«كان النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- يَذكرُ اللهَ على كلِّ أَحْيَانِهِ».
رواه مسلم برقم: (373) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
ورواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (1/129).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«أَحْيَانِهِ»:
الحين: وقتٌ من الزمان، يقال: حان أن يكون ذاك، وهو يحينُ، ويجُمع: الأحيان، ثم تجمع الأحيان: أحايين. تهذيب اللغة، للأزهري (5/ 165).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
الحين: الزمان قلّ أو كثر، والجمع: أحيان. المصباح (1/ 160).
شرح الحديث
قولها: «كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال النووي -رحمه الله-:
فإنَّ المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين: أنَّ لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنَّما هي فعل ماضٍ، يدل على وقوعه مرة، فإنْ دل دليل على التكرار عُمل به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 21).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قولها: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» ذكر العلماء في أصول الفقه أنَّ «كان» إذا كان خبرها مضارعًا، فإنها تدل على الدوام غالبًا، وليس دائمًا، كان يفعل، يعني: باستمرار، وهذا على الغالب، وليس على الدائم، والدليل على أنه الغالب: أنه ثبت في السُّنة أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يقرأ في صلاة الجمعة، بسبح والغاشية» وجاء في لفظ آخر: «كان يقرأ في صلاة الجمعة، بالجمعة والمنافقين» فلو قلنا: إنَّ «كان» تدل على الدوام دائمًا، لكان في الحديثين تعارض وتناقض، لكن نقول: إنها تدل على الدوام غالبًا لا دائمًا. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 273).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«كان» في الغالب أنها تفيد الاستمرار، ولكنه قد تأتي هذه الصيغة لغير الاستمرار، ولكنه يستدل بها على المداومة، وعلى الكثرة، ولكن قد تأتي للمرة الواحدة، وقد تأتي للقلّة. شرح سنن أبي داود (137/ 3).
قولها: «يَذْكُرُ اللهَ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يذكر الله»...قال الأشرف (البقاعي في شرح المصابيح مخطوط): الذكر نوعان: قلبيّ ولسانيّ، والأول أعلاهما، وهو المراد في الحديث، وفي قوله تعالى: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} الأحزاب: 41، وهو أن لا يُنسى الله تعالى في كل حال، وكان للنبي -صلى الله عليه وسلم- حظٌّ وافرٌ من هذين النوعين، إلا في حالة الجنابة ودخول الخلاء، فإنه يقتصر فيهما على النوع الذي لا أثر فيه للجنابة؛ ولذلك إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك». مرقاة المفاتيح (2/ 436).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ المراد بالذكر هو الذكر باللسان، سوى ما نهي عنه في حين الجنابة ونحوها... هذا وقد أنكر بعض الفقهاء كون ما هو فعل القلب ذكرًا، وإنما الذكر هو فعل اللسان، وهو خلاف اللغة، والشرع، فإن الذكر في اللغة: ضد النسيان، وقد ورد في الشرع ما يدل على كون ما في القلب ذِكرًا، نعم لا يعتبر ذلك في أحكام تترتب على اللفظ كالطلاق والعتاق. لمعات التنقيح (2/ 184).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قولها: «يذكر الله» يحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا: الذكر اللفظي باللسان، وهذا هو الظاهر؛ يعني: أن يقول: «لا إله إلا الله» ويحتمل أن يكون عامًّا لذكر القلب والجوارح، واللسان؛ لأن الذكر يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح.
الذكر بالقلب: هو تذكر الله -عز وجل- وعظمته ورجاؤه وخوفه، وخشيته، ومحبته، وتعظيمه، وما أشبه ذلك، هذا ذكر الله بالقلب، وذكر الله باللسان: التسبيح، والتكبير، والتهليل، وما أشبه ذلك، وهو بالمعنى العام، يشمل كل قول يقرّب إلى الله -عز وجل- وذكر الله بالجوارح الركوع، والسجود، والقيام، والقعود في الصلاة، والمشي بالدعوة إلى الله، وغير ذلك، فالذكر إذن متعلق بالقلب واللسان والجوارح، والذي يظهر من حديث عائشة ما يتعلَّق باللسان؛ أي: أنَّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- يذكر الله دائمًا. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 273-274).
قولها: «على كلِّ أحيانِهِ»:
قال ابن رجب -رحمه الله-:
«على كل أحيانه» والمعنى: في حال قيامه ومَشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على طهارة أو على حدث. جامع العلوم والحكم (ص: 932 - 933).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«على كل أحيانه» أي: في كل أوقاته متطهرًا ومحدثًا وجنبًا، وقائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وراكبًا وماشيًا ومسافرًا ومقيمًا، فكأن ذكر الله -عز وجل- يجري مع أنفاسه، إلا في حالة الجماع، وقضاء الحاجة، فيكره الذكر حينئذ باللسان، كما ذهب إليه الجمهور، ويستثني من ذلك أيضا تلاوة القرآن للجنب، لحديث علي -رضي الله عنه- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة» رواه الأربعة والإمام أحمد. الفتح الرباني (14/ 201).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«على» كل حالاته من الطهارة والحدث، والجلوة والخلوة، والسر والجهر، «في كل أحيانه» وأوقاته ليلًا ونهارًا، لا تمر عليه لحظة إلَّا هو يذكر الله -تعالى- سرًّا أو جهرًا. الكوكب الوهاج (6/ 369).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «كان يذكر الله على كل أحيانه» والذكر محمول على الذِّكر النفسيّ؛ فإنه لا مانع منه، ويمكن حمله على اللسانيّ، ويخصّ عموم الأحيان بالعقل أو العادة، فقد قيل: لا يذكر الله بلسانه على قضاء الحاجة، ولا في المجامعة، بل في النفس، ويمكن إرجاع ضمير «أحيانه» إلى الذكر، أي: الأحيان المناسبة. حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/ 129).
وقال الكشميري -رحمه الله- معلقًا:
قوله: «يذكر الله على كل أحيانه» وشرحه بعضهم: أن المراد من الذكر هو الذكر القلبي، وليس بسديد عندي، فإنه لا يقال له ذِكر لغة، إنما هو فِكر، والذي يعرفه أهل اللغة هو الذكر باللسان، جهرًا كان أو سرًّا. فيض الباري (1/ 492).
وقال النووي -رحمه الله-:
«على كل أحيانه» هذا الحديث أصلٌ في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، وشبهها من الأذكار، وهذا جائز بإجماع المسلمين، وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض، فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعًا، ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية؛ فإن الجميع يحرُم، ولو قال الجنب: بسم الله، أو الحمد لله، ونحو ذلك، إن قصد به القرآن حرُم عليه، وإن قصد به الذِّكر، أو لم يقصد شيئًا لم يحرم، ويجوز للجنب والحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما، وأن ينظرا في المصحف، ويستحب لهما إذا أرادا الاغتسال أن يقولا: "بسم الله" على قصد الذكر، واعلم أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط وفي حالة الجماع... فعلى قول الجمهور إنه مكروه يكون الحديث مخصوصًا بما سوى هذه الأحوال، ويكون معظم المقصود: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يذكر الله تعالى متطهرًا ومحدثًا، وجُنبًا، وقائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وماشيًا -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (4/ 68).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
«على كل أحيانه» دليلٌ أنه لا يُمنع مَن على غير طهارةٍ مِن ذكر الله، وإنما اختلف العلماء في قراءة الجنب والحائض القرآن ظاهرًا بالمنع لهما، والإباحة لهما، ومُنع الجنب لِملكِه طُهْرَه دون الحائض؛ لأن أمرها يطول، والأقوال الثلاثة لمالك -رحمه الله-، ولم يختلف قوله في قراءة اليسير منه، كالآية ونحوها على وجه التعوذ.
وفيه: حجة لمَن أجاز الذكر على الحدثِ، وفي المراحيض على ظاهِره، وقيل: معناه: متوضئ وغير متوضئ. إكمال المعلم (2/ 227).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قولها: «على كل أحيانه»: جمع حين، بمعنى الوقت... إلا في الجنابة فهو محمول على الذكر القرآنيّ، وفي الخبر الصحيح: «كرهتُ أن أذكر الله إلا على طهر» أو «طهارة» محمول على الذكر اللساني، والكراهة؛ لأنه خلاف الأفضل، وقيل: تحمل الكراهة على ما إذا تيسّرت الطهارة. مرقاة المفاتيح (2/ 436).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
المراد عندي: أنه كان يذكر الله في كل أحيانه المتواردة؛ لأن حال الإنسان على نحوين: حاله المتشابه، والثاني: المتوارد، أعني به: كالقيام من القعود وبالعكس، ودخوله في المسجد والخروج منه، وكذا دخوله في السوق والبيت والخلاء، والخروج منها، وإيواؤه إلى فراشه ونومه ويقظته، وغير ذلك، فإذا كان حاله من نوع واحد فهو حال متشابه، وإذا تواردت عليه الأحوال، واحدًا بعد واحد، فهي الأحوال المتواردة، فالمراد «من أحيانه» وأحواله هي: تلك الأحيان والأحوال، وأذكارها مبسوطة في كتب الحديث، وقد أفرد لها بالتصنيف أيضًا؛ وإلا فيشكل على الإنسان تصوره وإمكانه، فإن من الأحيان دخوله في الخلاء، ومنها أوان تكلُّمه من غير الذكر، فكيف يصدق أنه كان يذكر في كل أحيانه، فإنه يستلزم أن يكون معطلًا عن سائر الأفعال سواه، وتبين مما قلنا: أن أذكارها كانت مبسوطة ومنسحبة على الأحوال المتواردة، كما يعلم بالمراجعة إلى حال الأدعية، مع كونه ذاكرًا في عامة الأحوال المتشابهة أيضًا، أو يقال: معنى قوله: «كان يذكر الله» أي: لم يكن ممنوعًا عنه. فيض الباري (1/ 492-493).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«يذكر الله على كل أحيانه»...الحديث مقرر للأصل، وهو ذكر الله على كل حال من الأحوال؛ وهو ظاهر في عموم الذكر، فتدخل تلاوة القرآن ولو كان جُنُبًا؛ إلا أنه قد خصَّصه حديث علي -عليه السلام-... «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرئنا القرآن ما لم يكن جُنُبًا» وأحاديث أخر في معناه ... وكذلك هو مخصّص بحالة الغائط والبول والجماع، والمراد بـ: «كل أحيانه» معظمها كما قال الله تعالى: {يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} آل عمران: 191. سبل السلام (1/ 102).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«على كل أحيانه» أي: سواء كان على وضوء أو لا، (و) استُدل به: على جواز الأذان من غير وضوء؛ لأن الأذان ذِكر من الأذكار. الكوثر الجاري (2/ 291).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قولها: «على كل أحيانه» يعني: على كل حين يمر به، وهو بمعنى قول القائل: على كل أحواله، يعني: قائمًا، وقاعدًا، وعلى جنبه، كما قال الله -تبارك وتعالى-: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} آل عمران: 191...، يفيد أنه لا يشترط لذكر الله أنْ يكون الإنسان على طهارة؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- «يذكر الله على كل أحواله» فأما قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للرجل الذي سلَّم عليه، ولم يرد عليه السلام حتى تيمم، ثم رد عليه السلام، وقال: «إني أحببتُ ألا أذكر الله إلا على طهر» فهذا من باب الاستحباب، وليس من باب الواجب؛ بمعنى: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يذكر الله أن يكون على طُهر، ولكن لو ذكر الله على (غير) طُهر فلا إثم عليه، ولا حرج عليه. فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 274).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
احتجَّ مَن سهَّل للجنب أنْ يقرأ القرآن بحديث عائشة قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحيانه» فقال بعضهم: الذكر قد يكون بقراءة القرآن وغيره، فكل ما وقع عليه اسم ذكر الله تعالى فغير جائزٍ أنْ نمنع منه أحدًا، إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه، وحديث علي («كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرئنا القرآن ما لم يكن جُنُبًا») لا يثبت إسناده؛ لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلَّم فيه عمرو بن مرّة، قال: سمعتُ عبد الله بن سلمة وإنَّا لنَعرِفُ ونُنْكِر، فإذا كان هو الناقل لخبره، فجرحه يبطل الاحتجاج به، ولو ثبت خبر علي لم يجب الامتناع من القراءة من أجله؛ لأنَّه لم ينهه عن القراءة، فيكون الجنب ممنوعًا منه. الأوسط (2/ 223).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ الذكر لا يمنع منهُ حدث ولا جنابة، وليس فيهِ دليل على جواز قراءة القرآن للجنب؛ لأن ذِكر الله إذا أطلق لا يراد بهِ القرآن. فتح الباري (2/ 45).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلَّ الحديث على أنَّ النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يذكر الله تعالى متطهرًا ومحدثًا، ولو حدثًا أكبر، وقائمًا وقاعدًا ومضطجعًا، وماشيًا وراكبًا، والذكر عام يشمل جميع أنواعه من تهليل وتكبير وتحميد وتسبيح واستغفار، ومثله الصلاة والسلام على النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- وهذا مشروع بإجماع المسلمين من غير محل القاذورات وحال الجماع؛ فإنه يكره فيهما كما تقدم، وأما قراءة القرآن فحكمها كما ذُكِرَ إلا في حق الجنب والحائض، فالجمهور على تحريمها عليهما. المنهل العذب المورود (1/ 73).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
في الحديث: تنبيه على طلب ذِكر الله تعالى في جميع الأوقات الممكنة، وذلك؛ لأنه أعظم وسيلة إلى الحصول على خيري الدنيا والآخرة. المنهل العذب المورود (1/ 73-74).
وقال النووي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبةً كانت أو مستحبةً، لا يحسب شيء منها، ولا يُعتدّ به، حتى يتلفَّظَ به، بحيثُ يُسمع نفسَه إذا كان صحيح السمع، لا عارض له. الأذكار (ص: 13).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وأغربَ بعض الشافعية حيث قال: إنَّ الذكر القلبي المحض لا ثواب فيه.
فيُحمل على أنَّه أراد من حيث كونه ذكرًا مأمورًا به، وأما من حيث الحضور مع الله، ففيه ثواب أيّ ثواب. مرقاة المفاتيح (2/ 436).
ما الأعمال التي يحبها الله تعالى؟ ينظر (هنا) و (هنا)