«قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لرجلٍ: ما تقولُ في الصلاةِ؟ قال: أتشهَّدُ، ثم أسألُ اللهَ الجنةَ، وأعوذُ به من النارِ، أمَا واللهِ، ما أُحْسِنُ دَندنَتَكَ، ولا دَندَنَة معاذٍ، فقال النَّبِي صلَّى الله عليه وسلَّم: حَولَها نُدَندِنُ».
رواه أحمد برقم: (15898)، وأبو داود برقم: (792) عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ورواه أبو داود برقم: (793)، من حديث جابِرٍ -رضي الله عنه- قال: وقال يعني: النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- للفتَى: «كيف تَصْنعُ يا ابنَ أخي إذا صلَّيتَ؟ قال: أَقْرَأُ بفاتحة الكتابِ، وأسألُ اللَّهَ الجنَّةَ، وأعوذُ به مِن النَّارِ، وإِنِّي لا أَدْرِي ما دَنْدَنَتُكَ ولا دَنْدَنَةُ مُعاذٍ، فقال رسولُ اللَّهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إنِّي ومُعاذًا حولَ هاتينِ» أو نحو هذا.
ورواه ابن ماجه برقم: (910)، وابن خزيمة برقم: (725)، وابن حبان برقم: (868)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3163)، صحيح سنن أبي داود برقم: (757).
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«دَندَنَتَكَ»:
أي: كلامك الخفي. كفاية الحاجة، للسندي (2/ 434).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
الدَّندنَة: أنْ يتكلمَ الرجلُ بالكلام تسمعُ نَغمته، ولا تفهمُ عنه؛ لأنه يُخفيه...، والهَينَمَة نحو من تلك، وهي أخفى منها. غريب الحديث، لأبي عبيد (1/ 260).
وقال ابن دريد -رحمه الله-:
الدندنة: نحو الهينَمة والهتملة، وهو الكلام يُردِّدُهُ الإنسانُ في صدره ولا يُفهم عنه. جمهرة اللغة (1/ 193).
شرح الحديث
قوله: «قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لرجلٍ: ما تقولُ في الصلاةِ؟»:
قال سبط ابن العجمي -رحمه الله-:
هذا الرجل هو سُليم الأنصاري...، والظاهر: أنَّ الذي استطول صلاة معاذ، قال ذلك أيضًا، جاء أنَّ اسمه سُليم الأنصاري، وقيل في الذي استطولَ: إنه غير هذا. الحواشي على سنن ابن ماجه (4/ 459).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كيف تقول في الصلاة» إذا جلستَ للتشهد؟ شرح سنن أبي داود (4/ 484).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«كيف تقول في الصلاة؟» أي: كيف تدعو في القَعدة الآخرة من الصلاة؟ بذل المجهود (4/ 185).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو هريرة: «قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجل» من المسلمين، لم أَرَ مَن ذكر اسمَهُ، ولكن كان من قوم معاذ بن جبل، وكان يصلي معه: «ما تقولُ في الصلاة؟» أي: ما تدعو في صلاتك إذا دعوتَ فيها؟ مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 124).
قوله: «قال: أتشهّدُ، ثم أسألُ اللَّهَ الجنةَ، وأعوذُ به من النارِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: أتشهّد» أي: أقول: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، وأقول: اللهم إني أسألُك الجنة، وأعوذ بك من النار. شرح سنن أبي داود (4/ 484).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» الرجل في جواب سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أتشهَّدُ» مضارع تفعّل الخماسي من الشهادة، يريد: تشهُّدَ الصلاة، وهو التحيات، سُمِّيَ تشهُّدًا؛ لأن فيه شهادة "أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله"، أي: أقرأ التحيات في القعود الأخير، «ثم» بعد فراغي من التشهد «أسأل الله» تعالى «الجنةَ» أي: دخولها، «وأعوذ به» أي: أتعوّذ به تعالى «من» دخولِ «النارِ». مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 124-125).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
لا ينافيه ذكر الفاتحة هنا بدل التشهد في الرواية السابقة؛ لاحتمال أنَّه كان يقتصر على الفاتحة في القيام، وعلى التشهد في الجلوس، واقتصر أبو صالح السمَّان على ذكر التشهد، وعبيد الله بن مقسم على قراءة الفاتحة. المنهل العذب المورود (5/ 217).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد أقرّ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هذا الفتى في قوله: "أقرأ بفاتحة الكتاب" ولم يأمره بالزيادة، فدلَّ على أنَّ الزيادة على الفاتحة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبةً لبيّنها النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للفتى، والحاصل: أنَّ الراجح عدم وجوب ما زاد على الفاتحة. البحر المحيط الثجاج (9/ 230).
قوله: «أما واللهِ، ما أُحسنُ دَندَنَتك، ولا دَندنةَ معاذٍ»:
قال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«أما» بفتح الهمزة، وتشديد الميم «إني لا أُحسنُ» من الإحسان، أي: لا أعرفُ ولا أدري ولا أعمل...، «دَندَنَتك» بدالين مفتوحين ونونين... «ولا» أعرف ولا أدري «دَندنةَ معاذٍ» أي: لا أدري ما تدعو به أنت يا رسول الله، وما يدعو به معاذ، إمامُنا، ولا أعرف دعاءك الخفيّ الذي تدعو به في الصلاة، ولا صوت معاذ، ولا أقدر على نظم ألفاظ المناجاة مثلك ومثل معاذ، وإنما ذكر الرجلُ الصحابيَّ معاذًا -والله أعلم- لأنه كان من قوم معاذ، أو هو ممّن كان يُصلي خلف معاذ...، والحاصل: أي إني أسمعُ صوتك وصوت معاذ، ولكن لا أفهم. عون المعبود (3/ 7-8).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- معلقًا:
قول صاحب "العون": «أما» بفتح الهمزة وتشديد الميم غلطٌ فاحشٌ في هذا المقام؛ لأنها ليست شرطيّة، بل هي ها هنا استفتاحية، وهي مخفَّفةٌ لا غير، وكأنَّ صاحب "العون" في كتابه هذا غابَ عنه كيفية استخدام فنون اللغة العربية -رحمه الله تعالى-، وجزاه عنّا على ما أفادنا في كتابه هذا، وجميع المسلمين، وإنما صرّحنا هنا بهذا الغلط؛ لأنه فاحش، ربما يظن المبتدئ أنه صواب، فيستدل به. مرشد ذوي الحجا والحاجة (23/ 17).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
«أمَا» أي: انتبه واستمع ما أقول لك يا رسول الله: «إني والله، ما أحسنُ» ولا أعرفُ «دَندَنتك» بدالين مفتوحتين، ونونين أُولاهما ساكنة، أي: كلامك الخفيّ في الدعاء، أو مسألتك الخفيّة إذا دعوتَ الله في تشهُّدك سرًّا، إذا صلَّيتُ خلفَك، «ولا دندنةَ معاذٍ» بن جبل؛ أي: كلامه الخفيّ منا في الدعاء إذا صلّى بنا. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 125).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«أما» بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، تُذكَر لتحقيق الكلام الذي يتلوها. المنهل العذب المورود (5/ 216).
قوله: «قال: «حولَها نُدندِنُ»:
قال سبط ابن العجمي -رحمه الله-:
الضمير في قوله: «حولَها» وفي رواية هنا «حولَهما» أي: حول الجنة والنار، ومَن رواه بالإفراد، أي: حول الجنة، وفي طلبها «ندندنُ»... ووقع في رواية خارج هذا الكتاب: «عنهما نُدندنُ». الحواشي على سنن ابن ماجه (1/ 465).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الضمير في «حولها» للجنة والنار، أي: حولهما «ندندن» وفي طلبهما، ومنه: دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحد مجيئًا وذهابًا، وأما «عنهما ندندن» فمعناه: أنَّ دندنتنا صادرة عنهما، وكائنة بسببهما. النهاية (2/ 137).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «حولها ندندن» وفي رواية: «هل تصيرُ دندنتي ودندنة معاذ إلا أنْ نسألَ الله الجنة، ونعوذ به من النارِ؟». جامع العلوم والحكم (ص: 605).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
المعنى: ما ندندنُ إلا حول طلب الجنة، والتعوذ من النار، ومن أجلهما، ولا مباينة في الحقيقة بين ما ندعو به نحن، وبين دعائِك. الفائق (1/ 441).
وقال الشيخ سعيد بن وهف القحطاني -رحمه الله-:
«حولَها ندندنُ» وهذا يدل أنَّ جميع الأقوال والدعوات والأعمال، إنما هو من أجل الفوز بالجنة، والنجاة من النار، بعد رضا الله -عز وجل. مقومات الداعية الناجح (ص: 330).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«حولَها نُدندنُ» يعني: هذه الدعوة التي تدعو بها -وهي حصول الجنة والسلامة من النار-، كل الأدعية التي نقولها تدور حول نتيجتها وغايتها، وهي الوصول إلى الجنة، والسلامة من النار. شرح سنن أبي داود (103/ 7).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«ولا أَحسن دَندنتك، ولا دندنة معاذ» يشير إلى كثرةِ دعائهما، واجتهادهما في المسألة. جامع العلوم والحكم (2/ 799).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
«حولها ندندنُ» وهذا يُشعِر بأنه يجوز الدعاء بمصالح الآخرة بأي لفظٍ كان. فتح الباري (7/ 345).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
قد تبيّن بما سبق أنَّ طلب الجنّة، والاستعاذة من النار طريق الأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام-، وجميع أولياء الله السابقين المقرّبين، وأصحاب اليمين، فمَن حاد عن طريقهم فقد ضلّ ضلالًا مبينًا. البحر المحيط الثجاج (1/ 268).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
طلب الجنة، والاستعاذة من النار، طريق أنبياء الله ورسله، وجميع أوليائه السابقين المقربين، وأصحاب اليمين، كما في السنن «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل بعض أصحابه: كيف تقول في دعائك؟ قال: أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال: حولهما ندندن» فقد أخبر أنه هو -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ، وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- إنَّما يدندنون حول الجنة، أفيكون قولُ أحد فوق قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعاذ، ومَن يصلي خلفهما من المهاجرين والأنصار؟ الفتاوى الكبرى (2/ 406-407).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: أنه يدعو الإنسان بأيّ لفظ شاء من مأثور وغيره. سبل السلام (2/ 250).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه من الفقه: أنَّ التخفيف في الأدعية من الصلاة مطلوب؛ ولذلك حسّن النبي -عليه السلام- كلام الرجل بقوله: «حولهما ندندن» ولا سيّما إذا كان إمامًا، حتى قال البعض: "إذا عرف الإمامُ ملل القوم يتركُ الأدعية بالكليَّة". شرح سنن أبي داود (3/ 450).
وقال السندي -رحمه الله-:
المقصود: تسليته بأنَّ مرجع كلامنا وكلامك واحد. كفاية الحاجة (1/ 294-295).