الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يَنْفِثُ على نفسِهِ في مرضِهِ الذي قُبِضَ فيه بالْمُعَوِّذَاتِ، فلمَّا ثَقُلَ كنتُ أنا أَنْفِثُ عليه بهنَّ، فأَمْسَحُ بيدِ نفسِهِ لِبَرَكَتِها».
فسألتُ ابنَ شِهَابٍ: كيفَ كان يَنْفِثُ؟ قال: «يَنْفِثُ على يدَيْهِ، ثم يَمْسَحُ بهما وجْهَهُ».


رواه البخاري برقم: (5751) واللفظ له، ومسلم برقم: (2192)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وعنها عند أحمد برقم: (26189): «فلمَّا ثَقُلَ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عليه بهما، وأَمْسَحُ بِيَمِينِهِ التِمَاسَ بَرَكَتِهَا».
وفي لفظ عند مسلم برقم: (2192) «لأنها كانت أعظم بركة من يدي».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌يَنْفُثُ»:
نفث ينفُث، بالضم، وينفِث، بالكسر، نفثًا ونفثَانًا، محركة، وهو كالنفخ مع ريق. تاج العروس، للزبيدي (3/ 272).
قال نشوان الحميري -رحمه الله-:
نفث الراقي ريقه نفثًا: إذا ألقاه. شمس العلوم (10/ 6701).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
النفث بالفم: شبيه بالنفخ، ويقال: نفث الراقي ريقه، وهو أقل من التفل، نفث والساحرة تنفث ريقها في العقد، والحية تنفث السم، ومنه لا بد للمصدور (مَن أصيب صدره بعلة) أنْ ينفث. الفائق (4/ 9).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يَنْفِثُ على نفسِهِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «كان ينفُث» بضم الفاء، وكسرها، والنفث: شبه النفخ، وهو أقل من التَّفْل، والتفل لا بد فيه شيء من الريق. عمدة القاري (21/ 262).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «ينفِث» بكسر الفاء، وبالثاء المثلثة، والنفث: نفخ لطيف بلا ريق على المشهور، ففيه: استحباب النفث في الرقية. طرح التثريب (8/ 194).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي: الأولى أنْ يكون مع الريق؛ لقصة الذي رقى بالفاتحة، فإنه صريح في ذلك (لأنَّه جاء «فيه فجعلَ يقرأُ أُمَّ القرآنِ ويَجْمَعُ بُزَاقَهُ ويَتْفِلُ فَبَرَأَ الرَّجلُ») -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (36/ 58).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
الحكمة في النفث: أنْ يصل الهواء الذي خالطه القرآن إلى موضع الألم. الكوثر الجاري (9/ 280).
وقال العراقي -رحمه الله-:
إنْ قلتَ: كيف يجمع بين قوله في هذه الرواية: «على نفسه» وفي الرواية المتقدمة: «فلمَّا اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به»؟
قلتُ: كان فعله ذلك بنفسه في ابتداء المرض، وفعلها ذلك بعد اشتداد المرض. طرح التثريب (8/ 195).

قوله: «في مرضِهِ الذي قُبِضَ فيه»:
قال العراقي -رحمه الله-:
لم ترد به تقييد ذلك بحالة المرض، وأنه لم يكن يفعله في الصحة، وإنما أرادت أنه كان يفعل ذلك في آخر حياته، وفي أكمل أحواله وأفضلها، وأنه لم ينسخ ذلك شيء، والله أعلم. طرح التثريب (8/ 195).

قوله: «بالمُعَوِّذَاتِ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«بالمعوذاتِ» أي: قرأ على نفسه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} الفلق: 1، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} الناس: 1، ونفث الريح على نفسه. المفاتيح (2/ 392).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«بالمعوذات» -بكسر الواو المشددة- الإخلاص واللتين بعدها، فهو من باب التغليب، أو المراد الفلق والناس، وجمع باعتبار أنَّ أقل الجمع اثنان. إرشاد الساري (6/ 465).
وقال العيني -رحمه الله-:
وقيل: المراد بها الكلمات المعوذة بالله من الشيطان والأمراض والآفات ونحوها. عمدة القاري (18/ 66).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«بالمعوذات» أريد بها السورتان المعروفتان إطلاقًا للجمع وإرادة التثنية. شرح المصابيح (2/ 306).
وقال المظهري -رحمه الله-:
حقه أن تقول (أي: عائشة): بالمعوذتين؛ لأنهما سورتان، ولكن تلفظت بلفظ الجمع، إما لأنها أجرت التثنية مجرى الجمع، أو لأنها تعني «بالمعوذات» هاتان السورتان وكل آية تشبههما، مثل: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} هود: 56، {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ} القلم: 51، وما أشبه ذلك. المفاتيح (2/ 392).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
كان حقه (أي: أنْ تقول عائشة) المعوذتين؛ لأنهما سورتان، فجمع إما لإرادة هاتين السورتين وما يشبههما من القرآن، أو باعتبار أقل الجمع اثنان...، وجاء في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين فهو من باب التغليب. الكواكب الدراري (21/ 19).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
المعوذات يعني بها: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} الفلق: 1 و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} الناس: 1، ونحو قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} المؤمنون: 97-98. المفهم (5/ 579).
وقال العراقي -رحمه الله- متعقبًا للقرطبي:
الظاهر أنَّ المراد المعوذتان مع {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص: 1، وأطلقها عليها اسمهما على طريق التغليب، بدليل أن لفظ رواية البخاري من طريق يونس عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده، قالت عائشة: فلمَّا اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به» قال يونس: كنتُ أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا آوى إلى فراشه، والحديث واحد، وطرقه يفسر بعضها بعضًا.
ويحتمل: أنْ يُراد بالمعوذات سورتا الفلق والناس خاصة، وعبَّر بلفظ الجمع لاشتمالهما على تعاويذ متعددة. طرح التثريب (8/ 194).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
تخصيصه -عليه السلام- الرقى بالمعوذات في هذه الأحاديث لعمومها الاستعاذة من أكثر المكروهات، من شر السواحر النفاثات، وشر الحاسدين، والشيطان ووسوسته، ومن شر شرار الناس، وشر كل ما خلق، وشر ما جمعه الليل من المكاره والطوارق. إكمال المعلم (7/ 101).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
إنَّما رقى بهن لأنهن جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملةً وتفصيلًا. الكواكب الدراري (21/ 19).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
هذا هو الطب الروحاني، وإذا كان على لسان الأبرار حصل به الشفاء. إرشاد الساري (8/ 388).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قراءة المريض على نفسه تكون على وجوه: أن يقرأ ويشير بقراءته إلى جسده، وربما كانت إشارته بإمراره يده على موضع الألم، أو إلى أعضائه إن كان جميع جسده ألمًا، ويكون بأن يجمع يديه فيقرأ فيهما، ثم يمسح بهما على موضع الألم. المنتقى شرح الموطأ (7/ 260).

قولها: «فلمَّا ثَقُلَ كنتُ أنا أَنْفِثُ عليه بهنَّ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«فلما ثقل» -صلى الله عليه وسلم- في مرضه «كنتُ أنفث» بفتح الهمزة وكسر الفاء «عليه» وللحموي والمستملي: «عن» «بهن» بالمعوذات. إرشاد الساري (8/ 388).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
النفث: نفخ يسير مع ريق يسير، وهو أقل من التفل. المفهم (5/ 598-579).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلما اشتد وجعه» فوق ما كان «كنتُ أقرأ عليه» كما كان يقرأ، اقتداءً به. شرح سنن أبي داود (15/ 649).

قوله: «فأَمْسَحُ بيدِ نفسِهِ لِبَرَكَتِها»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وأمسح بيده نفسه» بالنصب على المفعولية، أي: أمسح جسده بيده، وبالكسر على البدل، وفي رواية الكشميهني: «بيد نفسه» وهو يؤيد الاحتمال الثاني. فتح الباري (10/ 197).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وأمسح» عليه «بيد نفسه لبركتها» وللحموي والمستملي «بيده نفسه» بهاء الضمير بعد الدال، وجر «نفسه» على البدل. إرشاد الساري (8/ 388).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
لعل تركه -عليه الصلاة والسلام- النفث بها على نفسه في ذلك المرض كان لعلمه أنه آخر مرضه، وأنه أوان ارتحاله. شرح المصابيح (2/ 306).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ليس بين قوله في هذه الرواية: «كان ينفث على نفسه» وبين الرواية الأخرى: «كان يأمرني أن أفعل ذلك» معارضة؛ لأنه محمول على أنه في ابتداء المرض كان يفعله بنفسه، وفي اشتداده كان يأمرها به، وتفعله هي من قبل نفسها. فتح الباري (10/ 197).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في رواية معمر «وأمسح بيد نفسه لبركتها» وفي رواية مالك «وأمسح بيده رجاء بركتها» ولمسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة «فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفثُ عليه، وأمسح بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي». فتح الباري (8/ 132).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
رَقَتْهُ عائشة في مرض موته -صلى الله عليه وسلم- ومسحته بيدها وبيده، وهو مُقِرٌّ لذلك غير مُنْكِر لشيء منه، وإقراره على جواز الرقية بنفسه ولو زوجته أو محرمه. شرح سنن أبي داود (15/ 649).
قوله: «فسألتُ ابنَ شهابٍ: كيفَ كان يَنْفِثُ؟ قال: «يَنْفِثُ على يدَيْهِ، ثم يَمْسَحُ بهما وجْهَهُ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «فسألت الزهري» القائل معمر، وهو موصول بالإسناد المذكور. فتح الباري (10/ 197).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: كيف الجمع بين هذا، وبين قوله -عليه الصلاة والسلام- في الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «لا يرقون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون» فإن ظاهره: منافاة ذلك للتوكل والأكمل، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق حالًا، وأعظمهم توكلًا، ولم يزل حاله في ازدياد إلى أن قُبِض، وقد رقى نفسه في مرض موته؟
قلتُ: الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ الرُّقَى التي ورد المدح في تركها هي التي من كلام الكفار، والرُّقى المجهولة، والتي بغير العربية، وما لا يُعْرَفُ معناه، فهذه مذمومة؛ لاحتمال أن يكون معناها كفرًا، أو قريبًا منه، أو مكروهًا.
وأما الرُّقى التي بآيات القرآن، وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيها، بل هي سُنَّة.
ثانيهما: أنَّ المدح في ترك الرُّقى للأفضلية، وبيان التوكل، وما فعله -عليه الصلاة والسلام- من الرُّقى أو أَذِنَ فيه فإنما هو لبيان الجواز؛ مع أن تركها أفضل في حقنا، وبهذا قال ابن عبد البر، وحكاه عن طائفة، قال النووي: والمختار الأول، قال: وقد نقلوا الإجماع على جواز الرُّقى بالآيات وأذكار الله تعالى، قال المازري: جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله تعالى، أو بذكره، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية، أو بما لا يدرى معناه؛ لجواز أن يكون فيه كفر، وفي صحيح مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اعرضوا عليَّ رُقَاكم، لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيها شرك».
وأما قوله في الرواية الأخرى: «يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى» فأجاب العلماء عنه بأجوبة:
أحدهما: كان نهى أولًا، ثم نسخ ذلك، وأذن فيها، وفعلها واستقر الشرع على الإذن.
الثاني: أنَّ النهي عن الرُّقى المجهولة -كما سبق-.
والثالث: أنَّ النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة. طرح التثريب (8/ 193-194).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يحتمل: أن يكون النهي ثابتًا ثم نُسِخَ، أو يكون كان النهي لأنهم كانوا يعتقدون منفعتها بطبيعة الكلام كما كانت تعتقد الجاهلية، فلما استقرَّ الحق في أنفسهم، وارتاضوا بالشرع أباحها لهم، مع اعتقادهم أن الله هو النافع الضار، أو يكون النهي عن الرقى الكفرية، ألا تراه قال للذي قال له: «نهيتَ عن الرقى، قال: فعرضوها عليه -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ما أرى بأسًا».
وقد وقع في بعض الأحاديث: «لا رُقْيَة إلا من عين أو حُمَةٍ (سم الحيات والعقارب وما أشبههما من ذوات السموم)» وهذا تأوله أهل العلم على أنه لم يرد به نفي الرقى عما سواها، بل المراد به: لا رقية أحق وأولى من العين والحُمَةِ. إكمال المعلم (7/ 99).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أن الرقية بكلام الله وبالأدعية سنة، وكذلك النفث عند الرقية سُنَّة. المفاتيح (2/ 392).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى. فتح الباري (10/ 195).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
قال ابن التين: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى، فلما عزَّ (أي: نَدُر وقلَّ) هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني، وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين؛ لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذا اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان؛ فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه؛ ليكون بريئًا من الشرك، وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة. فتح الباري (10/ 196).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
في الاسترقاء بالمعوذات: استعاذة بالله تعالى من شرِّ كل من خلق، ومن شر النفاثات في السِّحْر، ومن شر الحاسد، ومن شر الشيطان ووسوسته، وهذه جوامع من الدعاء، تعمُّ أكثر المكروهات؛ ولذلك كان -عليه السلام- يسترقي بهما، وهذا الحديث أصل ألا يُسترقَى إلا بكتاب الله وأسمائه وصفاته.
وقد روى مالك في الموطأ أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: ارقيها بكتاب الله -يعني: بالتوراة والإنجيل-؛ لأن ذلك كلام الله الذي فيه الشفاء، وقد روي عن مالك جواز رقية اليهودي والنصراني للمسلم إذا رقى بكتاب الله، وهو قول الشافعي، وفي المستخرجة (لمحمد العتبي، وهي: العتبية) أنَّ مالكًا كره رقى أهل الكتاب، وقال: لا أحبه؛ وذلك -والله أعلم- لأنه لا يدري هل يرقون بكتاب الله أو الرقى المكروهات التي تضاهي السِّحْر، وروى ابن وهب عن مالك أنه سُئِل عن المرأة التي ترقي بالحَدِيْدَة والملح، وعن التي تكتب الكتاب للإنسان ليعلقه عليه من الوجع، وتعقد في الخيط الذي يربط به الكتاب سبع عقد، والذي يكتب خاتم سليمان في الكتاب فكرهه كله، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم. شرح صحيح البخاري (9/ 427-428).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
في هذا الحديث جواز النفث في الرقية، قال بعض علمائنا: هذه سنة في نفث الراقي، وبالأخذ بهذا والاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال (به) جماعة من الصحابة، ومن بعدهم، وهو قول مالك، قال الطبري: وأنكر بعضهم النفث والتفل في الرقى، وأجازوا فيها النفخ، قال بعض علمائنا القدماء: وهو شبيه البُزَق ولا يلقي شيئًا، وهو بخلاف التفل الذي معه شيء.
قال القاضي (عياض): وهذا نحو قول من قال: النفخ، فإن كان هذا النفث الذي أجازه أولئك هو النفخ الذي أجازه الآخرون، فلا خلاف إذًا فيه على هذا الوجه.
وقد اختلف في التفل والنفث، فقيل: هما بمعنى، ولا يكونان إلا ومعهما شيء من الريق، وقال أبو عبيد: لا يكون التفل إلا ومعه شيء من الريق بخلاف النفث، وقيل: بعكس هذا، وقال بعضهم: والتَّفَل -بالفتح-: البصاق نفسه، وسُئلت عائشة عن نفث النبي -صلى الله عليه وسلم- في الرقية، فقالت: كما ينفث آكل الزبيب، قال بعض شيوخنا: وهذا يقتضي أنه يلقي اليسير من الريق، وليس كما قال، بل هو كما قاله الأول؛ لأن نافث الريق لا بزاق معه، ولا اعتبار بما يخرج عليه من بله ولا يقصد ذلك، لكن قد جاء في حديث الذي رقى بفاتحة الكتاب: «فجعل يجمع بزاقه ويتفل».
وفائدة ذلك -والله أعلم-: التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء والنفس المباشر للرقية، والذكر الحسن والدعاء والكلام الطيب، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى في النُّشَر (النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، وهي جائزة، وأما التي هي حل السحر بسحر، فمحرمة)، وقد يكون على وجه التفاؤل بزوال ذلك الألم عن المريض وانفصاله عنه، كانفصال ذلك النفث عن فِيِّ الراقي، وقد كان مالك ينفث إذا رقى نفسه. إكمال المعلم (7/ 100-101).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فيه: إثبات الرقى، والرد على من أنكره من أهل الإسلام.
وفيه: الرقى بالقرآن وفي معناه كل ذكر لله جائز الرقية به.
وفيه: إباحة النفث في الرقى، والتبرك به، والنفث شبه البصق، ولا يلقي النافث شيئًا من البصاق، وقيل: كما ينفث آكل الزبيب.
وفيه: المسح باليد عند الرقية، وفي معناه المسح باليد على كل ما ترجى بركته وشفاؤه وخيره، مثل المسح على رأس اليتيم وشبهه.
وفيه: التبرك باليمنى (لرواية أحمد) دون الشمال، وتفضيلها عليها، وفي ذلك معنى الفأل. التمهيد، باختصار (8/ 129).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فيها (يعني: الأحاديث): سنة المسح باليد اليمنى عند الرقية، قال الطبري: ومعنى ذلك: تفاؤلًا لذهاب الوجع لمسحه بالرقى.
وفيه: جواز الرقى بالقرآن، وبالمعوذات، وبالدعاء إلى الله بالشفاء. إكمال المعلم (7/ 101).
وقال النووي -رحمه الله-:
(و) فيه: استحباب النفث في الرقية، وقد أجمعوا على جوازه، واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وفي هذا الحديث: استحباب الرقية بالقرآن وبالأذكار، وإنما رقى بالمعوذات لأنهن جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملةً وتفصيلًا، ففيها الاستعاذة من شر ما خلق، فيدخل فيه كل شيء، ومن شر النفاثات في العقد، ومن السواحر، ومن شر الحاسدين، ومن شر الوسواس الخناس -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم، باختصار (14/ 182-183).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
(و) فيه: إثبات الرقى كما ذكرناه، والرد على من أنكر ذلك من الإسلاميين.
وفيه: إباحة النفث في الرقى، وقد روى الثوري عن الأعمش، عن إبراهيم قال: إذا رقيت بآي القرآن فلا تنفث.
وقال الأسود: أكره النفث، وكان لا يرى بالنفخ بأسًا.
وكرهه أيضًا عكرمة والحكم بن حماد...
وفيه أيضًا: المسح باليد عند الرقية، وفي معناه: المسح باليد على كل ما ترجى بركته وشفاؤه وخيره، مثل المسح على رأس اليتيم وشبهه...
قيل: وفيه: أن أقل الجمع اثنان؛ لقوله: «بالمعوذات» وهما معوذتان، وهو عجيب، وأغرب من ذلك: أنه من باب التغليب، ومعهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص: 1، وغلب، وقد سلف. التوضيح لشرح الجامع الصحيح، باختصار (27/ 476-477).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان مشروعية الرقى، واستحبابها.
ومنها: استحباب النفث في الرقية.
ومنها: بيان ما كان يصيب النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأسقام، والأمراض؛ ليرفع الله -عزَّ وجل- بذلك درجاته.
ومنها: استحباب الرقية بالقرآن الكريم، وبالمعوذات، وبالأذكار، ودعاء الله تعالى بالشفاء. البحر المحيط الثجاج، باختصار (36/ 57-58).

ولمعرفة المزيد في فضل المعوذات ينظر (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا) و (هنا)

وينظر جواز الرقية من غير شرك (هنا)


إبلاغ عن خطأ