السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«عَينانِ لا تمسُّهما النارُ: عينٌ بكتْ من خشيةِ اللهِ، وعينٌ باتتْ تحرُسُ في سبيلِ اللهِ».


رواه الترمذي برقم: (1639) واللفظ له، والبيهقي في شعب الإيمان برقم: (775)، وابن أبي عاصم في الجهاد برقم: (146)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وأخرج أبو يعلى برقم: (4346)، من حديث أنس بنِ مالكٍ مرفوعًا بلفظ: «عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ أَبَدًا: عَيْنٌ بَاتَتْ تَكْلَأُ المُسْلِمِينَ في سبيلِ اللَّهِ، وعَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ».
وعن أنس عند الطبراني في الأوسط برقم: (5779) مرفوعًا بلفظ: «عَيْنَانِ لا يَرَيَانِ النَّارَ...».
صحيح الجامع برقم: (4113)، مشكاة المصابيح برقم: (3829). سلسلة الأحاديث الصحيحة (6/ 38).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«تَكْلَأُ»:
مهموزًا، أي: تحفظ وتحرس. الترغيب والترهيب، للمنذري (2/ 159).


شرح الحديث


قوله: «عينانِ لا تمسُّهما النارُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«عينانِ لا تمسُّهما النارُ» وفي رواية «أبدًا» أي: لا يصيبُهما أدقّ إصابة، وفي رواية: «لا تَريانِ النار». مرقاة المفاتيح (6/ 2479).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«عَينانِ...» هذا كنايةٌ عن جسمِ صاحب العَينين كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} القيامة: 22-23. فتح القريب المجيب (6/ 316).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عَينانِ لا تمسُّهما النارُ...» أي: لا تمسُّ صاحبَهما فعبَّر بالجزء عن الجُملة، وعبَّر بالمسّ، إشارةً إلى امتناع ما فوقَه بالأَولى. التيسير (2/ 151).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«عينانِ»: شخصان، فهو من التعبير باسم الجزء الأشرف عن الكلِّ، ويحتملُ على بُعد أنه إنْ دخل فيها لا تتألم العينُ بالعذاب. دليل الفالحين (7/ 106).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
وفي رواية: «أبدًا» وفي رواية: «لا تريان النار». تحفة الأحوذي (5/ 221).

قوله: «عينٌ بَكتْ من خَشيةِ اللهِ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «عينٌ بَكت من خشيةِ اللهِ» كنانة عن العالم العابد المجاهد مع نفسه، كقوله تعالى: {ِإِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28، حيث حصر الخشية فيهم، غير مُتجاوزةٍ عنهم، فحصلت النسبة بين العينين: عين مجاهدة مع النفس والشيطان، وعين مجاهدة مع الكفار، والخوف والخشية مترادفان. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2647).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- معلقًا:
«عينٌ بكت من خشيةِ الله» وهي مرتبة المجاهدين مع النفس، التائبين عن المعصية، سواء كان عالِمًا، أو غير عالم... والتحقيق: أنَّ الخشية خوفٌ مع التعظيم...، وفي الجامع الصغير لفظه: «عينٌ بَكت في جوفِ الليل من خشيةِ الله». مرقاة المفاتيح (6/ 2479).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «عين بكت من خشية الله» يعني: على ذنوبه، أو لخشيته من خذلاته، أو شوقًا إلى لقائه، وفي بعض نسخ المصابيح: «في جوف الليل» وليس كذلك في الأصل. الأزهار، مخطوط، لوح (353).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«عينٌ بَكت من خشيةِ الله» أي: من خوف عقابه، أو مهابة جلاله. التيسير (2/ 151).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«عينٌ بكتْ من خشيةِ الله» أي: لخشيته، فـ«مِن» تعليلية، ويجوز كونها ابتدائية، والخشية: الخوف الناشئُ عن تعظيم ومعرفة؛ ولذا خصّها الله تعالى بالعلماء، قال تعالى: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28. دليل الفالحين (7/ 106).
وقال المناوي -رحمه الله-:
ليس المراد بالبكاءِ من خشية الله: بكاءُ النساء ورقَّتهن، فتبكي ساعةً، ثم تترك العمل، وإنما المراد: خوفٌ يسكنُ القلبَ، حتى تدمعَ منه العينُ قهرًا، ويمنع صاحبه عن مقارفةِ الذنوب، وتحثُّه على مُلازمة الطاعات، فهذا هو البكاء المقصود، وهذه هي الخشية المطلوبة، لا خشية الحُمَقَاء، الذين إذا سمعوا ما يقتضي الخوف لم يزيدوا على أن يبكوا ويقولوا: "يا ربِّ سلِّم" نعوذ بالله، وهم مع ذلك مُصِرُّون على القبائح، والشيطان يسخر بهم، كما تسخر أنت بمَن رأيته، وقد قصده سَبُعٌ ضاري، وهو إلى جانب حصنٍ منيع، بابه مفتوحٌ إليه، فلم يفزع، وإنَّما اقتصر على "ربِّ سلِّم" حتى جاء السبُع فأكلَه. فيض القدير (3/ 323).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
اعلم أنَّ البكاء إما مِن حُزن، وإما من وجع، وإما من فزع، وإما فرح، وإما من شكر، وإما من خشية من الله تعالى، وهو أعلاها درجة، وأغلاها ثمنًا في الدار الآخرة، وأما البكاء للرياء والكذب، فلا يزداد صاحبه إلا طردًا ومقتًا، وحُقَّ لِمَن لم يعلم ما جرى له به العلم في سابق علمه تعالى من سعادة مؤبّدة، أو شقاوة مخلّدة، وهو فيما بين هذين، قد رَكِبَ المحرمات، وخالف المنهيَّات، أنْ يكثُرَ بكاؤُه، وأنْ يهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأنْ يجْأَر إلى الله عمّا سلف منه من سوابق مخالفاته، وقبائح شهواته، فعسى أنْ لا تمسّه النارُ في دار القرار. فيض القدير (4/ 368).

قوله: «وعينٌ باتتْ تَحرسُ في سبيلِ اللهِ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وعينٌ باتت تحرسُ في سبيل الله»، أي: يكون حارسًا للمجاهدين؛ يحفظهم عن الكفار، فحصلت النسبةُ بين العَينين: عين مجاهدة مع النفس، وعين مجاهدة مع الكفار. شرح المصابيح (4/ 329).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «وعين باتت تحرس في سبيل الله» يعني: الغزاة. الأزهار، مخطوط، لوح (353).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وعينٌ باتت تحرسُ» وفي رواية «تَكلأُ» «في سبيل الله» وهي مرتبة المجاهدين في العبادة، وهي شاملة؛ لأن تكون في الحج، أو طلب العلم، أو الجهاد، أو العبادة، والأظهر: أنَّ المراد به: الحارس للمجاهدين؛ لحفظهم عن الكفار. مرقاة المفاتيح (6/ 2479).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «تحرُس» بضم الراء، أي: تكون حارسًا للمجاهدين؛ تحفظُهم وأموالَهم عن الأعداء، ونسبة الحراسة إلى العين مجازيّة، فالعين الباكية من خشية اللَّه، مجاهدةٌ مع النفس، والحارسةُ مع الكفار، فاشتركا في عدم مِسَاس النار إيّاهما. لمعات التنقيح (6/ 566-567).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«في سبيل الله» أي: لإعلاءِ كلمة الله، سواء كان السهرُ في حراسة الجيش، أو الثغور، أو في المسيرِ إلى محلِّ المعركة، أو في غير ذلك. ذخيرة العقبى (26/ 150).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: فضل الرباط في سبيل الله، والحراسة في سبيل الله، و(بُعْد) العين الحارسة من نار الله.
وفضل البكاء من خشية الله تعالى، ومساواة العين الباكية مع العين الحارسة في (البعد) من النار. الأزهار، مخطوط، لوح (353)

وينظر حديث من هم السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (هنا

ولمزيد من الفائدة ينظر حديث من يحرم على النار ومن تحرم النار عليه (هنا


إبلاغ عن خطأ