«إنَّ الدُّعَاءَ هو العبادة» ثم قرأ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي...} غافر: 60.
رواه أحمد برقم: (18352) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1479)، والترمذي برقم: (3247)، والنسائي في الكبرى برقم: (11400)، وابن ماجه برقم: (3828)، من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-.
ورواه الحاكم برقم: (1805)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- بلفظ: «أفضل العبادة هو الدعاء»،
صحيح الجامع برقم: (3407)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1627).
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «إنَّ الدعاء هو العبادة»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «الدعاء هو العبادة» معناه: أنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة، كقولهم: الناس بنو تميم، والمالُ الإبل، يريدون: أنهم أفضل الناس، أو أكثرهم عددًا، أو ما أشبه ذلك، وأنَّ الإبل أفضل أنواع الأموال، وأنبلها، وكقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الحج عرفة» يريد: أن معظم الحج الوقوف بعرفة. شأن الدعاء (ص: 5).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «الدعاء هو العبادة» معناه: الدعاء هي التي تختم بها العبادة، وقيل: نفسُ الدعاء هي العبادة؛ لأنها مشتملة على ذكر الله تعالى بأسمائه وصفاته، وعلى التضرع إليه، والابتهال لديْه، والسؤال منه؛ فكل ذلك عبادة. شرح أبي داود (5/ 394).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«الدعاء هو العبادة» لأن المقصودَ الأعظمَ من العبادة: الإقبالُ عليه تعالى، والإعراضُ عما سواه، بحيث لا يُرجَى، ولا يُخاف إلا إياه، والدعاءُ لا ينفك عن هذه المعاني، فجعلَه -عليه الصلاة والسلام- نفسَ العبادة. شرح المصابيح (3/ 73).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «الدعاء هو العبادة» معناه: الدعاء مقصورٌ على صفةِ العبادة، لا أنَّ العبادةَ مقصورةٌ على الدعاء كما فهمه الناس. فيض الباري (1/ 237).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«الدعاء هو العبادة»؛ لما فيه من الإخلاص واليقين والرجاء. الاستذكار (4/ 224).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
ومطلق القول يقتضي أنَّ الدعاء جملة العبادة، كما يقال: المال الإبل، والناس العلماء، ويصح هذا فيه من وجهين:
أحدهما: أنَّ كل طاعة سؤال؛ لأنها لطلب العوض.
والثاني: أنَّه لا بد من الذِّكْر في الأغلب مع الدعاء في الطاعات، فَحُمِلَ على الأكثر. عارضة الأحوذي (12/90).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «الدعاء هو العبادة» «هو» في «هو العبادة» للحصر، ظاهرُهُ يدلُّ على أن لا عبادةَ إلا الدعاء، ولكن معناه: الدعاءُ مُعْظَمُ العبادة، كما قال -عليه السلام-: «الحجُّ هو العرفة» أي: معظم أركان الحج العرفة.
يعني: الدعاء هو العبادةُ، سواء استُجيبَ للداعي دعاؤُهُ أو لم يُستجَب؛ لأن الدعاءَ إظهارُ العبدِ العجزَ والاحتياجَ عن نفسه، والاعترافُ بأن الله تعالى قادرٌ على إجابة الدعاء، كريمٌ، غنيٌّ، لا بخلَ له، ولا فقرَ، ولا احتياجَ له إلى شيء حتى يحفظَه لنفسه، ويمنعَهُ عن عباده، وهذه الأشياءُ عينُ العبادةِ، بل مخُّ العبادة. المفاتيح (3/ 123).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«إنَّ الدعاء هو العبادة» ظاهر الحديث الحصر، وأن الدعاء هو العبادة، ووجه ذلك: أن العابد إذا استعبد لله بعبادة ليس فيها دعاء، فهو داعٍ بلسان الحال، إذا قال: لا إله إلا الله لا يوجد دعاء، ولكن هو داعٍ بلسان الحال، وهذا وجه الحصر في قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إن الدعاء هو العبادة» يعني: كل إنسان يدعو فهو عابد، وكل إنسان يعبد فهو داعٍ، فصدقت الكلمة سواء كذا أو كذا، يعني: سواء قلتَ: كل داعٍ عابد، أو كل عابد داعٍ، فهو صحيح. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 480-481).
قوله: «أفضل العبادة هو الدعاء»:
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«أفضل العبادة»؛ لما فيه من الإخلاص واليقين والرجاء. الاستذكار (4/ 224).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
لما حكم بأنَّ الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة، من حيث إنه يدل على أنَّ فاعله مُقْبِلٌ بوجهه إلى الله تعالى، معرض عما سواه، لا يرجو ولا يخاف إلا منه، استدل عليه بالآية، فإنها تدل على أنَّه أمرٌ مأمور به، إذا أتى به المكلَّف قُبل منه لا محالة، وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والمسبب على السبب، وما كان كذلك كان أتم العبادات وأكملها، ويقرب منه الرواية الأخرى؛ فإنَّ مخَّ الشيء خالصه. تحفة الأبرار (2/ 9).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أفضل العبادة الدعاء» قد سمى الله تعالى العبادة دعاء في قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60؛ ولذا نهى الله تعالى عن سؤال غيره...؛ ولأن الداعي إذا أراد إنجاح مطلبه، وقضاء حاجته، قطع عن غير الله مَسْأَلَهُ، وأزال عن الخلق رجاءه، وهذا هو العبادة، والغنى بالله. التنوير شرح الجامع الصغير (2/ 450).
قوله: «ثم قرأ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي...} غافر: 60»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
قلتُ: ذكر الآية بعد الحديث على وجه البيان له؛ لأن في الآية الأمر بالدعاء، والقيام بحكم الأمر هو العبادة، والعبد إذا سأل ربه، وشكا إليه ضُرَّه، ورفع إليه حاجته، فقد علم أن ربه مرغوب إليه في الحوائج، ذو قدرة على ما يشاء، وعلم أنَّه عبد ضعيف، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، واعترف بالفقر والفاقة والذلة لمن يدعوه، فلذلك قال: «هو العبادة»؛ ليدل على معنى الاختصاص، كما تقول لمن يحمي الحقيقة: هو الرجل، ثم إنه إذا رأى إنجاح الأمور من الله، قطع أمله عمن سواه، ودعاه لحاجته موحدًا، وهذا هو الأصل في العبادة.
فإن قيل: قال الله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، وقد يُدعى فما يستجيب، فما وجه الآية؟
قلنا: المراد من الدعاء في الآية هو المستجمِع لشرائطه؛ وقال بعض العلماء: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، أي: بحسب نظري لكم، ورحمتي بكم؛ لا بحسب أمانيِّكم، ولا أهوائكم، صحت أو فسدت، حقَّت أو بطلت؛ لأن هذه الآية غير منفردة في القرآن عن أخرى فيها تبيانها، وهي قوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} المؤمنون: 71، وقوله: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} الإسراء: 11، فربما دعا الإنسان ما يتضمن شرًّا، ولا يشعر به، فدل الآيتان على أنَّه يُستجيب الدعاء المستجمع بشرائطه. الميسر (2/ 514).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأَولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره، وأما قوله بعد ذلك: {عَنْ عِبَادَتِي} غافر: 60، فوجه الربط: أنَّ الدعاء أخصُّ من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق مَن ترك الدعاء استكبارًا، ومن فعل ذلك كفر، وأما مَن تركه لمقصد من المقاصد، فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك؛ لكثرة الأدلة الواردة في الحث عليه. فتح الباري (11/ 95).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله: {يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} غافر: 60، لَمَّا أمر تعالى عباده بدعائه، ثم قال: {عَنْ عِبَادَتِي} غافر: 60 دل على أنه أُريد به أنه العبادة، حيث لم يقل: عن دعائي؛ ولك أن تقول: إن العبادة طاعة من جملتها الدعاء، فيكون تنصيصًا على بعض أفراد العام. التحبير (2/ 24).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، أي: اعبدوني دون غيري؛ أُجبكم وأُثِبكم، وأَغْفِر لكم، فلما عبَّر عن العبادة بالدعاء، جعل الإنابة استجابة. معالم التنزيل (7/ 156).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وجه تسمية الدعاء عبادة بيِّنٌ؛ لأن فيه الإقرار بالعجز من العبد، والقدرة لله؛ وذلك غاية الذلة والخضوع، وذل السؤال عنده، لا يقوم به بِذُلِّ النوال، وكل سؤال منقصة إلا سؤال الخالق سبحانه. عارضة الأحوذي (12/90).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
هذا من فضله -تبارك وتعالى- وكرَمِه أنه ندَبَ عبادَه إلى دعائه، وتكفَّل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: "يا من أحبُّ عباده إليه مَن سأله فأكثر سؤالَه، ويا من أبغضُ عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب". تفسير القرآن العظيم (7/ 153).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قيل: إن الصلاة في اللغة معناها: الدعاء، والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والعابد داعٍ، كما أنَّ السائل داعٍ، وبهما فُسِّر قوله تعالى: {وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، قيل: أطيعوني أُثِبكم، وقيل: سَلُوني أُعطِكم، وفسِّر بهما قوله تعالى: {وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ} البقرة: 186، والصواب: أن الدعاء يعم النوعين، وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه. جلاء الأفهام (4/ 14).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} غافر: 60، تقدم بيانه وأنَّ معناه: إنْ شئتُ، أو إنْ قُمْتَ بشرط الدعاء أُجبتَ بإحدى ثلاث: نفس المطلوب، أو خير منه في الدنيا، أو العوض منه في الآخرة.
(و) والكافر ليس له دعوة؛ لأنه إنما يدعو من له شريك، والباري لا شريك له، والآية مخصوصة بالمؤمنين على الوجه المتقدِّم.
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي} غافر:60، قد بيَّنا أنَّ الكِبْر على أنواع، منه كفر، وهو التكبر على الله، وعلى الأنبياء، وهو المراد ها هنا، وفي قوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة خردل مِن كِبْرٍ» يعني به: الذي يكون به صاحبه كافرًا. عارضة الأحوذي (12/90).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض، وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن الآية بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء العبادة؛ لقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي} الآية غافر:60، واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي} الآية غافر:60، أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي والحاكم، وشذَّت طائفة فقالوا: المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب، وأجاب الجمهور أن الدعاء مِن أعظم العبادة، فهو كالحديث الآخر: «الحج عرفة» أي: معظم الحج، وركنه الأكبر، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: «الدعاء مخ العبادة»، وقد تواردت الآثار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالترغيب في الدعاء، والحث عليه، كحديث أبي هريرة رفعه: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء». فتح الباري (11/ 94).
وقال أحمد بن حنبل -رحمه الله-:
عن مطرف قال: تذكَّرتُ ما جِماع الخير، فإذا الخير كثير: الصوم، والصلاة، وإذا هو في يَد الله -عزَّ وجلَّ-، وإذا أنت لا تقدر على ما في يَدِ الله -عز وجل- إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جِماع الخير: الدعاء. الزهد (ص: 195).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
اعلم أنَّ أصل الدعاء في اللغة: الطلب، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي، ويؤثر حصوله، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله -عزَّ وجلَّ-، والابتهال إليه، كقول الداعي: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب، وهو الاشتغال بطاعة الله، وذِكرهِ، وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان. فتح الباري (1/ 20).