الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«يا ضَحَّاكُ، ما طعامُكَ؟ قال: يا رسولَ اللهِ، اللَّحمُ واللَّبنُ، قال: ثم يَصِيرُ إلى ماذا؟ قال: إلى ما قدْ عَلِمْتَ، قال: فإنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- ضَرَبَ ما يخرجُ مِن ابنِ آدمَ مَثَلًا للدُّنيا».


رواه أحمد برقم: (15747)، والطبراني في الكبير برقم: (8138)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم: (5266) من حديث الضَّحَّاك بن سفيان الكِلَابي -رضي الله عنه-.
وعند أحمد برقم (21239)، وابن حبان برقم: (702)، والطبراني في الكبير برقم: (531)، من حديث أُبيِّ بن كَعْب -رضي الله عنه-، ولفظه: «إنَّ مَطْعَمَ ابنِ آدمَ جُعِلَ مَثَلًا للدُّنيا، وإنْ قَزَّحَهُ، ومَلَحَهُ، فانْظُرُوا إلى ما يَصِيرُ».
حديث الضَّحَّاك في:
صحيح الجامع برقم: (‌1739)، وصحيح الترغيب والترهيب برقم: (2151).
وحديث أُبي بن كعب في:
صحيح الجامع برقم: (1778)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2150).  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«قَزَّحَه»:
بتشديد الزاي: هو من القِزْح، وهو التابل، يقال: قَزَّحْتُ القِدر: إذا طرحتُ فيه الأبزار (أي: التوابل). الترغيب والترهيب، للمنذري (4/ 174).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«وإن قزَّحهُ...» أي: تَوْبَلَهُ، من القِزْح وهو التابل الذي يُطرح في القِدر، كالكمُّون والكزبرة، ونحو ذلك. النهاية، (4/ 58).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وقَزَحَ قِدْرَهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ: جَعَلَ فِيهَا الْقِزْحَ. المصباح المنير (7/ 390).

«مَلَحَه»:
أي: ألقى فيه الملح بقَدر للإصلاح، يقال منه: "ملَحتُ القِدر" بالتخفيف، وأملحتُها، وملَّحتها، إذا أكثرت مِلحها حتى تفسد. النهاية، لابن الأثير (4/ 354-355).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «يا ضَحَّاكُ ما طعامُكَ؟ قال: يا رسولَ اللهِ، اللَّحمُ واللَّبنُ»:
قال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
«يا ضحاك، ما طعامُك؟» النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرف ما يأكل الناس، ولكن أراد أنْ يضرب المثَل، وكأنَّ الضحاك كان رجلًا غنيًّا يأكل من أعلى الأشياء، فقد كان يأكل اللحم، ويشرب اللبن، هذا طعامه وشرابه، فقال: «يا رسول الله، اللحم واللبن» يعني: أغلى شيء وأرفعه. شرح الترغيب والترهيب (53/ 5).

قوله: «قال: ثم يصيرُ إلى ماذا؟ قال: إلى ما قد علمتَ»:
قال الشيخ أحمد حطيبة -حفظه الله-:
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ثم يصير إلى ماذا؟» يعني: أغلى شيء عندك اللحم واللبن، ثم يصير هذا اللحم واللبن إلى ماذا؟ قال الرجل متأدبًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إلى ما قد علمتَ» يعني: يتحول في بطن الإنسان إلى غائط، ويخرج في النهاية، ويتقذَّره الإنسان. شرح الترغيب والترهيب (53/ 5).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «إلى ما قد علمتَ» بالخطاب، أي: إلى الغائط والبول، وهذا من أحسن الكنايات، وفيه: احتراز عن التصريحات بأمثال هذه الأشياء في مجلس العظماء، وأنَّهم إذا سألوا، فالوجه مثل هذه الكناية. حاشيته على مسند أحمد (3/568).

قوله: «قال: فإنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- ضَرَبَ ما يخرجُ مِن ابنِ آدمَ مَثَلًا للدُّنيا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ الله جَعَلَ» لفظ رواية أحمد والطبراني: «ضرب»، «ما يخرج من ابن آدم» من البول والغائط. فيض القدير (2/ 220).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«مثلًا للدنيا» لخسَّتها وحقارتها...
فالمطعم وإنْ تكلَّف الإنسان التَّنوُّق (التَّنوُّق: هو المبالغة في اختيار الشيء) في صنعته وتطييبه وتحسينه يعود إلى حال يُسْتَقْذَر، فكذا الدنيا المحروص على عمارتها، ونظم أسبابها ترجع إلى خراب وإدبار.
قال الحسن: «قد رأيتهم يطيِّبونه بالأفاويه (جمع: أفواه، وهي: جمع فوه، وهو: ما يُعالجَ به الطيب) والطِّيب، ثم يرمون به حيث رأيتم» وقد قال الله -عز وجل-: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} عبس : 24، قال ابن عباس: «إلى رجيعه» وقال رجل لابن عمر: إني أريد أن أسألك وأستحيي، قال: فلا تستحي واسأل، قال: إذا قضى أحدُنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه، قال: «نعم إنَّ الملَك يقول له: انظر إلى ما بخلتَ به، انظر إلى ماذا صار» وكان بشير بن كعب يقول: «انطلقوا حتى أريكم الدنيا، فيذهب بهم إلى مزبلة، فيقول: انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم»... أما تمثيل النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يخرج من الإنسان، فبيِّن المعنى، وقد مثَّل الدنيا بعض الفضلاء بالجيفة التي تجتذبها الكلاب... فقال:
ما هي إلا جِيفة مستحيلة *** عليها كلابٌ همّهن اجتذابها
فطوبى لنفس أوطنت قعر دارها *** مغلقة الأبواب مُرْخَىً حجابها. فتح القريب المجيب (12/ 692-694).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«جعلَ الله ما يخرجُ من ابن آدم مثلًا للدنيا» هو كناية عن الغائط والبول -يعني ما يخرج منه- كان ذلك ألوانًا من الطعام، طيبة ناعمة، وشرابًا سائغًا مريًّا، فصار عاقبة ذلك ما ترون؛ فالدنيا حلوة خضرة، والنفوس تميل إِليها، والجاهل بعاقبتها ينافس في زينتها وزخرفها، ظانًّا أَنها تبقى له، أو هو يبقى لها، والعاقل لا يطمئن إِليها، ولا يغتر بها، علمًا بأنها زائلة مستحيلة، وأنها وإن ساعدت مرة، فالموت لا محالة يدرك صاحبها ويخترمه. جمع الجوامع (4/ 559).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المثَل محرّكة: الشّبه والنظير، أي: أنه جعل الرجيع الخارج من الإنسان نظيرًا وشبهًا لشهوات الدنيا، فشهوات الدنيا في القلب كشهوة الأطعمة في المعدة...، ويحتمل أنَّ المعنى أنَّ الدنيا كما يَلْتَذُّ بها صاحبها، وبما يناله من طيِّباتها كالتذاذه بطعامه وشرابه، فإذا فارقها، ورحل إلى دار القرار، ورأى وبال ما كان فيه، تأذّى به، وتألّم من حسابه، فهو كالعَذِرة كانت مأكولًا لذيذًا، ثم صار رجيعًا قبيحًا. التنوير (3/ 286-287).

وفي لفظ: «إنَّ مَطْعَمَ ابنِ آدمَ جُعِلَ مثلًا للدُّنيا»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
المعنى: أن المطعم وإن تكلّف الإنسان التنوق في صنعته وتطييبه، فإنه عائد إلى حال يُكره ويُستقذر، فكذلك الدنيا، المحروص على عمارتها، ونظم أسبابها، راجعة إلى خراب وإدبار. النهاية (4/ 58).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن مطعم» بفتح فسكون ففتح «ابن آدم» كنّى به عن الشراب والطعام الذي يستحيل بولًا وغائطًا، «قد ضُرب مثلًا للدنيا» أي: لحقارتها وقذارتها. التيسير (1/ 344).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
شهوات الدنيا في القلب، كشهوات الأطعمة في المعدة، وسوف يجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنّتن والقُبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت في المعدة غايتها، وكما أنَّ الأطعمة كما كانت ألذّ طعمًا، وأكثر دَسَمًا، وأكثر حلاوة، كان رجيعها أقذر، فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذّ وأقوى فالتّأذِّي بها عند الموت أشد، كما أن تفجُّع الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب. عدة الصابرين (ص: 445).
وقال مصطفى عمارة -رحمه الله-:
«إن مَطْعَمَ ابن آدم جُعِلَ مثلًا للدنيا» أي: طعام ابن آدم، فإنه مثل الدنيا، ومآله الزوال، مهما خزنه تَلِفَ، وإنْ وضع فيه ما يبقيه مدة فلا بد أنْ يعطب. تحقيقه للترغيب والترهيب(3/ 143).

قوله: «وإنْ قزَّحَه، ومَلَّحَه»:
قال الزبيدي -رحمه الله-:
«وإنْ قزَّحه وملَّحَه» بالتشديد فيهما، ويرويان بالتخفيف أيضًا. المغني عن حمل الأسفار (4/ 1870).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
«وإنْ قزحه وملحه» أي: تَوْبَلَهُ، من القِزْح، وهو التابل، وملحَه من ملح القِدر بالتخفيف، إذا ألقى ملحًا بقدر...، ومنه قالوا: رجل مليحٌ قزيحٌ، شبّه بالمطعم الذي طيب بالْمِلح والقِزْح. الفائق (3/ 190).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وإن قزَّحه» بقاف وزاي مشددة: تَوْبَلَهُ، وكثر بزاره، وبالغ في تحسينه «وملّحه» بفتح الميم وشدة اللام، أي: صيّره ألوانًا مليحةً، وروي بالتخفيف، أي: جعل فيه الملح بقدر الإصلاح. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 344).

قوله: «فانْظُرُوا إلى ما يصيرُ»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«فانظروا إلى ما يصير» قلتُ: «ما» موصولة، وعائدها محذوف؛ لأنه جُرّ بمثل الحرف الذي جُرّ الموصول به، والتقدير: إلى ما يصير إليه، ونظر به يتعدى. عقود الزبرجد (1/ 91).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«فانظر» أي: تأمل أيها العاقل، «إلى ما يصير» من خروجه غائطًا نتنًا في غاية القذارة، مع كونه كان قبل ذلك ألوانًا طيبة ناعمة، أي: فكذلك الدنيا بعد نعيمها، وكثرة لذاتها، يصير إلى الفناء. السراج المنير (2/ 133).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فانظر إلى ما يصير» أي: إنه كان ألوانًا من الأطعمة، نفيسة شهية قبل ذلك، فصارت غايته ما ترى، فكذا الدنيا حُلوة خضِرة، والنفس تميل إليها، والجاهل بعاقبتها ينافس في زهرتها وغايتها كغاية طعامه وشرابه. التنوير (4/ 105).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
«فلينظر إلى ماذا يصير» فما اغترَّ بها، ولا سكن إليها إلا ذو همَّة دنيّة، وعقل حقير، وقدر خسيس. طريق الهجرتين (2/ 550).
وقال ابن عطية -رحمه الله-:
{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} عبس: 24، أمر -تعالى- الإنسان بالعبرة والنظر إلى طعامه، والدليل فيه، وذهب أُبيّ بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيره، إلى أن المراد {إِلَى طَعَامِهِ}: ‌إذا ‌صار ‌رجيعًا؛ ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا، وعلى أي شيء يتفانى أهلها وتستدير رحاها. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (5/ 439).

وينظر التحذير من الافتتان بالدنيا والنساء (هنا)

وذم الدنيا وما فيها إلا عبادة الله تعالى وطلب العلم (هنا)


إبلاغ عن خطأ