيرين في النور والإشراق، مسلوبتي الحرارة والكرب، وآذن بالتشبيه الثالث: أنهما مع كونهما مشرقتين مشبَّهتين بمظلة نبي الله، ثم بولغ فيه فزيد «تُحَاجَّان». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1641).
قوله: «تُحَاجَّان عن أصحابهما»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«تُحَاجَّان عن أصحابهما» تُجادلان عنهم بالشفاعة، بدليل صدر الحديث، أو تجادلان عنه عند السؤال إذا خرس لسانُه، وتَقلصتْ شفتاه، وضاعت معاذيرُه. التنوير(2/ 607).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«تُحَاجَّان» لا جرَمَ تُمثَّل له يوم القيامة مساعيه طيورًا صوافّ يحرسونه، ويحاجّون عنه؛ بالدلالة على سعيه في الدِّين، ورسوخه في اليقين، والإشعار بفضله، وعلو شأنه، والضمير في «تُحَاجَّان» للسورتين. تحفة الأبرار (1/ 524).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «تُحاجَّان عن أصحابهما» يعني: تدْفَعان الجحيم والزبانية والأعداء عن الذين قرؤوهما في الدنيا، وتشفعان لهم عند الله، وجَعْل صورتهما كالغمامتين يحتمل أن يكون لها عظمة وخوف في قلوب أعداء قارئهما. المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 72).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«تُحَاجَّان» أي: يخاصمان عنهم مَن يطعن في كمالهم إن فُرِض، أو مَن له عليهم حقوق، بأنْ يسألا اللهَ لهم أنْ يُرْضِي عنهم خصماؤهم. فتح الإله (7/96).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «تحاجَّان عن أصحابهما» أي: يقيمان الحُجة له، ويجادلان عنه، وصاحبهما هو: المستكثر من قراءتهما، وظاهر الحديث أنهما يتجَسَّمان حتى يكونا كأحد هذه الثلاثة التي شبَّهها بها -صلى الله عليه وسلم-، ثم يقدرهما الله -سبحانه وتعالى- على النطق بالحُجة؛ وذلك غير مستبعد من قدرة القادر القوي الذي يقول للشيء: كن فيكون. تحفة الذاكرين (ص: 400).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
هذا الذي قاله الشوكانيُّ من كونهما يتصوّران حقيقة، هو الحقّ، وأما ما قاله النووي من أن المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين، ففيه نظر لا يخفى، فما الذي أدّاه إلى ترك ما دلّ عليه ظاهر النصّ؟ ومثله ما طوّل به القرطبيّ نفسه في المفهم مما لا ينبغي الالتفات إليه، فتنبّه.
والحاصل: أن حمل ظواهر الكتاب والسنّة على ما يقتضيه ظاهرها إذا أمكن هو الحقّ، ولا يصار إلى التأويل إلا أن يأتي دليل يصرفها عن الظاهر، كما في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: لَمّا نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} الأنعام: 82، الآية، فقد فهم الصحابة -رضي اللَّه عنهم- من الآية عموم الظلم، وأقرّهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على فهمهم، ولكن بيّن لهم المراد هنا بأنه الشرك، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. البحر المحيط الثجاج (16/ 351).
قوله: «اقرؤوا سورة البقرة»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «اقرؤوا سورة البقرة» تخصيص بعد تخصيص، عمَّ أولًا بقوله: «اقرؤوا القرآن» وعلَّق به الشفاعة، وخَصَّ منه ثانيًا الزهراوين، ونيط بهما معنى التخليص من كرب حرِّ القيامة، والمحاجة عن أصحابهما، وأَفْرَدَ ثالثًا (البقرة) وضم إليها المعاني الثلاث؛ دلالة على أن لكل منها خاصية لا يقف عليها إلا صاحب الشرع. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1642).
قوله: «فإنَّ أخذَها بَركة»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإنَّ أخذها بركة» لقارئها. التنوير(2/ 607).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وتركَهَا حسرة» يَعرف العبدُ ذلك في الآخرة. التنوير(2/ 607).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «فإنَّ أخذها بركة» المواظبة على تلاوتها، والعمل بها، والمصابرة على ما تستدعي إليه من مساورة النفوس، ومخالفة الهوى. الميسر (2/ 493).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«فإنَّ أخذها» أي: في المواظبة على تلاوتها، والتدبر في معانيها، والعمل بما فيها «بركة» أي: زيادة ونماء، وقيل: أي: منفعة عظيمة. مرعاة المفاتيح (7/ 189).
قوله: «وتَركَها حَسْرة»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وتركَها حسرة» أي: ندامة. شرح المصابيح (3/ 18).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وتركَها حسرة» تندُّم على ما فات مِن ثوابها. التيسير (1/ 193).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وتركها حسرة» لأنه جهلٌ لمهم من الدِّين، مَن أهمله تحسَّر على فواته في الدنيا؛ لأن الجهل داءٌ، وفي الآخرة لأنه يَرى ما يناله العالِمون لها مِن كرامةِ الله لهم فيَتحسَّر. التنوير (6/ 484).
قوله: «ولا تستطيعها البَطَلَة»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
وتفسير قوله: «ولا تستطيعها البَطَلة» قد ورد في متن الحديث وهو قول القائل أي: السَحرة، وقوله: «لا تستطيعها» أي: لا يؤهَّلون لذلك، ولا يوفَّقون له. الميسر(2/ 493).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«لا تستطيعها البَطَلة» أي: السَّحرة، عبَّر عن السحرة بالبطلة؛ لأن ما يأتون به باطل، سماهم باسم فعلهم، وإنما لم يقدروا على حفظها، ولم يستطيعوا قراءتها؛ لزيغهم عن الحق، واتباعهم للوساوس، وانهماكهم في الباطل. تحفة الأبرار (1/ 523).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«ولا تستطيعها البَطَلة» وهُم السَّحرة؛ لمجيئهم بالباطل، إذا قرئت في بيتٍ لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام. فتح القريب المجيب (7/ 154).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ولا تستطيعها البطلة» ...، وقيل: البَطلة أهل البَطالة الذين لم يؤهَّلوا لذلك، ولم يوفَّقوا له، أي: لا يستطيعون قراءة ألفاظها، وتدبُّر معانيها؛ لبطالتهم وكسلهم، أو المراد: سحرة البيان؛ من قوله: «إن من البيان لسحرًا» أي: أنهم لا يستطيعونها من حيث التحدي {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} البقرة: 23. فيض القدير (2/ 64).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- رادًّا للقول بأنهم سحرة البيان:
وقيل: سحرة البيان؛ أخذًا من حديث: «وإن من البيان لسحرًا» أي: لا يستطيع محاكاتها الفصحاء، وإنْ بلغوا من غايات الفصاحة ما بلغوا، وخُصَّت؛ لأنه تُحدي فيها بقوله: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ} البقرة: 23، وهو بعيد، على أنَّ غيرها ذُكِرَ فيه التحدي بذلك، كسورة (يس)؛ فلا وجه لتخصيصها بذلك، ولو سُلِّم، فهو موهم قصر التحدي على مثلها، أو مقاربها، وليس كذلك؛ لأنهم عجزوا عن أقصر سورة منه. فتح الإله (7/97).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وقيل: هم الشجعان من أهل الباطل. تحفة الذاكرين (ص: 398).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقوله: «اقرؤوا الزهراوين؛ البقرة وآل عمران» حجةٌ لمن أجاز أن يقال: سورة البقرة وآل عمران، واختار بعضهم أن يقال: السورة التي تذكر فيها كذا. إكمال المعلم (3/ 173).
وقال النووي -رحمه الله-:
يجوز أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهةَ في ذلك، وقال بعض السلف: يُكره ذلك، وإنما يُقال: السورة التي تُذكر فيها البقرة، والتي يُذكر فيها النساء، وكذلك الباقي، والصواب الأوّل، وهو قولُ جماهير علماء المسلمين من سلف الأمة وخلفها، والأحاديثُ فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم. الأذكار (ص109).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وفي الحديث دليل على أن القرآن الكريم يشفع لأصحابه، وهم التالون له؛ ولهذا أمر -صلَّى الله عليه وسلَّم- بقراءته فقال: «اقرؤوا القرآن». تحفة الذاكرين (ص: 392).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان فضل قراءة القرآن، وأنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه الملازمِين لتلاوته، العاملين به...
ومنها: بيان فضل سورة البقرة، وآل عمران، وبيان محاجّتهما عن أصحابهما.
ومنها: بيان فضل قراءة سورة البقرة، وأنَّ أخذها بركة لأصحابها، وتركها حسرة، وأن البَطَلَة لا يستطيعونها.
ومنها: أن فيه جوازَ قول: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة المائدة، وشِبهها، ولا كراهة في ذلك، وكرهه بعض المتقدمين، وقال: إنما يقال: السورة التي يُذْكَر فيها آل عمران، والصواب الأول، وبه قال الجمهور؛ لأن المعنى معلوم، قاله النوويُّ. البحر المحيط الثجاج (16/ 353-354).