«لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةَ أَحَدِكُمْ إذا أَحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ».
رواه البخاري برقم: (6554) واللفظ له، ومسلم برقم: (225)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَحْدَثَ»:
أي: وُجِدَ منه الحَدَث، والمراد به: الخارج من أحَد السَّبيلين. شرح سنن أبي داود، لابن رسلان (1/ 500).
وقال بطال الركبي-رحمه الله-:
الحدث في الفقه: ما ينقض الوضوء. النظم المستعذب، المقدمة (ص:48).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لا تُقْبَلُ» (رواية مسلم) ببناء الفعل للمفعول، وكذا وقع عند البخاريّ عن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق في كتاب الوضوء، ووقع عنده في كتاب ترك الْحِيَل عن إسحاق بن نصر، وعند أبي داود في سننه عن أحمد بن حنبل، كلاهما عن عبد الرزاق بلفظ: «لا يَقْبَل الله». البحر المحيط الثجاج (6/ 71).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا يقبل الله» هو بفتح الموحدة في المضارع، وكسرها في الماضي، كعلم يعلم، والقبول فُسِّر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان: إذا رُتِّب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو محو الجناية والذنب. رياض الأفهام (1/ 38).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: قبول إجابة وإثابة، بخلاف المسبل والآبق، فإنَّ صلاتهما لا تقبل أيضًا؛ لكنها لا تقبل بترك الإثابة، وتقبل إجابة، فلا يرد ما قيل: من أنه لا يلزم من عدم القبول عدم الجواز والصحة، مع أنَّ الطهارة شرط الصحة. مرقاة المفاتيح (1/ 358).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يقْبَلُ الله صَلَاة...» عام في عدم القبول من جميع المُحْدِثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا: يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس، ونُقِلَ عن بعض المتأخرين أنَّ الصحة عبارة عن ترتُّب الثواب والدرجات على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخصُّ من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخصِّ نفي الأعم.
فالقبول على هذا التفسير أخصُّ من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إنْ نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف ضرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة، كما هو محكي عن الأقدمين. التوضيح (4/ 17).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» معنى نفي القبول هنا: الرَّدُّ، وأنَّ العبادة لا تُجْزِؤه، وعليه أن يعيدها. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 498).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «لا يقبل الله» اعلم أنَّ نفي القبول إما أنْ يكون بفوات شرط، أو لوجود مانع، أو ليس لذلك، فإن كان لفوات شرط، أو وجود مانع، فهو نفي للصحة، مثال فوات الشرط: من صلّى بغير وضوء لم يقبل الله صلاته، من صلَّت بغير خمار لم تقبل صلاتها، ومثال وجود مانع: من تكلم في صلاته لم تقبل.
أما إذا كان نفي القبول لا يتعلق بفوات شرط، ولا وجود مانع؛ فلا يلزم منه نفي الصحة، فقد يُراد به نفي القبول التام، أي: لم تقبل على وجه التمام الذي يحصل به الرضا وتمام المثوبة.
وقد يُراد به: أنَّ هذه السيئة التي فعلها تقابل تلك الحسنة في الميزان، فتكون كأنها غير مقبولة، وإن كانت مُجْزِئة، وتبرأ بها الذمة.
ومن ذلك: نفي القبول عن صلاة الآبق، ومن في جوفه خمر، ومن يأتي عرَّافًا، مع ثبوت صحة صلاتهم بالإجماع، وإنما المراد: أنَّ الله تعالى لا يثيبهم عليها. منحة العلام (2/ 326).
قوله: «صلاةَ أَحَدِكُمْ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«صلاة أحدكم» المخاطبون الحاضرون، ليسوا وحدهم المقصودين بالخطاب، بل المقصود الأمة. فتح المنعم (2/ 92).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «صلاة أحدكم» مفرد مضاف، فيعم كل صلاة، سواء في ذلك الفريضة والنافلة وصلاة الجنازة، وهذا أمر مجمع عليه إلا ما حُكِيَ عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري أنهما قالا: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة قال النووي، وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه (وسيأتي كلام النووي). طرح التثريب (2/ 215).
قوله: «إذا أَحْدَثَ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«إذا أحدث» الحدث هنا كناية عما يخرج من السبيلين معتادًا في جنسه وأوقاته، عند مالك وجُلِّ أصحابه، وقال ابن عبد الحكم والشافعي: المعتبر الخارج النجس من المخرجين، وقال أبو حنيفة: المعتبر الخارج النجس وحده، فمن أي محل خرج نقض وأوجب. المفهم (1/ 479).
وقال عبد الغني المقدسي -رحمه الله-:
«أحدث» حصل منه الحدث، وهو الخارج من أحد السبيلين، أو غيره من نواقض الوضوء. عمدة الأحكام (ص:31).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
والحدث: هو معنى يقوم بالبدن تمتنع معه الصلاة والطواف. شرح عمدة الفقه (1/ 6).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أحدث» أي: صار ذا حدث، وهو ما يبطل الوضوء. المفاتيح (1/ 356).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إذا أحدث» أي: إذا أصابه الحدث، أو: إذا وطئ في الحدث، والحدث: من الحدوث، وهو كون الشيء لم يكن. شرح سنن أبي داود (1/ 181).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إذا أحدث» أي: وُجِدَ منه الحدث، وهو الخارج المخصوص، وما في معناه من جميع نواقض الوضوء، أو نفس خروج ذلك الخارج وما في معناه. فيض القدير (6/ 452).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أحدث» أي: صار ذا حدث قبل الصلاة، أو في أثنائها. مرقاة المفاتيح (1/ 358).
وقال الشيخ محمود خطاب السبكي -رحمه الله-:
قوله: «إذا أحدث» أي: وجد منه الحدث قبل الصلاة أو في أثنائها، وهو كل ناقض للطهارة، فيشمل الأكبر كالجنابة والحيض، وفسره أبو هريرة بأخص من هذا لما قيل له: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط، كما في البخاري؛ تنبيهًا بالأخف على الأغلظ؛ ولأنهما يقعان في الصلاة أكثر من غيرهما؛ أو لأنه لم يرد بذكرهما قصر الحكم عليهما، فيدخل ما كان في معناهما من كل ما خرج من السبيلين. المنهل العذب المورود (1/ 210).
قوله: «حتَّى يَتَوَضَّأَ»:
قال النووي -رحمه الله-:
«حتى يتوضأ» فمعناه: حتى يتطهر بماء أو تراب، وإنما اقتصر -صلى الله عليه وسلم- على الوضوء؛ لكونه الأصل والغالب -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 103).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «حتى يتوضأ» نَفَى القبول إلى غاية، وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا، وهذا مجمع عليه في الوضوء. العدة (1/ 54).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: لا يقبل الله صلاة بغير الوضوء، إلا إذا لم يجد الماء، ووجد التراب، فيقوم التيمم مقام الوضوء، وإنْ لم يجد الماء والتراب يصلي فرض الوقت وحده؛ لحرمة الوقت، ثم إنْ مات قبل وجدان الماء أو التراب لم يكن عليه إثم، وإنْ لم يمت حتى وجد الماء أو التراب يقضي تلك الصلاة. المفاتيح (1/ 356).
وقال الفاكهاني -رحمه الله-:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: «حتى يتوضأ» معناه: أو يتيمم بشرطه، وإنما اكتفى بالوضوء عن التيمم؛ لأصالته وأكثريته. رياض الأفهام (1/ 46).
وقال الفاكهاني -رحمه الله- أيضًا:
لا بد في الحديث من تقدير حذف، وهو: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ويصلي؛ إذ يستحيل قبول صلاة غير مفعولة. رياض الأفهام (1/ 46).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يتوضأ» أي: بالماء أو ما يقوم مقامه، وقد روى النسائي بإسناد قوي، عن أبي ذر مرفوعًا: «الصعيد الطيب وضوء المسلم» فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء؛ لكونه قام مقامه، ولا يخفى أنَّ المراد بقبول صلاة مَن كان محدثًا فتوضأ، أي: مع باقي شروط الصلاة -والله أعلم-. فتح الباري (1/ 235).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى يتوضأ» أي: إذا أحدث أحدكم لا تقبل صلاته إلى أنْ يتوضأ، ولا يجوز تقديرها بـ"إلَّا" المشددة؛ لأنَّ الكلام يصير: لا يقبل الله صلاة أحدكم إلا أنْ يتوضأ، ومفهومه: أنَّه لو صلى قبل الوضوء ثم توضأ قُبِلَتْ، فيفسد المعنى بتقديرها. إرشاد الساري (10/ 103).
وقال العيني -رحمه الله-:
وكلمة «حتى» هاهنا لانتهاء الغاية، والمعنى: عدم قبول الصلاة مُغَيًّا بالتوضؤ. شرح سنن أبي داود (1/ 182).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يتوضأ» أي: حقيقة أو حكمًا، أو يتوضأ بمعنى يتطهر، فيشمل الغسل والوضوء والتيمم. مرقاة المفاتيح (1/ 358).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يتوضأ» ليس غاية لعدم القبول حتى يلزم قبول ما صلى حالة الحدث إذا توضأ بالمفهوم، بل غاية للصلاة، أي: ما صلَّى المحدث إلى أنْ يتوضأ غير مقبول. فتح الودود (1/ 57).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
مَن أصابه حدث في صلاته وتيقَّنه انصرف، فإنْ كان إمامًا استخلف من يعمل بالقوم باقي عمل الصلاة، ويقوم مقام الذي استخلفه سواء، ثم توضأ المحدث وابتدأ الصلاة، وكذلك المأموم ينصرف إذا أصابه ذلك فيتوضأ ويبتدئ الصلاة، ولا يبني أحد في الحدث، ومن أحدث في التشهد قبل السلام بطلت صلاته. الكافي (1/ 220).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
المقصود بهذا الحديث: الاستدلال على اشتراط الطهارة من الحدث في صحة الصلاة، ولا يتم ذلك إلا بأنْ يكون انتفاء القبول دليلًا على انتفاء الصحة. إحكام الأحكام (1/ 63).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استُدل بالحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريًا أم اضطراريًا، وعلى أنَّ الوضوء لا يجب لكل صلاة؛ لأنَّ القبول انتفى إلى غاية الوضوء، وما بعدها مخالف لما قبلها، فاقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا. فتح الباري (1/ 235).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أجمعت الأمة على أنه لا تجزئ صلاة إلا بطهارة. شرح صحيح البخاري (1/ 218).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
الإجماع منعقد على أنَّ الوضوء يجب بالحدث، وأنَّ القائم إلى الصلاة -إذا كان متوضئًا غير محدث- لا وضوء عليه. شفاء الغليل (ص:97).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
معنى هذا الباب: الرد على أبي حنيفة في قوله: إن المحدث في صلاته يتوضأ ويبني على ما تقدم من صلاته، وهو قول ابن أبي ليلى، وقال مالك والشافعي: يستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني، وحجتهما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». شرح صحيح البخاري (8/ 311-312).
وقال محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله-:
قال أبو حنيفة: إذا أحدث في صلاة غير متعمد، من ريح سبقه أو بول أو غائط، فلينصرف وليغسل ما أصابه من ذلك، ثم يتوضأ ثم يبني على صلاته إنْ أحب، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: وأحب أنْ يتكلم ويعيد الصلاة ولا يبني، وإنْ بنى أجزأه. الحجة (1/ 70).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختيارًا أم اضطرارًا، سهوًا أو عمدًا؛ لعدم تفريقه -صلى الله عليه وسلم- بين حدث وحدث في حالة دون حالة، وقد حكي عن مالك والشافعي في القديم وغيرهما: أنها لا تبطل إذا سبقه الحدث، بل يتوضأ ويبني على صلاته، وإطلاق الحديث يرد عليه. العدة (1/ 54-55).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمعت الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر وصلاة الجنازة، إلا ما حكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري من قولهما: تجوز صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه، ولو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثم ولا يكفر عندنا (الشافعية) وعند الجماهير، وحكي عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- أنه يكفر؛ لتلاعبه، ودليلنا: أنَّ الكفر للاعتقاد (حصر الكفر بالاعتقاد غير صحيح) وهذا المصلي اعتقاده صحيح، وهذا كله إذا لم يكن للمصلي محدثًا عذر، أما المعذور كمن لم يجد ماء ولا ترابًا، ففيه أربعة أقوال للشافعي -رحمه الله تعالى-، وهي مذاهب للعلماء، قال بكل واحد منها قائلون:
أصحها عند أصحابنا (الشافعية): يجب عليه أن يصلي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكن من الطهارة.
والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويحب القضاء.
والثالث: يستحب أن يصلي ويجب القضاء.
والرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء، وهذا القول اختيار المزني، وهو أقوى الأقوال دليلًا، فأما وجوب الصلاة، فلقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا أمرتكم بأمر، فافعلوا منه ما استطعتم» وأما الإعادة، فإنما تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه، وكذا يقول المزني: كل صلاة أمر بفعلها في الوقت على نوع من الخلل لا يجب قضاؤها -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (3/ 103).
وقال الفاكهاني -رحمه الله- متعقبًا النووي:
ح (أي: قال محي الدين النووي): ولو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثم، ولا يكفر عندنا، وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة: أنه يكفر بتلاعبه، ودليلنا: أنَّ الكفر بالاعتقاد، وهذا المصلي اعتقاده صحيح.
قلتُ: وفي هذا الاستدلال عندي نظر؛ للاتفاق على تكفير من استهان بالمصحف استهانة مخصوصة في الصورة المخصوصة -والله أعلم-. رياض الأفهام (1/ 41).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
الحديث محمول عند العلماء على مَن ترك الوضوء بلا عذر، أما مَن تركه بعذر وأتى ببدله فالصلاة مقبولة قطعًا؛ لأنه قد أتى بما أُمِرَ به قطعًا، وقد استدل المتقدمون بهذا الحديث على أنَّ الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من عدم القبول عدم الصحة، وقد تكون الصلاة مقبولة بلا وضوء ولا تيمم، فمن لم يجد ماء ولا ترابًا، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها على أحد الأقوال عند الشافعي، وهو مختار جماعة من محققي أصحابه، وهو قول جماعة من العلماء، فيكون الحديث خرج على الأصل والغالب، والإعادة والقضاء لا يجبان إلا بأمر مُجَدَّد، وهذا كله على مذهب مَن يقول: إنَّ الطهارة شرط لصحة الصلاة، أما مَن يقول: إنَّها شرط للوجوب، كمالك وابن نافع، فإنهما قالا: مَن عدم الماء والصعيد لم يُصَلِّ، ولم يقضِ إنْ خرج وقت الصلاة؛ لأنَّ عدم قبولها لعدم شرطها يدل على أنه ليس مخاطبًا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذِّمَّة شيء، فلا تقضى، لكن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» يمنع هذا؛ فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذَّرت، فيأتي بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب -والله أعلم-. العدة (1/ 54-55).
وقال السفيري -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنه يحرم على المحدث حدثًا أصغر الصلاة، ولو كانت نفلًا أو صلاة جنازة، هذا في غير فاقد الطهورين، ودائم الحدث، ويحرم عليه خطبة الجمعة والطواف ولو نفلًا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الطواف بمنزلة الصلاة، إلا أنَّ الله تعالى قد أحل فيه النطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم، ويحرم عليه سجود التلاوة أو الشكر؛ لأنه في معنى الصلاة. المجالس الوعظية (2/ 263).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله في حديث أبي هريرة: «إذا أحدث» فيه عدم القبول بوجود الحدث، وفسره أبو هريرة لمن سأله: بأنَّ الحدث فساء أو ضراط، وفيه أنه إذا كان على طهارة ولم يُحدِث أنَّ صلاته مقبولة، وهو دليل على أنه لا يجب الوضوء لكل صلاة، بل لا يجب إلا على من أحدث. التحبير (5/ 442).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: أنَّه استُدِلَّ به على أنَّ الوضوء لا يجب لكل صلاة؛ ووجه الاستدلال به أنَّه -صلى الله عليه وسلم- نفى القبول ممتدًّا إلى غاية الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، وتدخل تحته الصلاة قبل الوضوء لها ثانيًا؛ قاله ابن دقيق العيد -رحمه الله-.
ومنها: أنَّه استُدلّ به أيضًا على بطلان الصلاة بالحدث، سواء كان خروجه اختياريًّا، أو اضطراريًّا؛ لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث.
ومنها: بيان أنَّ الصلوات كلّها، فرضها ونفلها مفتقرة إلى الطهارة.
ومنها: أنَّ فيه الردّ على الحنفيّة القائلين: إذا سبقه الحدث في الصلاة يتوضّأ، ويبني على صلاته، ووجه ذلك: أنَّه لا يخلو حال انصرافه أنْ يكون مصلّيًا، أو غير مصلٍّ، فإنْ قيل: هو مصلٍّ، فالصلاة بطلت؛ لأنها لا تُقبل مع الحدث، وإنْ قيل: غير مصلٍّ، لم يجز أنْ يبني على ما سبق؛ لانقطاعه -والله تعالى أعلم-.
ومنها: أنَّ فيه الردّ أيضًا على الحنفيّة في قولهم: إنَّ مَن أحدث في القعدة الأخيرة من غير تعمُّد بعد التشهُّد توضّأ، وسلَّم، وإنْ تعمَّده فصلاته صحيحةٌ، ويكون حدثه كسلامه، ووجه الرّدّ: أنَّ التحلّل من الصلاة ركنٌ من أركانها، فلا يصحّ مع الحدث؛ إذ الحديث صريحٌ في أنَّ صلاة المحدث لا تُقبل، أحدث قبل الصلاة أم في أثنائها -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (6/ 75).
وانظر بطلان الصلاة بالحدث (هنا)
ولمعرفة وجوب إسباغ الوضوء وإتمامه (هنا)