«ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- مُنْذُ قَدِمَ المدينةَ مِن طَعَامِ بُرٍّ ثلاثَ ليالٍ تِبَاعًا حتَّى قُبِضَ».
رواه البخاري برقم: (6454)، ومسلم برقم: (2970)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وزاد البخاري برقم: (6687): «مِن خُبزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثلاثةَ أيامٍ».
وعنها في مسلم برقم: (2971): «ما شَبِعَ آلُ مُحمَّدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يومينِ مِن خُبْزِ بُرٍّ، إلَّا وأحدُهُمَا تَمْرٌ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«بُرٍّ»:
البُرُّ: الحِنْطةُ، الواحِدَةُ: بُرَّةٌ، ويُقال للخُبْزِ: ابْنُ بُرَّةَ، ويقولون: هو أقْصَرُ من بُرَّةَ (أي: إنَّ البُرَّةَ غايةٌ في القِصَرِ). المحيط في اللغة، للصاحب ابن عبّاد(2/ 428).
وقال الزَّبيدي -رحمه الله-:
البُرُّ: بالضّمِّ الحِنْطةُ، قال المصنِّف (الفيروز آبادي) في البصائر (بصائر ذوي التمييز): وتَسْمِيَتُه بذلك لكونهِ أَوسعَ ما يُحتاجُ إليه في الغِذاءِ، انْتهى. تاج العروس (10/ 156).
«تِبَاعًا»:
أي: متوالية، يتبع بعضها بعضًا. فتح الباري، لابن حجر - المقدمة(1/ 92).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
التِّباعُ: الوِلاءُ، يُقالُ: تابَعَ فلانٌ بينَ الصَّلَاةِ وبينَ القراءةِ إذا والَى بينهما فَفَعَلَ هذا على إِثْر هذا بلا مُهلة بينهما. لسان العرب، لابن منظور(8/ 29).
«خُبْزٍ مَأْدُومٍ»:
أي: مأكولٌ بالأُدُم (أو الأُدْم). إرشاد الساري، للقسطلاني (8/ 230).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«خُبْزٍ مَأْدُومٍ» أي: مُضاف إليه ما يُؤتدم به، وهو ما يُؤكل مع الخبز ما كان. فتح الباري (1/ 76).
شرح الحديث
قوله: «مَا شَبِعَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قولها: «مَا شبِع» بكسر الموحدة، أي: ما أكل حتى شبع. شرح الشفا (1/ 314).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَا» نافية «شَبعَ» بكسر الموحّدة كسَمِنَ، يقال: شَبِعَ شِبَعًا بفتح الباء، وسكونِها تخفيف، وبعضهم يجعل الساكن اسمًا لِمَا يُشْبَع به «من خبز» ولحم وغير ذلك، فيقول: الرغيف شِبْعِي، أي: يُشبعني، ويتعدَّى إلى المفعول بنفسه، فيقال: شَبِعْتُ لحمًا وخبزًا، قاله الفيّوميّ. البحر المحيط الثجاج (45/ 130).
قوله: «آلُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«آل محمد» المراد منهم هنا أهل بيته؛ من أزواجه وخدَمِه الذين كان يَمونهم. دليل الفالحين (4/ 430).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما شبِع آلُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-» المراد: النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته. البحر المحيط الثجاج (45/ 130).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «ما شبع آل محمد» أي: أهل بيته مِن حُرَمِه وخَدَمِه، وفيه دليل على أنَّ لفظ (الآل) تدخل فيه الأزواج. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 401).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ثلاثَ لَيَالٍ» أي: بأيامها «تِبَاعًا» بكسر التاء، يُخرج التفاريق. البحر المحيط الثجاج (45/ 130).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
قوله: «ما شبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث أيام تباعًا من خبز بُرٍّ» وفي الآخر: «ما شبع آل محمد» وفي الآخر: «فوق ثلاث» ولا منافاة؛ لإلغاء المفهوم مع النص، أعني: المفهوم من «فوق ثلاث» لأنَّ مفهومَه يعطي أنهم شبعوا دونها، ونص في الآخر أنهم لم يشبعوا يومين، فلم يقع لهم شبع بحالٍ، وهو دليل: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» والقوت: ما دون الشِّبَع، والشبع: ما لا تدعو النفس معه إلى زيادة. إكمال إكمال المعلم (7/291).
قوله: «ثلاثَ ليالٍ تِباعًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثلاث ليال» مع أيامها «تباعًا» -بكسر المثناة، وتخفيف الموحدة- أي: متتابعة. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 401).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تِباعًا» بكسر التاء الفوقية مصدر تابع، أي: متابعة وموالاة. شرح الشفا (1/ 314).
قوله: «منذ قدم المدينة مِنْ طعام بُرٍّ» وفي رواية: «مِنْ خُبْزٍ مَأْدُوم» وفي رواية: «إلَّا وأحدُهُمَا تَمْرٌ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «مُنْذُ قَدِمَ المدينَةَ» يُخرج ما كانوا فيه قبل الهجرة «مِنْ طَعَامِ بُرٍّ» يُخرج ما عدا ذلك من أنواع المأكولات. البحر المحيط الثجاج (45/ 130).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مِنْ خُبْزٍ مَأْدُوم»...أرادت عائشة -رضي الله عنها- بهذا قلّة اللحم عندهم، بحيث إنَّهم لم يكونوا يشبعون منْ خبز فيه إدام أيامًا متوالية، فضلًا عن كثر أكل اللحم. ذخيرة العقبى (34/ 40).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
(وفي رواية) «من خُبز شعيرٍ» فمِن البُرِّ من باب أولى. الكوكب الوهاج (26/ 372).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا وأحدهما» أي: أحد اليومين «تمر» أي: والآخر خبز، فلم يتوالَ الخبز، ولا الشبع منه في يومين. مرقاة المفاتيح (7/ 2706).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إلا وأحدهما تَمْرٌ» إما مستثنى من أعمِّ عامِّ الأحوال، أو الأوصاف على مذهب صاحب الكشاف، يعني: استقرئت من آل محمد يومين يومين، فلم أجد يومين موصوفين بصفة من الأوصاف إلا بأنَّ أحدَ اليومين يوم تمر، والآخر يوم خبز، وقد عُرِفَ عُرْفًا أنَّ ذلك ليس بشبع، فلا يكون ثمة شبع، وينصره قوله: «ما شبعنا من الأسودين». الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2848).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: الأظهر أنَّه وقع الشبع في أحد اليومين، كما قدمناه، ويؤيده أيضًا ما في الشمائل من قولها: «ما شبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض -صلى الله عليه وسلم-» ولا ينافيه قولها: «ما شبعنا من الأسودين» مع إمكان حمله على الدوام أو التتابع. مرقاة المفاتيح (7/ 2706).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
(وفي رواية أخرى) أي: له (أي: مسلم) أو لغيره أو للشيخين كما قاله الدلجي (شمس الدين محمد الدلجي له قطعة لطيفة من شرح البخاري): «مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ، وَلَوْ شَاءَ» أي: الله، كما في نسخة صحيحة، ويدل عليه قوله: «لأعطاه» إذ لو كان التقدير: لو شاء رسول الله؛ لكان المناسب أنْ يقول: لأعطاه الله، أو لأُعطي، أي: مُتمناه «ما لا يخطِر» بكسر طاء، ويضم، أي: ما لم يمر «ببال» أي: لا يحدث في خلال خيال (وفي رواية أخرى) أي: لهما (أي: للبخاري ومسلم) «ما شَبِعَ آلُ رَسُولِ اللَّهِ -صلَّى اللَّه تعالى عليه وسلم- من خبز بُرّ» لقلة وجوده، أو لكثرة زهده «حتّى لقي الله» وفي نسخة زيادة «عَزَّ» أي: تعالى شأنه «وجل» أي: عَظُمَ برهانه. شرح الشفا (1/ 314).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلاف ألفاظ هذه الأحاديث باختلاف معانيها، فجاء أنه «ما شبع من خبز بُرٍّ ثلاثًا تباعًا» فهو أصلٌ في اختصاص هذا التوالي بالبر، وجاء في حديث آخر: «من خبز وزيت في يوم واحد مرتين» فهو توالي ذلك بإدام، وعليه يحمل ما لم يذكر به الإدام، قوله في الحديث الآخر: «ما شبع آل محمد يومين من خبز إلا وأحدهما تمر» وفي رواية: «من خبز بُرٍّ» وهذا في عموم الآل كله، لم يتفق لهم ذلك في يومين، وقد يخصه هو فيتفق له ذلك في يومين، ولا يتفق في ثلاثة. إكمال المعلم (8/ 526).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى أنَّهم ربما لم يجدوا في اليوم إلا أكلة واحدة، فإنْ وجدوا أكلتين، فإحداهما تمر. فتح الباري (11/ 292).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
بل إنْ حصل الشبع يومًا وقع الجوع يومًا، بناء على ما اختاره -صلى الله تعالى عليه وسلم- حين عُرض عليه خزائن الأرض، وأنْ يُجعل جبال مكة ذهبًا؛ فاختار الفقر قائلًا: «أجوع يومًا فأصبر، وأشبع يومًا فأشكر» لأنَّ الإيمان نصفان: نصفه شكر، ونصفه صبر. مرقاة المفاتيح (8/ 3278).
قوله: «حتى قُبِضَ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى قُبِضَ» أي: تُوفي، وهذا لإعراضه عن الدنيا، وزهده فيها، ولم يضطره مولاه سبحانه لذلك، بل عرض عليه جبال مكة وبطحاءها تسير معه ذهبًا أينما سار، فاختار ذلك؛ إعلامًا بحقارة الدنيا، وأنها ليست بحيث ينظر إليها؛ تحريضًا لأمته على الزهد فيها، والإعراض عما زاد على الحاجة منها. دليل الفالحين (4/ 430).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «حَتَّى قُبِضَ» بالبناء للمفعول، إشارة إلى استمراره على تلك الحال مدة إقامته -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، وهي عشر سنين بما فيها من أيام أسفاره في الغزو والحجّ والعمرة.
وزاد ابن سعد من وجه آخر عن إبراهيم (ابن يزيد النخعيّ الكوفيّ): "وما رُفع عن مائدته كسرة خبز فضلًا حتى قُبض" ووقع في رواية الأعمش عن منصور فيه بلفظ: «ما شبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» وفي رواية عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-: «ما شبع آل محمد من خبز برّ مأدوم» وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود، عن عائشة -رضي الله عنها-: «ما شبع آل محمد -صلى الله عليه وسلم- من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قُبض» أخرجاه، وعند مسلم من رواية يزيد بن قُسيط، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها-: «ما شبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من خبزٍ وزيت في يوم واحد مرتين» ومن طريق مسروق عنها: «والله ما شبع من خبز ولحم في يوم مرتين» وعند ابن سعد أيضًا من طريق الشعبيّ عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت تأتي عليه أربعة أشهر، ما يشبع من خبز البرّ».
وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- نحو حديث الباب، ذكره البخاريّ في "الأطعمة" من طريق سعيد المقبريّ عنه: «ما شبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أيام تباعًا من خبز حنطة، حتى فارق الدنيا» وأخرجه مسلم أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير في اليوم الواحد غداءً وعشاءً» وفي حديث سهل بن سعد -رضي الله عنهما-: «ما شبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شبعتين في يوم حتى فارق الدنيا» أخرجه ابن سعد، والطبرانيّ. البحر المحيط الثجاج (45/ 130).
وقال ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-:
قال الطبري: استشكل بعض الناس كون النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعًا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسَّم بين أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابيٍّ بقطيعٍ من الغنم وغير ذلك، مع مَن كان معه من أصحاب الأموال كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة، وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع مالِه، وعمر بنصفه، وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمانُ بألف بعير، إلى غير ذلك.
والجواب: أنَّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة، لا لِعِوَز وضيق، بل تارة للإيثار، وتارة لكراهة الشبع ولكثرة الأكل، انتهى.
وما نفاه مطلقًا فيه نظر؛ لما تقدم من الأحاديث آنفًا، وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة: «مَن حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كَذَبَكُمْ، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئًا من التمر والوَدَكِ» وتقدم في غزوة خيبر من رواية عكرمة عن عائشة: «لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر».
والحق: أنَّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة، ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح (جمع منيحة، وهي: ناقة أو شاة تعطيها غيرك ليحتلبها ثم يردها عليك)؛ فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم، كما تقدم ذلك واضحًا في كتاب الهبة، وقريب من ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لقد أُخفتُ في الله، وما يخاف أحدٌ، ولقد أُوذيتُ في الله، وما يؤذى أحدٌ، ولقد أَتَتْ عليَّ ثلاثون من يوم وليلة ما لي ولبلال طعام يأكله أحدٌ إلا شيء يواريه إبط بلال» أخرجه الترمذي وصححه، وكذا أخرجه ابن حبان بمعناه، نعم كان -صلى الله عليه وسلم- يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له، كما أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: «عَرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلتُ: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا، وأجوع يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليك، وإذا شبعتُ شكرتك». فتح الباري (11/ 291).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ولا منافاة -كما قال المصنف في شرح مسلم- (النووي) بين حديث الباب وحديث: أنه كان يدخر قُوت عياله سنة؛ لأنه كان يفعل ذلك أواخر حياته، لكن تَعرِض عليه حوائج المحتاجين فيخرجه فيها، فصدق أنه ادَّخَر قُوْتَ سنةٍ، وأنهم لم يشبعوا كما ذُكر؛ لأنه لم يَبق عندهم ما ادّخره لهم. دليل الفالحين (4/ 430).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أحاديث هذا الباب كلها وإنْ اختلفت ألفاظها: تدلُّ على أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يديم الشبع، ولا الترفُّه في العيش، لا هو ولا من حوته بيوته، ولا آله، بل: كانوا يأكلون ما خشن من المأكل العُلَق (العُلْقة من الطعام والمركب ما يُتَبَلَّغ به وإنْ لم يكن تامًّا) ويقتصرون منه على ما يسد الرمق، معرضين عن متاع الدنيا، مؤثرين ما يبقى على ما يفنى، ثم لم يزل كذلك حالهم مع إقبال الدنيا عليهم، واجتماعها بحذافيرها لديهم، إلى أنْ وصلوا إلى ما طلبوا، وظفروا بما فيه رغبوا. المفهم (7/ 128-129).
وقال الشيخ أبو بكر الجزائري -رحمه الله-:
إنَّ وجه العظة هو: أنَّه إذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشبع من طعام بُرٍّ ثلاث ليال تِباعًا حتى قُبض وهي مدة عشر سنوات، وأنه -صلى الله عليه وسلم- ما أكل أكلتين في يوم واحد إلا إحداهما تمر.
ونحن نأكل في اليوم الواحد ثلاث مرات مِن البُر ومما هو خير مِن البر، فكيف يكون شكرنا لله تعالى؟ وبم يكون؟
والجواب: يكون شكرنا لله تعالى بلفظ: الحمد لله، الذي لا يفارق ألسنتنا في غالب أوقاتنا، ويكون بطاعاتنا للمنعِم -سبحانه وتعالى-؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، كما يكون بحبِّه، وحب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبحب كل ما يحبانه من الاعتقاد والأقوال والأعمال والذوات، ومظاهر هذا الشكر الذي بيَّنَّاه: الإحسان الخاص والعام، فالإحسان العام هو: أنْ نُحسن لكل مؤمن ومؤمنة، ولا نؤذي عبادَ الله مؤمنهم وكافرهم؛ لأنهم عباد ربنا -عز وجل-، ونحن مأمورون بالإحسان إلى الجميع، وبعدم الإساءة إلى الجميع كذلك. عظات وعبر (ص:6).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان ما كان عليه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأهله من قلة المعيشة، فإنَّ العيش عيش الآخرة...
2. ومنها: بيان ما كان عليه أهل بيت النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وأصحابه من الصبر على خشونة العيش؛ لأنَّ مقصودهم التخفُّف من تَبِعَات الدنيا، حتى يصلوا إلى الآخرة، فيدخلوا الجنة قبل غيرهم ممن شغلتهم الدنيا، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم: خمسمائة سنة» حديث صحيح. البحر المحيط الثجاج (45/ 130).
السعي على النفس والعيال والوالدين جهاد في سبيل الله (هنا)
التحذير من فتنة الدنيا والنساء (هنا)