السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«ما رأيتُ أحدًا أكثرَ أنْ يقولَ: أستغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه، مِن رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-».


رواه النسائي في الكبرى برقم: (10215)، وأبو يعلى في المعجم برقم: (247)، وابن حبان برقم: (928)، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم: (363)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان برقم: (2083)، والتعليقات الحسان برقم: (924).


مختصر شرح الحديث


.


شرح الحديث


قوله: «ما رأيتُ أحدًا أكثرَ أنْ يقولَ: أستغفِرُ اللهَ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قد كان -صلى الله عليه وسلم- يُكثر من الاستغفار، وربما استغفر في يومه سبعين مرة، وهو الذي غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، وما تأخَّر. التنوير (10/ 136).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قول القائل: أستغفر الله، معناه: أطلب مغفرته، فهو كقوله: "اللهم اغفر لي"؛ فالاستغفار التامُّ الموجب للمغفرة: هو ما قارن عدم الإصرار، كما مدح الله أهله، ووعدهم المغفرة.
قال بعض العارفين: "مَن لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته، فهو كاذب في استغفاره"، وكان بعضهم يقول: "استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير"، وفي ذلك يقول بعضهم:
أستغفر الله من أستغفر الله *** من لفظة بَدَرَت خالفتُ معناها
وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد *** سددتُ بالذنب عند الله مجراها
فأفضل الاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار، وهو حينئذٍ توبة نصوح، وإن قال بلسانه: "أستغفر الله" وهو غير مقلع بقلبه، فهو داعٍ لله بالمغفرة، كما يقول: "اللهم اغفر لي" وهو حسنٌ، وقد يرجى له الإجابة، وأما مَن قال: توبة الكذابين، فمراده: أنه ليس بتوبة، كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار.
وإن قال: أستغفر الله، وأتوب إليه فله حالتان:
إحداهما: أن يكون مصرًّا بقلبه على المعصية، فهذا كاذب في قوله: وأتوب إليه؛ لأنه غير تائب، فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير تائب.
والثانية: أن يكون مقلعًا عن المعصية بقلبه، فاختلف الناس في جواز قوله: وأتوب إليه؛ فكرهه طائفة من السلف، وهو قول أصحاب أبي حنيفة حكاه عنهم الطحاوي، وقال الربيع بن خُثَيْم: يكون قوله: وأتوب إليه كذبة وذنبًا، ولكن ليقل: اللهم تب عليَّ، أو يقول: اللهم إني أستغفرك فتب عليَّ، وهذا قد يحمل على مَن لم يقلع بقلبه...، وجمهور العلماء على جواز أنْ يقول التائب: أتوب إلى الله، وأنْ يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية، فإن العزم على ذلك واجب عليه، فهو مخبر بما عزم عليه في الحال؛ لهذا قال: «ما أصر مَن استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة»، وقال في المعاود للذنب: «قد غفرتُ لعبدي، فليعمل ما شاء»، وفي حديث كفارة المجلس: «أستغفرك اللهم وأتوب إليك». جامع العلوم والحكم (ص:838-840).
وقال النووي -رحمه الله-:
مما يتعلق بالاستغفار ما جاء عن الربيع بن خُثَيْم -رضي الله تعالى عنه- قال: "لا يقل أحدكم: أستغفر الله، وأتوب إليه"؛ فيكون ذنبًا وكذبًا إنْ لم يفعل، بل يقول: اللهم اغفر لي، وتب عليَّ، وهذا الذي قاله من قوله: اللهم اغفر لي وتب عليَّ، حسنٌ.
وأما كراهته أستغفر الله وتسميته كذبًا فلا نوافق عليه؛ لأنَّ معنى أستغفر الله: أطلب مغفرته، وليس في هذا كذب، ويكفي في رده حديث ابن مسعود. الأذكار (ص:404).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا على كلام النووي:
ويكفي في رده حديث ابن مسعود بلفظ: «مَن قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف» أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الحاكم.
قلتُ: هذا في لفظ: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأما أتوب إليه؛ فهو الذي عنى الربيع -رحمه الله- أنه كذب، وهو كذلك إذا قاله ولم يفعل التوبة، كما قال، وفي الاستدلال للرد عليه بحديث ابن مسعود نظر؛ لجواز أن يكون المراد منه: ما إذا قالها وفعل شروط التوبة، ويحتمل أن يكون الربيع قصد مجموع اللفظين لا خصوص أستغفر الله؛ فيصح كلامه كله -والله أعلم-.
ورأيتُ في الحلبيات للسبكي الكبير: الاستغفار طلب المغفرة إما باللسان أو بالقلب أو بهما، فالأول فيه نفع؛ لأنه خير من السكوت؛ ولأنه يعتاد قول الخير، والثاني نافع جدًّا، والثالث أبلغ منهما لكنهما لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة، فإن العاصي المُصرُّ يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه، إلى أن قال: والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار هو غير معنى التوبة، هو بحسب وضع اللفظ، لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ: أستغفر الله معناه: التوبة، فمَن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة، ثم قال: وذكر بعض العلماء أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار؛ لقوله: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} هود: 3، والمشهور أنه لا يشترط. فتح الباري (13/ 472).
وقال الأزهري -رحمه الله-:
قوله: «وأتوب إليك» أي: أرجع إلى طاعتك، وأنيب إليك، والتائب الراجع إلى طاعة ربه بعد معصيته وخطيئته. الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص: 64).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وأتوب إليه» أتى به تأكيدًا لمضمون «أستغفره» وإيماء إلى اعتبارها في حصول أثره. دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (8/ 722).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الاستغفار أي: طلب المغفرة، وهو قد يتضمن التوبة وقد لا يتضمن...، الاستغفار باللسان، والتوبة بالجَنان، وهي الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، أو من الغفلة إلى الذكر...، والمغفرة منه تعالى لعبده ستره لذنبه في الدنيا، بأن لا يُطْلِعَ عليه أحدًا، وفي الآخرة بأن لا يعاقبه عليه... «وأتوب إليه» أي: أرجع إلى أحكامه بعد إحكام شرائعه وإعلامه. مرقاة المفاتيح (4/ 1609).

قوله: «مِن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن حبان -رحمه الله-:
كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يستغفر ربه -جل وعلا- في الأحوال على حسب ما وصفناه، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولاستغفاره -صلى الله عليه وسلم- معنيان:
أحدهما: أنَّ الله -جل وعلا- بعثه معلِّمًا لخلقه قولًا وفعلًا، فكان يعلِّم أمته الاستغفار والدوام عليه؛ لما علِم من مقارفتها المآثم في الأحايين، باستعمال الاستغفار.
والمعنى الثاني: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يستغفر لنفسه عن تقصير الطاعات لا الذنوب؛ لأن الله -جل وعلا- عصمه من بين خلقه، واستجاب له دعاءه على شيطانه حتى أسلمَ؛ وذاك أنَّ مِن خُلُق المصطفى -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أتى بطاعة لله -عز وجل- داوم عليها ولم يقطعها، فربما شُغل بطاعة عن طاعة حتى فاتته إحداهما، كما شُغل -صلى الله عليه وسلم- عن الركعتين اللتين بعد الظهر بوفد تميم، حيث كان يقسم فيهم، ويحملهم، حتى فاتته الركعتان اللتان بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم داوم عليهما في ذلك الوقت فيما بعدُ، فكان استغفاره -صلى الله عليه وسلم-؛ لتقصير طاعة أن أخرها عن وقتها من النوافل؛ لاشتغاله بمثلها من الطاعات، التي كان في ذلك الوقت أولى من تلك التي كان يواظبُ عليها، لا أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يستغفر من ذنوب يرتكبها. صحيح ابن حبان (7/ 449-450).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الاستغفار ليس هو الذي ينطق به اللسان، بل الذي يثبت معناه في الجَنان، فيحل به عقد الإصرار، ويندم معه على ما سلف من الأوزار، فإذًا الاستغفار ترجمة التوبة، وعبارة عنها؛ ولذلك قال: «خياركم كل مُفْتَنٍ تواب» (ضعفه الألباني في الضعيفة:2241) قيل: هو الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة، وأما مَن قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مُصِرٌّ على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار؛ إذ «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (وضعفه الألباني في ضعيف الجامع: 6308). المفهم (7/ 85-86).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما استغفاره -صلى الله عليه وسلم- ... مع أنه مغفور له فهو من باب العبودية والإذعان والافتقار إلى الله -تعالى-، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (4/ 202).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
اختلفوا في وجه الاستغفار منه، فإنَّ الله قد غُفِرَ له من ذنبه ما تقدم وما تأخر، قيل: كان ذلك على ما يقع منه سهوًا، وقيل: على ما كان منه قبل النبوة، وقيل: تواضعًا، وقيل: تعليمًا لأمته، والحق أنَّ الوجه فيه: ما روى مسلم قال: «وإنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله مائة مرة» قالوا: والغين: الغيم المطبق، استعارة لما يغشى عليه عن ملاحظة جلال الله وجماله مما هو من لوازم البشرية، وما عليه من الاشتغال لمصالح أُمَّته؛ إذ كان حق مثله أن يستغرق في الله كالملائكة الكروبيين (هم سادة الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون) بل أعظم؛ إذ حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين. الكوثر الجاري (10/ 57-58).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ هفوات الطباع لا يسلم منها أحدٌ، فالأنبياء وإن عُصموا من الكبائر لم يعصموا من الصغائر، ثم يتجدد للطبع غفلات يفتقر إلى الاستغفار. كشف المشكل (3/ 522).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- معلقًا:
أراد -صلى الله عليه وسلم- بذلك تعليم أمته، وملازمته الخضوع والعبودية، والاعتراف بالتقصير، وإلا فهو مُبَرَّأٌ من كل نقص، قال -صلى الله عليه وسلم-: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا» وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» وقال: «إني أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي» وهذا أولى من قول ابن الجوزي: "هفوات الطباع ما يسلم منها أحد، فالأنبياء وإن عصموا من الكبائر، فلم يعصموا من الصغائر، وتتجدد للطبع غفلات تفتقر إلى الاستغفار" فإنَّ المختار عصمتهم منها أيضًا، وقال بعضهم: إنه لم يزل في الترقي، فإذا ترقى إلى حال، رأى ما قبلها دونه، استغفر منه، كما قيل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين" وما ألطفه، ومثله المراد به عن الفترات والغفلات عن الذكر الذي كان شأنه على الدوام عليه، أو همّه بسبب أمته، وما اطلع عليه من أحوالها بعد، أو سببه اشتغاله بالنظر في مصالح الأمة عن عظيم مقامه، أو شكرًا لما أُوْلِيْ.
ولا شك أنَّ أولى العباد بالاجتهاد في العبادة الأنبياء؛ لما حباهم به من معرفته، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير، ولا يَدِلُّوْنَ (أي: يمنون) عليه بالأعمال، مستكنُّون خاشعون. التوضيح (29/ 190-191).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا تحريض للأمة على التوبة والاستغفار، فإنه -عليه السلام- مع كونه معصومًا، وكونه خير المخلوقات يستغفر ويتوب إلى ربه...، واستغفاره -عليه السلام- ليس من الذنب، بل من اعتقاده أنَّ نفسه قاصرة في العبودية، عما يليق بحضرة الجلال، فإن الله تعالى قال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الأنعام: 91...، قال أهل التحقيق: معناه: كان رسول الله -عليه السلام- يحب أن يكون قلبه أبدًا حاضرًا له تعالى، بحيث لا يغفل لمحة، فلما اشتغل بشيء من أحوال الدنيا كالتكلم مع أحد، والأكل والشرب والنوم ومعاشرة الأزواج، يلوم نفسه بترك كمال الحضور، ويعدُّه تقصيرًا ويستغفر منه. المفاتيح (3/ 171-172).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
النبي -صلى الله عليه وسلم- قد يقع منه الخطأ؛ ولهذا طلب المغفرة، فإن قال قائل: لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- قصد بذلك التعليم، وأنه لم يقع منه الخطأ، فالجواب: هذا خلاف الظاهر؛ لأنه لو قصد التعليم لقال: "استغفروا الله تعالى من الخطايا" أو قولوا: "اللهم اغفر لي خطيئتي" ويُردُّ على هذا أيضًا بأن الله تعالى صرَّح بأن للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر لذنبه وللمؤمنين، فقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} محمد: 19، إذن لو قال قائل: إذا قررتَ هذا فما الفرق بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين غيره من البَشر؟
فالجواب: الفرق من عدة أمور:
أولًا: النبيّ لا يمكن أن يقع منه الشرك إطلاقًا.
ثانيًا: لا يمكن أنْ يقع منه التكذيب.
ثالثًا: لا يمكن أنْ يقع منه ما يُخِلُّ بالشرف والأخلاق الفاضلة.
رابعًا: أنه لا يقع منه شيء من الكبائر إلا عن اجتهاد، ثم يمنُّ الله عليه بالتوبة.
خامسا: أنه لو قدّر أنه حصل منه صغيرة من الصغائر، فإنه لا يقر عليها، لا بد أن يُنَبَّهَ لها، وأن يُقْلِعَ عنها، أما غيره فكل هذا يمكن في حقه، وكفى بذلك شرفًا -عليهم الصلاة والسلام- أن يكونوا مُنَزَّهين عن مثل هذه الأمور. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 509).


إبلاغ عن خطأ