قِيل لعائشةَ -رضي الله عنها-: إنَّ امرأةً تَلْبَسُ النَّعْلَ، فقالت: «لعنَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الرَّجُلَةَ من النِّساءِ».
رواه أبو داود برقم: (4099) واللفظ له، والبيهقي في الشُّعب برقم: (7418) والبزار برقم: (212) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (5096)، جلباب المرأة المسلمة (ص: 146).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«النَّعْلَ»:
النَّعْلُ: الحذاءُ، وهي مؤنَّثة، وتصغيرها: نُعَيْلَةٌ، تقول: نَعَلَ وانْتَعَلَ، أي: احْتَذَى، ورجل نَاعِلٌ، أي: ذو نعل، وأَنْعَلَ خفَّه ودابَّته، ولا يقال: نَعَلَ. مختار الصحاح، للرازي (ص: 314).
«الرَّجُلَةَ»:
يعني: اللَّائِي يتشبَّهن بالرِّجال في زِيِّهم، فأمَّا في العِلم والرَّأي فمحمود. المجموع المغيث، للمديني (1/ 741).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
يُقال: امرأة رَجُلَة، إذا تشبهت بالرجال في الرأي والمعرفة. لسان العرب (11/ 267).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «قِيل لعائشةَ -رضي الله عنها-: إنَّ امرأةً تَلْبَسُ النَّعْلَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«إنَّ امرأة تلبس النَّعل» وهي التي يلبسها الرجال؛ يمشون فيها...، قال شاعر العرب: "يا خَير مَن يمشي بِنعلٍ فَرْد" وصفها بالفرد، وهو مذكر؛ لأن تأنيثها غير حقيقي...، والعرب تَمدح برِقَّة النعال، وتجعلها من لباس الملوك. شرح سنن أبي داود (16/ 356).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«تلبس النعل» أي: الخُفَّ، مع النعل، يعني: موزة (خف) وسرموزة (نعل). الأزهار مخطوط لوح (395).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«عن المرأة تلبس النعل» أي: النعل الذي يخص الرجال، وإلا فإنَّ كون المرأة تلبس النعل الخاص بالنساء هو الأصل، ولا بد منه، وإنَّما المقصود أنَّها تلبس لبسة الرجل أو النعال الخاصة بالرجال...، ومعنى النعل هنا: ما كان خاصًّا بالرجال، و(أل) هنا للعهد الذهني الذي يرجع إلى ما عُهد في الأذهان وهو الخاص بالرجال، وإلا فإنَّ المرأة لها أنْ تلبس النعل الخاص بها. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
قولها: «لعنَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الفاكهاني -رحمه الله-:
اللعنة من العباد: الطردُ، ومن اللَّه: العذابُ والإبعاد من الرحمة. رياض الأفهام (3/ 262).
وقال الشيخ محمد خليل هراس -رحمه الله-:
اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، واللعين والملعون: مَن حقَّت عليه اللعنة، أو دُعِي عليه بها. شرح العقيدة الواسطية (ص: 110).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اللعن لا يكون إلا على فِعْل مُحَرم. نيل الأوطار (2/ 137).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
لا يجوز أن يُلعن شخصٌ بخصوصه إلا إنْ عُلم موته على الكفر، كأبي جهل وأبي لهب، وأما مَن لم يُعلم فيه ذلك فلا يجوز لعنه، حتى إنَّ الكافر الحي المُعَيَّن لا يجوز لعنه؛ لأن اللعن هو الطرد عن رحمة الله المستلزم لليأس منها؛ وذلك إنما يليق بمن عُلم موته على الكفر، وأما مَن لم يُعلم فيه ذلك فلا، وإنْ كان كافرًا في الحالة الظاهرة؛ لاحتمال أنْ يُختم له بالحسنى، فيموت على الإسلام، وصرَّحوا أيضًا بأنه لا يجوز لعن فاسق مسلم مُعَيَّن. الصواعق المحرقة (2/ 637).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قال لي كثير من أشياخي: إنَّ الكافر المُعيَّن لا يجوز لعنه؛ لأن عند الموافاة لا تُعلم، وقد شَرَطَ الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة الموافاة على الكفر، وقد رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعْن أقوام بأعيانهم من الكفار، ففي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها-: «دخل على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- رجلان فكلَّماه بشيء فأغضباه؛ فلعنهما»؛ وإنما كان ذلك لعلمه بمآلهما.
والصحيح عندي جواز لعنه؛ لظاهر حاله، كجواز قتاله وقتله. أحكام القرآن (1/ 74، 75).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
اعلم -وفقنا الله وإياك- أنَّ دعاءه -صلى الله عليه وسلم- على أحدٍ مِن أمَّته، أو سبه إياه، أو لعنته له، على ضربين:
منها: ما هو على طريق الزجر والنهي عن الشيء في الدِّين، وما هو في معناهما، فإنَّ ذلك من النوع المخيف؛ مِن لحوق الوَبال من أجله، فإنَّ المنْع بذلك أشد من الحدود...
وما كان من ذلك على وجه الغيظ والحرج، فذلك الذي ظاهره مخوف، وهو رحمة في الحقيقة، وقد نص -صلى الله عليه وسلم- على ذلك؛ لأنَّه قال: «يا رب، إني بشر، يلحقني ما يلحق البشر من الغيظ، فأيما أحدٌ مِن أمَّتي سببته، أو لعنته، فاجعله له رحمة»...
فالحكمة في ذلك (أي: لعن من تَشبَّه من الرجال بالنساء أو العكس) ظاهرة، لا خفاء بها، وهي إخراج الشَّبَه عن الصفة التي وضَعَتْهَا عليه حكمة الحكيم، كما قال -عليه السلام-: «لعن الله الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة» وعلَّل هذا بتغيير خلق الله. جمع النهاية(4/139-140).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
جاءت الأحاديث الكثيرة في اللعن بالأوصاف لا بالأعيان، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» وقوله: «لعن الله النامصة والمتنمصة» ونحو ذلك من اللعن بالوصف لا بالعين.
وأما لعن المُعَين فإنَّ ذلك لا يجوز، إلا إذا عُلم أنه كان كافرًا، ومات على الكفر. شرح سنن أبي داود (8/ 9).
قوله: «الرَّجُلَةَ من النِّساءِ»:
قال المناوي: بفتح الرَّاء، وضم الجيم (وحكي كسرها) وفتح اللَّام، أي: المتشبهة بالرِّجالِ في الزي والهيئة، لا في العلم والرأي. التيسير (1/ 478).
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «من النساء» بيان لـــ«الرَّجُلة» لأنَّ التاء فيها لإرادة الوصفية. الكاشف عن حقائق السنن (9/ 2937).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «الرَّجُلة من النساء» بضم الجيم، أنَّث الرجل لإطلاقه على المرأة، ويقال: امرأة رَجُلة: إذا تشبهت بالرجال. لمعات التنقيح (7/ 437).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«الرَّجُلَة من النساء» أي: المترجِّلة، وهو بفتح الراء، وضم الجيم، التي تتشبه بالرجال في زيهم أو مشيهم، أو رفع صوتهم، أو غير ذلك، أما في العلم والرأي فمحمود، ويُقال: كانت عائشة رَجُلَة الرأي. فيض القدير (5/ 269).
وقال الصنعاني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: ما هو تَشَبُّهٌ بل عَمَلٌ بما أُمِرت به، فإنَّ النساء شقائق الرجال؛ قد أُمِرنَ بالعلم والعمل، وكيفية التعلم والتعليم، لا يختص بها الرجال. التنوير (9/ 48).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فالفارق بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال، وما يصلح للنساء، وهو ما يناسب ما يؤمر به الرجال، وما تؤمر به النساء، فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور...، وأصل هذا: أنْ تعلم أنَّ الشارع له مقصودان:
أحدهما: الفرق بين الرجال والنساء.
والثاني: احتجاب النساء، فلو كان مقصوده مجرد الفرق لحصل ذلك بأي وجه حصل به الاختلاف، وقد تقدم فساد ذلك. مجموع الفتاوى (22/ 145 - 152).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
إليه (إي: إلى تحريم التشبه) ذهب الجمهور، وقال الشافعي في الأم: إنه لا يحرم زِيُّ النساء على الرجل، وإنما يُكره، فكذا عكسه، انتهى، وهذه الأحاديث تَرُدُّ عليه؛ ولهذا قال النووي في الروضة (روضة الطالبين): والصواب أنَّ تشبُّهَ النساء بالرجال، وعكسه حرام؛ للحديث الصحيح. نيل الأوطار (2/ 137).
وقال النووي -رحمه الله-:
الصواب أنَّ تشبه النساء بالرجال وعكسه حرام؛ للحديث الصحيح: «لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال، والمتشبهات من النساء بالرجال». روضة الطالبين (2/ 263).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
التشبه يكون بالأقوال والأفعال والهيئات واللباس، فتجد الرجل يتشبه بالمرأة في صوتها يحكي صوت المرأة، ويتكلم وكأنه امرأة، هذا ملعون على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، يتشبه بالمرأة في لباسها، يلبس الثياب التي لا يلبسها إلا النساء، ومن ذلك: أنْ يضع الباروكة (شعر اصطناعي) على رأسه، كأنه امرأة، ومن ذلك أيضًا: أنْ يلبس اللباس الخاص بالنساء في الساعات؛ لأن النساء لهن ساعات خاصة، وللرجال ساعات خاصة، فيلبس الرجل ساعة المرأة.
وأما الهيئة: فأنْ يضع المكياج، ويتورك (أي يُنَحِّي رجليه ويُلصق مقعدَته بالأرض)، وإذا قام يمشي كأنه امرأة هذا أيضًا ملعون على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالمهم أنَّ تشبه الرجال بالمرأة من كبائر الذنوب، وتشبه المرأة بالرجل كذلك من كبائر الذنوب. شرح رياض الصالحين (6/ 217).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
لا خلافَ بين الفقهاءِ في أنَّه يَحرُمُ على الرِّجالِ أن يَتَشبَّهوا بالنِّساءِ في الحركاتِ، ولِينِ الكلامِ، والزِّينةِ، واللِّباسِ، وغيرِ ذلك من الأمورِ الخاصَّةِ بهنَّ عادةً أو طبعًا.
وأنَّه يَحرُمُ على النساءِ أيضًا أن يَتَشبَّهْنَ بالرِّجالِ في مثلِ ذلك؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما-: «لَعَنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المُتَشبِّهينَ من الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمُتَشبِّهاتِ من النِّساءِ بالرِّجالِ».
وضبطَ ابنُ دقيقِ العِيدِ ما يَحرُمُ التَّشبُّهُ بهنَّ فيه: بأنَّه ما كان مخصوصًا بهنَّ في جِنسِه وهيئتِه أو غالِبًا في زِيِّهِنَّ، وكذا يُقالُ عَكسُه. الموسوعة الفقهية(/267 ، ٢٦٨).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الكبيرة السابعة بعد المائة: تشبه الرجال بالنساء فيما يختصصن به عُرْفًا غالبًا مِن لِباسٍ، أو كلام، أو حركة، أو نحوها، وَعَكْسُه. الزواجر (1/ 256).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- أيضًا:
يجب على الزوج أنْ يمنع زوجته مما تقع فيه من التَّشبه بالرجال في مشيةٍ أو لبسة أو غيرهما؛ خوفًا عليها من اللعنة، بل وعليه أيضًا، فإنه إذا أقرَّها، أصابه ما أصابها؛ وامتثالًا؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} التحريم: 6، أي: بتعليمهم، وتأديبهم، وأمرهم بطاعة ربهم، ونهيهم عن معصيته، ولقول نبيه -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «كُلكم راعٍ، وكُلكم مسئولٌ عن رعيته، الرَّجل في أهله راعٍ، وهو مسؤول عنهم يوم القيامة»، وفي الحديث: «إنِّ هلاك الرِّجال طاعتهم لنسائهم». الزواجر (1/ 257، 258).
سئل الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هناك نعال من خشب تستعمل للدخول في الحمامات يستعملها الرجال والنساء، فما الحكم؟
فأجاب: هذا ما فيه بأس، لأنها ليست للرجال خاصة، ولا للنساء خاصة، هي لمَن يدخل الحمام. شرح سنن أبي داود (460/ 14).
حُرمة تشبّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال (هنا)