«ما أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ له شِفَاءً».
رواه البخاري برقم: (5678)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (3578)، من حديث عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه- وزاد: «عَلِمَه مَن عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ».
وعند أبي داود برقم: (3855)، والترمذي برقم: (2038)، وابن ماجه برقم: (3436)، وابن حبان برقم: (6064)، واللفظ له، من حديث أسامة بن شريك مرفوعًا: «... إلا السَّامَ والهَرَمَ».
حديث ابن مسعود وأسامة بن شريك -رضي الله عنهما- صححهما الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 813) برقم: (451).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«السَّامَ»:
الموت، وهو الذي كانت اليهودُ تقصده في سلامهم. تفسير غريب ما في الصحيحين، للحميدي (ص: 219).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
السَّامَةُ: المَوْتُ نادِرٌ، والمعروف السَّامُ خَفِيفٌ. المحكم(8/ 428).
«والهَرَمَ»:
الكِبَر، وقد هَرِمَ يَهْرم، فهو هَرِمٌ. النهاية، لابن الأثير (5/ 260).
وقال ابن دريد -رحمه الله-:
والهَرَم: بُلُوغ الْغَايَة فِي السنّ، يُقَال: هرِم يهرَم هَرَمًا. جمهرة اللغة (2/ 804).
شرح الحديث
قوله: «ما أَنْزَلَ اللهُ داءً»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«ما أنزل الله داءً» المراد بالإنزال: التقدير. تحفة الباري (9/ 7).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «ما أنزل الله داءً» أي: ما خلق الله داء. فتح القريب المجيب (13/ 498).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «ما أنزل الله داءً» أي: ما أصاب أحدًا بداء. شرح المشكاة (9/ 2953).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «ما أنزل الله» أي: ما أحدث وأوجد «داءً» أي: وجعًا وبلاءً. مرقاة المفاتيح (7/ 2860).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «ما أنزل الله» يعني: ما أحدث «داءً» أي: ما أصاب أحدًا بِداءٍ. فيض القدير (5/ 428).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ما أنزل الله داءً» وقع في رواية الإسماعيلي «من داء» و«مِن» زائدة، ويحتمل أنْ يكون مفعول أنزل محذوفًا، فلا تكون «مِن» زائدة، بل لبيان المحذوف، ولا يخفى تكلّفه...، وفي رواية طلحة بن عمرو من الزيادة في أول الحديث: «يا أيها الناس تداووا» ووقع في رواية طارق بن شهاب، عن ابن مسعود رفعه: «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، فتداووا» وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم، ونحوه للطحاوي، وأبي نعيم من حديث ابن عباس، ولأحمد عن أنس: «إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء، فتداووا» وفي حديث أسامة بن شريك: «تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، إلا داءً واحدًا الهرم»... وفي مجموع هذه الألفاظ ما يُعرف منه المراد بالإنزال في حديث الباب، وهو إنزال علم ذلك على لسان الملَك للنبي -صلى الله عليه وسلم- مثلًا، أو عبَّر بالإنزال عن التقدير.
وفيها: التقييد بالحلال، فلا يجوز التداوي بالحرام.
وفي حديث جابر منها (أي: حديث: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى»): الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داءً آخر. فتح الباري (10/ 135).
قوله: «إلا أنزلَ له شفاءً»:
قال ابن المبرد -رحمه الله-:
قوله: «إلا أنزل له شفاءً» وهذا الشِّفاء بكسر الشين، وأما الشَّفَاء بفتح الشين فهو ما يُخرَزُ به، وفي الحديث: ففي قصة المرْأتين «فَأُنْفِذَت بالشَّفَاء» (كما في البخاري: أنَّ امرأتَيْنِ، كانتا تَخْرِزَانِ في بيتٍ أو في الحُجْرَةِ، فَخَرَجَتْ إحدَاهُمَا وقد أُنْفِذَ بِإِشْفَى -مثل المسلة له مقبض يخرز بها الإسكاف- في كَفِّهَا، فَادَّعَتْ على الأُخْرى). الدر النقي (3/ 805).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «شفاءً» أي: دواءً شافيًا بجري العادة الإلهية. حاشية السندي (2/ 339).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «إلا أنزل» أي: قدَّر «له شفاءً» أي: علاجًا ودواءً. مرقاة المفاتيح (7/ 2860).
وقال الباجي -رحمه الله-:
إنما أنزله إلى الناس بمعنى أعلمهم إياه، وأذن لهم فيه، كما أعلمهم التغذي بالطعام والشراب، وأباحه لهم، وهذا ظاهر في جواز التداوي؛ لما في ذلك من المنافع. المنتقى شرح الموطأ(7/ 261).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «إلا أنزل الله له شفاء» أي: خَلقَ... وليس الشفاء محصورًا في هذه الثلاثة (أي: «شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار») بل إنما ذُكرت على عادة العرب لتداويهم بتلك. فتح القريب المجيب (13/ 498).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
قوله: «إلا أنزل له شفاء» المراد... بالشفاء: الدواء؛ لأنه سببه، وبه عبَّر في خبر مسلم، واستثنى من ذلك الهرم والسام، أي: الموت، كما رواه الترمذي وغيره. تحفة الباري (9/ 7).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «إلا أنزل له شفاء» إلا قدَّر له دواء، وقد مر معنى هذا الخبر غير مرة، غير أنه ينبغي التنبيه لشيء وهو: أنه اختلف في معنى الإنزال؛ فقيل: إنزاله إعلامه عباده، ومُنِعَ بأنَّ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أخبر بعموم الإنزال لكل داء ودوائه، وأكثر الخلق لا يعلمون ذلك كما يصرح به خبر: «علمه من علمه، وجهله من جهله» ومثل إنزالهما: إنزال أسبابهما من كل مأكل ومشرب، وقيل: إنزالهما: خلقهما ووضعهما بالأرض، كما يشير إليه خبر: «إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء» وتُعُقِّبَ بأن لفظ الإنزال أخص من لفظ الخلق والوضع، وإسقاط خصوصية الألفاظ بلا موجب غير لائق، وقيل: إنزالهما بواسطة الملائكة الموكلين بتدبير النوع الإنساني، فإنزال الداء والدواء مع الملائكة، وقيل: عامة الأدواء والأدوية هي بواسطة إنزال الغيث الذي تتولد به الأغذية والأدوية وغيرهما، وهذا من تمام لطف الرب بخلقه؛ فلما ابتلى عباده بالأدواء أعانهم عليها بالأدوية، وكما ابتلاهم بالذنوب أعانهم عليها بالتوبة والحسنات الماحية.
قال بعضهم: الداء علة تحصل بغلبة بعض الأخلاط، والشفاء رجوعها إلى الاعتدال؛ وذلك بالتداوي، وقد يحصل بمحض لطف الله بلا سبب، ثم الموت إن كان داء فالخبر غير عام؛ إذ لا دواء له، وزَعْمُ أنَّ المراد: دواؤه الطاعة غير سديد؛ لأنها دواء للأمراض المعنوية كالعُجب والكبر، لا الموت. فيض القدير (5/ 428).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
أي: الدواء موجود، ولا يحصل البرء إلا بموافقة الدواء الداء، وهو قدر زائد على مجرد وجوده، لكن لا يعلمه إلا مَن شاء. السراج المنير (1/ 383).
قال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: كم من مرض غير مرض الموت لا يزول بالدواء؟
قلتُ: ذلك لمانعٍ من عدم نضج المادة، أو عدم مساعدة المصْلِ (اللقاح)، وأمثال ذلك. الكوثر الجاري (9/ 252).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:
قوله: «إلا وأنزل له شفاء» لكن مع التداوي يعتمد على الله، ويسأل ربَّه الشفاء، ويعلم أنه سبحانه هو الشافي، وبيده الأمر، والتداوي من الأسباب، فالعلاج عند الأطباء أو عند القراء كلها أسباب، والتوفيق والشفاء بيد الله -جل وعلا-. دروس للشيخ عبد العزيز بن باز (17/ 12).
قوله: «عَلِمَه مَن عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ».
قال ابن حجر -رحمه الله-:
(فيه) الإشارة إلى أنَّ بعض الأدوية لا يعلمها كُل أحدٍ. فتح الباري (10/ 135).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
أقولُ: وبعض الأمراض لم تُكْتَشَفْ أدويتها حتى الآن، وقد دلَّت التجارب على صدق هذه القضية، فإنَّ السُّلَّ وبعض الأمراض الصدرية كانت تُعَدُّ من الأمراض المستعصية، فلما اكتُشِفَ البنسلين أصبح من الأمراض العادِيَّة التي يسهل علاجها بإذن الله، سيما إذا كان في الدرجة الأولى أو الثانية. منار القاري (5/ 212).
قوله: «... إلا السَّامَ والهَرَمَ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
استثناء الموت في حديث أسامة بن شريك واضح، ولعل التقدير: إلا داء الموت، أي: المرض الذي قدر على صاحبه الموت، واستثناء الهرم في الرواية الأخرى، إما لأنه جعله شبيهًا بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت، وإفضائه إليه، ويحتمل أنْ يكون الاستثناء منقطعًا، والتقدير: لكن الهرم لا دواء له -والله أعلم-. فتح الباري (10/ 136).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
جعل الهرم داءً، وإنَّما هو ضُعْف الكِبَر، وليس من الأدواء التي هي أسقام عارضة للأبدان من قبل اختلاف الطبائع، وتغير الأمزجة، وإنَّما شبَّهه بالداء؛ لأنه جالب للتَّلَفِ كالأدواء التي قد يتعقبها الموت والهلاك، وهذا كقول النمر بن تولب:
ودعوت ربي بالسلامة جاهدًا *** ليصحني فإذا السلامة داءُ
يريد: أنَّ العمر لما طال به أدَّاه إلى الهرم، فصار بمنزلة المريض الذي قد أدنفه الداء، وأضعف قواه، وكقول حميد بن ثور الهذلي:
أرى بصري قد رابني بعد صحةٍ *** وحسبك داء أنْ تصح وتسلما. معالم السنن(4/ 217).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
عموم هذا الحديث يقتضي أنَّ جميع الأمراض الباطنة والظاهرة لها أدوية تقاومها، تدفع ما لم ينزل، وترفع ما نزل بالكلية، أو تخففه.
وفي هذا: الترغيب في تعلم طب الأبدان، كما يتعلم طب القلوب، وأنَّ ذلك من جملة الأسباب النافعة، وجميع أصول الطب وتفاصيله، شرح لهذا الحديث؛ لأن الشارع أخبرنا أنَّ جميع الأدواء لها أدوية، فينبغي لنا أنْ نسعى إلى تعلمها، وبعد ذلك إلى العمل بها، وتنفيذها، وقد كان يظن كثير من الناس أنَّ بعض الأمراض ليس له دواء، كالسل ونحوه، وعندما ارتقى علم الطب، ووصل الناس إلى ما وصلوا إليه من علمه، عرف الناس مصداق هذا الحديث، وأنه على عمومه. بهجة قلوب الأبرار (ص: 147).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في هذا الحديث: إباحة التداوي، وإباحة معالجة الأطباء، وجواز الطب والتطبب. الاستذكار (8/ 414).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه أيضًا: أنه ليس داء من الأدواء إلا وقد أنزل الله له شفاءً من الأشفية، فيكون هذا مُحَرِّضًا على تطلُّبِ الأدوية للأمراض. الإفصاح عن معاني الصحاح (7/ 318).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث:
دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: أنَّ لكل داء سواء كان نفسيًّا أو جسميًّا دواء يؤثِّر فيه، ويقضي عليه ما عدا الموت، كما قال عنترة:
وَلَوْ عَرَفَ الطبيْبُ دَوَاءَ دَاءٍ *** يَرُدُّ المَوتَ مَا قَاسَى النِّزَاعا.
ولكن الطبيب قد يصيب الدواء المناسب، ويهتدي إليه فينجح في معالجة الداء بإذن الله، وقد يخطئ الطبيب في معرفة الدواء لجهله به، أو في تشخيص المرض فيفشل في العلاج، والحديث صريح في أنه ليس هناك أمراض مستعصية لا دواء لها، حتى هذه الأمراض المستعصية لها أدوية تؤثر فيها، وتقضي عليها، ولكن الأطباء لم يكتشفوها حتى الآن، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: «إنَّ الله -عز وجل- لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله» ...
ثانيًا: دلَّ هذا الحديث على مشروعية العلاج؛ لأنَّه -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا بأنَّ الذي خلق الداء خلق الدواء تنبيهًا لنا وإرشادًا وترغيبًا في التداوي، وقد أمرنا -صلى الله عليه وسلم- بذلك صراحة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يا عباد الله تداووا، فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء» واستعمال الأدوية لا ينافي التوكل إذا اعتقد أنها تنفع بإذن الله وتقديره، وأنها لا تؤثر إلا بإرادته -عز وجل-.
وفي هذه الأحاديث: إثبات للطب والعلاج، وأنَّ التداوي مباح غير مكروه، كما ذهب إليه بعض الناس كما قاله الخطابي، ولو كان مكروهًا لما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتداوي في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «تداووا، فإنَّ الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء» فإن هذا الحديث لا يدل على جواز التداوي فقط، بل يدل على استحبابه أيضًا؛ لأن أقل مقتضيات الأمر الاستحباب -والله أعلم-.
ثالثًا: أنَّ في هذا الحديث وأمثاله تقوية لنفس المريض، ومساعدة له على مكافحة المرض، وتشجيعًا له على مقاومة الداء؛ لأنه متى استشعرت نفسه أنَّ لدائه دواء تعلَّق قلبه بالرجاء، وتفتحت له أبواب الأمل، وزال عنه اليأس والاكتئاب، وهذه المشاعر في حدّ ذاتها كفيلة له بالشفاء بإذن الله؛ لأن نفسية الإنسان متى قَوِيَتْ تغلبت على المرض وقَهَرَتْهُ، ومتى ضعفت تغلَّب عليها. منار القاري (5/212-213).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا الحديث رخصة للأمة في التداوي، واستعمال الطب؛ يعني: ما خلق الله علةً إلا خلقَ لها دواءً، وهدى طائفةً من الناس إليه، وألهمهم كيفية التداوي به، وحصولُ البرء ليس من الدواء، بل من الله؛ إن قدَّر فيه الشفاء يحصل الشفاء به، وإن لم يُقدِّر لم يحصل، وهذا كما جعل الله الماء دافعًا للعطش، والطعامَ دافعًا للجوع؛ فإن قدَّر قطع العطش والجوع يحصل الدفع، وإن لم يُقدِّر لم يحصل، فإنه كم من جائع يأكل الطعام ولم يشبع، ويشرب الماء ولم يَرْوَ، وقال: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء بَرَأ بإذن الله» قوله: «برأ بإذن الله» أي: حصل له الشفاء بأمر الله إن قدَّر الشفاء، وإن لم يُقدِّر لم يحصل. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 71).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه إباحة التداوي، وجواز الطب، وهو رد على الصوفية الذين يزعمون أنَّ الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل من البلاء، ولا يجوز له مداوته.
وقد أباح -عليه الصلاة والسلام- التداوي، وقال للرجلين: «أيكما أطب؟» فقالا: أوَ في الطب خير يا رسول الله؟ فقال: «أَنزل الدواءَ الذي أنزل الأدواء» فلا معنى لقول مَن أنكر ذلك. شرح صحيح البخاري (9/ 394).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه إثبات الطب، وإباحة التداوي في عوارض الأسقام، وفيه الإعلام أنَّ تلك الأدوية تشفي وتنْجَع بإذن الله -عز وجل-. أعلام الحديث (3/ 2104).
وقال النفراوي المالكي -رحمه الله-:
قوله: «إلا أنزل له شفاء» فإنزال الدواء أمارة جواز التداوي، ولكن لا يكون ذلك إلا من العالِم بأنواع الأمراض، وما يناسب كل مرض؛ لئلا يكون ضرره أكثر من نفعه؛ ولذلك قالوا: إن عالج العالمُ بالطب المريضَ ومات مِن مرضه لا شيء عليه، بخلاف الجاهلِ أو المقصّر فإنه يضمن ما نشأ عن فعله.
ويجوز التعالُجُ بكل ما يراه العالم بالطب نافعًا ومناسبًا لصاحب المرض من الأسماء. الفواكه الدواني (2/ 339).
وقال القرافي -رحمه الله-:
وهو يدل على جواز المعالجة، ومن المعالجة الجائزة: حمية المريض، وحَمَى عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- مريضًا حتى كان يمص النوى من الجوع! وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يكتوون من الذَّبْحة (وهو: وجع في الحلق) واللَّقْوة (وهو: مرض في الوجه يعوج منه الشدق) وذاتِ الجَنْب (وهو: دُملٌ أو قرحةٌ تعرض في جوف الإنسان، وتطلق الآن على بعض الالتهابات الرئوية)- وهو يعلم بهم، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الشفاء في ثلاث: في شرطة مِحجم، أو شربة عسل، أو كَيَّة بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكَيِّ» وهو نهيُ كراهة، وأمر بالأخذ بالأفضل وهو التوكل على الله تعالى؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قال: هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون». الذخيرة (13/ 307).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ولم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قطُّ أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن. الداء والدواء (ص: 7).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
في أحاديث الباب كلِّها: إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التَّوكل على الله -لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره- وأنها لا تنجع بذواتها، بل بما قدّره الله فيها، وأن الدواء قد ينقلب داءً إذا قدّر الله ذلك، وإليه الإشارة في حديث جابر -رضي الله عنه- حيث قال: «بإذن الله» فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته، والتداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بالعافية ودفع المضار، وغير ذلك. نيل الأوطار (8/ 231).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
على أنَّ الأدوية المعنوية، كصدق الاعتماد على الله تعالى، والتوكل عليه، والخضوع بين يديه، وتفويض الأمر إليه مع الصدقة والإحسان، والتفريج عن الكرب- أصدق فعلًا، وأسرع نفعًا من الأدوية الحسية، لكن بشرط تصحيح النية، ومن ثم ربما يتخلف الشفاء عمن استعمل طب النبوة لمانع قام به؛ من ضعف اعتقاد الشفاء به، وتلقِّيه بالقبول، وهذا هو السبب أيضًا في عدم نفع القرآن الكثيرين، مع أنَّه شفاء لما في الصدور. مرقاة المفاتيح (7/ 2860).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
ففي هذا الحديث:
إثبات القضاء والقدر.
وإثبات الأسباب. بهجة قلوب الأبرار (ص: 147).
وينظر التداوي بلبن البقر وأنه شفاء لكل داء بإذن الله تعالى (هنا)
لماذا نهى -صلى الله عليه وسلم- عن التداوي بالكي (هنا)