«لَعَنَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الرَّجلَ يلبسُ لِبْسَةَ المرأةِ، والمرأةَ تلبسُ لِبْسَةَ الرجلِ».
رواه أحمد برقم: (8309) وأبو داود برقم: (4098)، والنسائي في الكبرى برقم: (9209)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5095)، صحيح، مشكاة المصابيح برقم: (4469).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«لِبْسَةَ»:
بكسر اللام للنوع والهيئة. حاشية السندي على مسند أحمد (2/602).
اللِّبْسَةُ: حالة من حالاتِ اللُّبْسِ، وضرْبٌ من الثياب. القاموس المحيط (ص: 572).
وقال الصحاري -رحمه الله-:
اللباس معروف؛ واللِّبْسَة: ضرب من اللباس. واللَّبْسَة واحدة، أي مرة واحدة. الإبانة في اللغة العربية (4/ 230).
شرح الحديث
قوله: «لَعَنَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قال جمعٌ: ليس المراد هنا حقيقة اللعن، بل التَّنفير فقط؛ ليرتدع مَن سمعه عن مثل فعله، ويحتمل كونه دعاءً بالإبعاد، وقد قيل: إنَّ لعن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لأهل المعاصي كان تحذيرًا لهم عنها قبل وقوعها، فإذا فعلوها استغفر لهم، ودعا لهم بالتوبة، وأما مَن أغلظ له ولعنه تأديبًا على فعل فعَله، فقد دخل في عموم شرطه؛ حيث قال: «سألتُ ربي أنْ يجعل لعني له كفارةً ورحمة». فيض القدير (5/ 269).
وقال الصنعاني -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: والأظهر الحقيقة. التنوير (9/ 48).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«لعن» أي: دعا عليهم باللعنة، فقال: اللهم العن، أو قال: لعنة الله على كذا، فعبَّر عنها الراوي بقوله: «لعن». فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 366).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
اللعن معناه: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فإذا قلتَ: اللهم العن فلانًا، فإنك تعني أنَّ الله يبعده ويطرده عن رحمته، والعياذ بالله؛ ولهذا كان لعن المُعيَّن من كبائر الذنوب، يعني: لا يجوز أنْ تلعن إنسانًا بعينه، فتقول: اللهم العن فلانًا، أو تقول: لعنة الله عليك، أو ما أشبه ذلك، حتى لو كان كافرًا وهو حيّ، فإنه لا يجوز أنْ تلعنه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما صار يقول: «اللهم العن فلانًا، اللهم العن فلانًا» يعيِّنهم، قال الله له: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} آل عمران: 128، ومن الناس من تأخذه الغيرة فيلعن الرجل المعيَّن إذا كان كافرًا وهذا لا يجوز؛ لأنك لا تدري لعل الله أنْ يهديه، وكم من إنسان كان من أشد الناس عداوة للمسلمين والإسلام، هداه الله وصار من خيار عباد الله المؤمنين. شرح رياض الصالحين (6/ 191 - 192).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
لا خلاف بين أهل العلم في جواز لعن الكفار جملةً، كما لا خلاف في جواز لعن أصحاب المعاصي جملةً، كشُرَّاب الخمر، وأكلة الربا، ومَن تشبه بالرجال من النساء، ومن النساء بالرجال، كما حكى ذلك القرطبي، وإنَّما الخلاف في لعن العاصي المعين، وقد قال ابن العربي: إنه يجوز لعنه اتفاقًا، وهذا فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، كما قال القرطبي، فمِن أهل العلم من أجاز لعن العاصي المعيّن، وهو اختيار النووي...، وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لعن المعيّن؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وما ندري بما يُختم لهذا الفاسق أو الكافر المعين، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، والدليل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لعن الصحابي الذي أُتي به وقد شرب الخمر، وهذا هو الأظهر -إن شاء الله-؛ لقوة مأخذه، ولإمكان التوبة وغيرها من مُسقطات العقوبة. منحة العلام (7/ 352 - 353).
قوله: «الرجلَ يلبسُ لِبْسَةَ المرأةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لِبْسَةَ» بكسر اللام، والجملة صفة أو حال، كقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} الجمعة: 5. مرقاة المفاتيح (7/ 2836).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لِبْسَةَ المرأة» بكسر اللام مصدر نوعي (أي: مُبيِّن للنوع). التنوير (9/ 48).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«الرجل يلبس» بفتح الموحدة «لِبْسَةَ» بكسر اللام؛ لأن المراد به الهيئة. شرح سنن أبي داود (16/ 355).
قوله: «والمرأةَ تلبسُ لِبْسَةَ الرجلِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«والمرأة تلبس لبسة الرجل»...، إذا حرُم في اللباس، ففي الحركات والسكنات والتصنع بالأعضاء والأصوات أولى بالذم والقُبح، فيحرم على الرجال التشبه بالنساء وعكسه في لباس اختص به المشبَّه، بل يَفْسُق فاعلُه؛ للوعيد عليه باللعن. فيض القدير (5/ 269).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» يعني: الهيئة والكيفية وطريقة اللبس، فإنَّ ذلك من التشبه الذي ورد عليه اللعن من رسول الله -عليه الصلاة والسلام -. شرح سنن أبي داود (460/ 5).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«والمرأة» التي تلبس «لِبسة الرجل» أفاد أنَّ ذلك حرام، أي: بلا ضرورة. السراج المنير (4/ 125).
وقال عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-:
فيحرم تشبه رجل بأنثى في لباس لا يُخاط إلا لها، وكذا يحرم غيره، ككلام ومشي وغيرهما، وكبعض صفات وحركات ونحوها، لمَن تعمد ذلك، ومَن كان بأصل الخِلقة يؤمر بتكلف تركه، وإلا لحقه الذم، لا التشبه في أمور خيرية، ويحرم عكسه، وهو تشبه أنثى برجل في لباس كالقباء والعمامة، وما لا يخاط إلا له، وكجيب الرجل وغيره؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- «لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» رواه البخاري وغيره، و«لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» رواه أبو داود بإسناد صحيح، وللطبراني أنه رأى امرأة مُتقلدة قوسًا، فقال: «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال» الحديث، وعده أهل العلم من الكبائر؛ للّعن عليه، وقال غير واحد: اللباس يختلف باختلاف عادة كل بلد، فرُب قوم لا يفترق زيّ نسائهم مِن رجالهم في اللباس، لكن يمتاز النساء بالاستتار والاحتجاب. حاشية الروض المربع (1/ 524).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
فالفارق بين لباس الرجال والنساء يعود إلى ما يصلح للرجال، وما يصلح للنساء، وهو ما يناسب ما يؤمر به الرجال، وما تؤمر به النساء، فالنساء مأمورات بالاستتار والاحتجاب دون التبرج والظهور...، وأصل هذا: أنْ تعلم أنَّ الشارع له مقصودان:
أحدهما: الفرق بين الرجال والنساء.
والثاني: احتجاب النساء، فلو كان مقصوده مجرد الفرق لحصل ذلك بأي وجه حصل به الاختلاف، وقد تقدم فساد ذلك. مجموع الفتاوى (22/ 145 - 152).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
خُص هنا باللِبسة، والتشبه أعم من ذلك. لمعات التنقيح (7/ 437).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المتشبهات من النساء بالرجال تَشَبُّههن من كبائر الذنوب، وكذلك المتشبهون من الرجال بالنساء تَشَبُّههم من كبائر الذنوب، وهنا مسألة تُشْكِل على بعض النساء وعلى بعض الناس أيضًا، يفعل الإنسان ما فيه التشبه ويقول: أنا ما نويتُ، أنا لم أنوِ التشبه، فيقال: إنَّ الشَّبَه صورة غالبة متى وجدت حصل التشبه، سواء بنية أو بغير نية، فمتى ظهر أنَّ هذا تشبه، ويشبه الكافرات، ويشبه الفاجرات والعاريات، أو يشبه الرجال من المرأة، أو المرأة من الرجل، متى ظهر التشبه فهو حرام، سواء كان بقصد أو بغير قصد، لكن إذا كان بقصد فهو أشد، وإن كان بغير قصد قلنا: يجب عليك أنْ تغير ما تشبَّهْت به حتى تبتعد عن التشبه...، (و) الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى أنْ تلبس المرأة لِبْسَة الرجل، والرجل لِبْسَةَ المرأة...، التشبه يكون باللباس والمشية والهيئة وغير ذلك. شرح رياض الصالحين (6/ 375).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
لا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للأدب، وأنَّه مِن زيِّ النساء لا للتحريم. الأم (1/ 254).
وقال الشوكاني -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قال الشافعي في الأم: إنه لا يحرم زيّ النساء على الرجل وإنما يكره، فكذا عكسه، انتهى. وهذه الأحاديث ترد عليه. نيل الأوطار (2/ 137).
وقال النووي -رحمه الله-:
الصواب أنَّ تشبه النساء بالرجال وعكسه حرام؛ للحديث الصحيح: «لعن الله المتشبهين بالنساء من الرجال، والمتشبهات من النساء بالرجال» روضة الطالبين (2/ 263).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث يدل على تحريم تشبُّه النساء بالرجال، والرجال بالنساء؛ لأن اللعن لا يكون إلا على فعل محرم، وإليه ذهب الجمهور. نيل الأوطار (2/ 137).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: وعيد شديد لمَن لبس لباس المرأة تشبُّهًا بها، وكذا عكسه. تطريز رياض الصالحين (ص: 918).
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
لا خلافَ بين الفقهاءِ في أنَّه يَحرُمُ على الرِّجالِ أن يَتَشبَّهوا بالنِّساءِ في الحركاتِ، ولِينِ الكلامِ، والزِّينةِ، واللِّباسِ، وغيرِ ذلك من الأمورِ الخاصَّةِ بهنَّ عادةً أو طبعًا.
وأنَّه يَحرُمُ على النساءِ أيضًا أن يَتَشبَّهْنَ بالرِّجالِ في مثلِ ذلك؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما-: «لَعَنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المُتَشبِّهينَ من الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمُتَشبِّهاتِ من النِّساءِ بالرِّجالِ».
وضبطَ ابنُ دقيقِ العِيدِ ما يَحرُمُ التَّشبُّهُ بهنَّ فيه: بأنَّه ما كان مخصوصًا بهنَّ في جِنسِه وهيئتِه أو غالِبًا في زِيِّهِنَّ، وكذا يُقالُ عَكسُه. الموسوعة الفقهية(/267 ، ٢٦٨).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
الكبيرة السابعة بعد المائة: تشبه الرجال بالنساء فيما يختصصن به عُرْفًا غالبًا مِن لِباسٍ، أو كلام، أو حركة، أو نحوها، وَعَكْسُه. الزواجر (1/ 256).
وسُئل الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
في بعض البلاد يكون زيِّ النساء مثل زيّ الرجال ويشبهه، ولا فرق بينهما إلا أنَّ النساء عندهن الاحتجاب فقط؟
فأجاب: إذا وجِد هذا الشيء وكان هذا هو الواقع، فيكون التَّشبه في الأمور الأخرى، يعني: من ناحية الثوب إذا كان اللون الفلاني من خصائص الرجال، أو من خصائص النساء، وتعارف عليه أهل البلد، فلا يقدم الرجل على أنْ يلبس شيئًا عُرف بأنه من خصائص المرأة، أو اشتهر بأنه من خصائص المرأة، وكذلك العكس. شرح سنن أبي داود (460/ 13).
لعن المسترجلة من النساء (هنا)
وينظر صلاة المرأة بثوب الرجل إذا جعلته لفافة على جسمها (هنا)