«كلُّ دعاءٍ محجوبٌ حتى يُصلَّى على محمدٍ وآلِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-».
رواه الطبراني في الأوسط برقم: (721)، والديلمي في الفردوس برقم: (4754)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم: (1575)، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- موقوفًا عليه.
وروى الترمذي برقم: (486) عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: «إنَّ الدُّعاءَ موقوف بينَ السَّماءِ والأرضِ لا يَصْعَدُ منه شيءٌ، حتَّى تُصلِّيَ على نبيَّك -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-».
حديث علي في:
صحيح الجامع برقم: (4523)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2035).
وحديث عمر في:
صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1676)، وتراجعات الألباني برقم: (99).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«آلِ محمدٍ»:
الآل: أهلُ الشخص، وهم ذوو قرابته، وقد أُطلق على أهل بيته، وعلى الأتباع. المصباح المنير، للفيومي (1/ 29).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
(و) قدِ اختُلِف في آلِ النبيَّ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-؛ فالأكثر على أنهم أهلُ بيته، قال الشافعيُّ -رضي اللَّه عنه-: دَلَّ هذا الحديثُ (أي حديث: «لا تَحِل الصدقة لمحمدٍ وآل محمدٍ») أنَّ آلَ محمدٍ هُم الَّذينَ حَرُمتْ عليهمُ الصدقةُ، وعُوّضوا منها الخمسَ، وهُمْ صَليبة بني هاشمٍ وبنِي المُطَّلبِ، وقيل: آلُهُ أصحابُهُ ومَنْ آمَنَ به، وهو في اللغة يقع على الجميع. النهاية(1/ 81).
شرح الحديث
قوله: «كلُّ دعاءٍ محجوبٌ...»:
قال البيهقي -رحمه الله-:
كذا وجدتُه (أي: حديث علي) موقوفًا، وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ...، عن علي، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الدُّعاء محجوب عن الله حتى يُصلى على محمد، وعلى آل محمد» ورويناه من وجه آخر عن مالك بن دينار، عن أنس بن مالك مرفوعًا. شعب الإيمان (3/ 136-136).
وقال المنذري -رحمه الله-:
رواه (أي: حديث علي) الطبراني في الأوسط موقوفًا، ورواته ثقات، ورفعه بعضهم، والموقوف أصحّ. الترغيب والترهيب (2/ 505).
وقال السخاوي -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ حكمه (أي: حديث عمر) حكم المرفوع؛ لأنَّ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، كما صرَّح به جماعة من أئمة أهل الحديث والأصول، وأيضًا فإنَّ حديث فضالة المشار إليه («إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، ثم ليُصَلِّ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم ليدع بما شاء...») يدل على قوة رفعه؛ لأنه بلفظه. القول البديع (ص:223).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
ومثل هذا إذا قاله عمر لا يكون إلا توقيفًا؛ لأنَّه لا يُدرَك بنظرٍ، ويعضده ما خرَّج مسلم، قال النبي -عليه السلام-: «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنَّه مَن صلى عليَّ صلاةً، صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله الوسيلة، فإنَّها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أنْ أكون أنا هو، ومَن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة». عارضة الأحوذي (2/273-274).
وقال السخاوي -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ حكمه (أي: حديث عمر) حكم المرفوع؛ لأنَّ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، كما صرَّح به جماعة من أئمة أهل الحديث والأصول، وأيضًا فإنَّ حديث فضالة المشار إليه («إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله، والثناء عليه، ثم ليُصَلِّ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم ليدع بما شاء...») يدل على قوة رفعه؛ لأنه بلفظه. القول البديع (ص:223).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال ميرك: قال المحققون من علماء الحديث: إنَّ مثل هذا لا يُقال من قبيل الرأي، فهو مرفوع حكمًا.
قلتُ: وعلى كل حالٍ، فلا اعتراض على المصنف (ابن الجزري) أصلًا بعدم إيراد "مو" قبل الرمز، مع أنَّ الصحيح في كل واحد منهما أنَّه موقوف؛ لأنَّ اللفظ الذي أورده لا يصلح إلا أنْ يكون موقوفًا في اللفظ، وإنْ كان في الحكم مرفوعًا، فاندفع ما قال الحنفي: مِن أنَّ ما روي عن علي وعمر، يحتمل موقوفًا ومرفوعًا. الحرز الثمين (ص: 1573).
قوله: «كلُّ دعاءٍ محجوبٌ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«كل دُعاء محجوب» عن القبول...يعني: أنَّه لا يُرفَع إلى الله حتى يستصحب الرافع معه الصلاة عليه؛ إذ هي الوسيلة إلى الإجابة؛ لكونها مقبولة، والله من كرمه لا يقبل بعض الدعاء، ويرد بعضًا، فالصلاة عليه شرط في الدعاء، وهو عبادة، والعبادة بدون شرطها لا تصح. فيض القدير (5/ 19).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أي: لا يرُفَع الدعاء إلى الله -سبحانه وتعالى-، حتى يستصحب الرافع معه، يعني: أنَّ الصلاة على النبي هي الوسيلة إلى الإجابة. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1049).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كل دعاء محجوب» أي: ممنوع عن كمال وصوله، وجمال حصوله. الحرز الثمين (ص: 1573).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ومعنى وقف الدعاء: عدم رفعه. فتح الإله (4/147).
قوله: «حتى يُصلَّى على محمدٍ وآلِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«حتى يُصلَّى» بالبناء للمفعول، أي: حتى يصلي الداعي «على النبي -صلى الله عليه وسلم-». فيض القدير (5/ 19).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى يُصلَّى» بالبناء للمجهول، أي: يصلي الداعي «على النبي -صلى الله عليه وسلم-» في دعائه؛ فإنَّ الصلاة عليه سبب القبول والإجابة؛ وذلك أنه تعالى لا يرد الداعي بالصلاة على رسوله خائبًا، وهو أكرم من أنه يقبل بعض الدعاء ويرد بعضه، وفي الحديث على كونه مرفوعًا تجريد، جرَّد النبي -صلى الله عليه وسلم- من نفسه نبيًّا وخاطبه، وكذا قال الشارح (المناوي).
قلتُ: والذي يظهر أنه لا تجريد فيه؛ إذ هو خطاب لكل سامع، وإنما في الحديث وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: «النبي» وكان مقتضى الظاهر على تضمير المتكلم، ونكتة ذلك ظاهرة. التنوير (8/ 174).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يُصلَّى» بصيغة المجهول، وفي نسخة بصيغة الفاعل الغائب، أي: الداعي، وفي نسخة بالمخاطب، أي: تُصلي أيها المخاطب، أو الداعي «على محمدٍ» وفي نسخة «على النبي محمد»، «صلى الله عليه وسلم، وآل محمد» الظاهر: أنَّه عطف على محمد، وما بينهما جملة دعائية اعتراضية، ويحتمل أنْ يكون عطفًا على الضمير المجرور في «عليه» بغير إعادة الجار عند مَن قال به من النحاة والقراء الأخيار. الحرز الثمين (ص: 1573).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
ظاهره: ولو بعد طول الزمن، وإنْ لم يقصد الداعي بصلاته على النبي -صلى الله عليه وسلم- طلب الإجابة. السراج المنير (4/ 16).
قال المناوي -رحمه الله-:
قال الحليمي: وإنَّما شُرِعَتِ الصَّلاةُ عليه -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الدُّعاء؛ لأنَّه علَّمَنا الدُّعاءَ بأركانِه، فنَقضي بعض حقِّه اعتدادًا بالنِّعمة.
وفيه شَرعيَّةُ الصلاةِ عليه وعلى آلِه في الدُّعاء، والأَولى كونُها في أوَّلِه وآخِرِه؛ فإنَّ الله تعالى أكرمُ مِن أن يَقبَلَ الطَّرَفَين ويَترُكَ الوَسَط. التنوير(6/132).
وقال الأقفهسي -رحمه الله-:
فإنْ قيل: ما الحكمة في أنَّ الدعاء لا يُرفَع إلا بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما السرُّ في ذلك؟
قلتُ: لأنَّ ذلك من باب الوسيلة، قال تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} المائدة: 35، وما أدب الدعاء إلا تقديم الوسيلة قبل الطلب...، ومن المعلوم أنَّ الدعاء للنبي بالوسيلة لا يُرَدّ، فكذلك ما كان مقرونًا به من الدعاء، وأيضًا لما صلى الداعي على النبي، كافأه الله تعالى بأنْ استجاب دعوته؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل. كشف الأسرار (ص: 250).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ العلماء أجمعوا على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد، والثناء، ثم الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك يختم الدعاء بهما. فتح القريب المجيب (7/ 698).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك يختم الدعاء بهما، والآثار في هذا الباب كثيرة معروفة. الأذكار (ص: 117).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
من مواطن الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-: عند الدعاء، وله ثلاثة مراتب:
إحداها: أنْ يصلي عليه قبل الدعاء وبعد حمد الله تعالى.
والمرتبة الثانية: أنْ يصلي عليه في أول الدعاء وأوسطه وآخره.
والثالثة: أنْ يصلي عليه في أوله وآخره، ويجعل حاجته متوسطة بينهما. جلاء الأفهام (ص: 375).
وقال الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله-:
أكمل المراتب: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في فاتحة الدعاء ووسطه وخاتمته، وإنَّها للدعاء كالجناح يصعد بخالصه إلى عنان السماء، والمرتبة الثانية: في أوله وآخره، والمرتبة الثالثة: في أوله. تصحيح الدعاء (ص: 23).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
الحديث يُقَوِّي قول من ذهب إلى وجوب الصلاة في قعود التشهد الأخير. مرعاة المفاتيح (3/ 290).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
من الآداب: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في وسط الدعاء، وآخره؛ لأنه الذي علَّمنا الدعاء بأركانه وآدابه، فنقضي بعض حقه عند الدعاء؛ اعتدادًا بالنعمة. إتحاف السادة المتقين (5/ 41).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
إذا صلَّى على النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول الدعاء صلَّى عليه في آخر الدعاء، كما أنَّه يُثني على الله تعالى ويذكره بمدائحه في طرفي الدعاء جميعًا؛ وذلك إرجاءً أنْ لا يُميِّز اللهُ تعالى دعاءه، فيُجِيبُ (بعضه) ويرد بعضه، وقد يكون لأنَّ الدعاء وأركانه وآدابه إنَّما أُخذ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى لسانه علَّمنا الله تعالى ما علَّم، فيقضي ختمه عند الدعاء فرحًا بما علمناه منه، واعتدادًا بالنعمة، وجزيل الحظ فيه، بأنْ ندعو له قبل الدعاء الذي يكون في نفوسنا وبعده. المنهاج في شعب الإيمان (1/ 533).
هل ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الدعاء من موانع قبول الدعاء ؟ ينظر (هنا)
وقد سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا يدعو في صلاته ولم يصل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «عَجِلَ هذا»، ينظر (هنا) إتمامًا للفائدة