الإثنين 24 ربيع الأوّل 1448 | 2026-09-07

A a

«قلبُ ‌الشيخِ ‌شابٌّ على حُبِّ اثنتينِ: حُبِّ العيشِ والمالِ».


رواه البخاري برقم (6420)، ومسلم برقم: (1046) واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «لا يزالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا في اثْنَتَيْنِ: في حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ».
وفي رواية لمسلم: «طُولُ الحَيَاةِ، وحُبُّ الْمَالِ».
وفي لفظ عند أحمد برقم: (8699)، والترمذي برقم: (2338) «...طُولِ الحياةِ، وكثرةِ المالِ».
صحيح الجامع برقم: (4408)، صحيح الترغيب والترهيب برقم (1711).


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌الشَّيْخِ»:
الرَّجل المُسن. شمس العلوم، للحميري (6/ 3593).
وقال البركتي -رحمه الله-:
الشيخ شرعًا: ما زاد على الخمسين، ويُطْلَقُ على مَن يُقْتَدَىْ به وإنْ كان شابًّا. التعريفات الفقهية (ص: 125).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «‌قلبُ ‌الشيخِ ‌شابٌّ على حُبِّ اثنتينِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«قلب الشيخ» هو مَن دخل سن الشيخوخة، وهي خمسون أو إحدى وخمسون إلى آخر العمر «شاب» أي: قلب شاب، له نشاط الشباب، ورغبته وهواه...
... قيل: وصفه بكونه شابًّا لوجود هذين الأمرين في الشباب أكثر، وبهم أليق «على حب اثنتين» أو على حبه إياهما. التنوير (8/ 86-87).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
والعبارة (أي: التعبير) ها هنا بالشباب عن كثرة الحرص، وبُعْد الأمل الذي هو في الشباب أكثر، وبهم أَلْيَقُ؛ للرجاء في طول أعمارهم، ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا. إكمال المعلم (3/ 582).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «‌قلب ‌الشيخ ‌شاب على حُب اثنتين ...» هذا مجاز واستعارة، ومعناه: أنَّ قلب الشيخ كامل الحب للمال، محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه، هذا صوابه، وقيل: تفسيره غير هذا مما لا يُرْتَضَىْ. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 138).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله في رواية أحمد: «الشيخُ على حُب اثنتين» أي: كائنٌ على حب اثنتين، والمراد: استمراره على ذلك، ودوامه عليه، وأنَّ حبه لهاتين الخصلتين لم ينقطع عنه بشيخوخته. طرح التثريب (4/ 82).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «الشيخ على حُب اثنتين» أي: حريص على حبهما، أو شابٌّ على حبهما، أي: الإنسان إذا صار كبيرًا يصير حريصًا على حب طول الحياة، وكثرة المال، ولعل ذلك؛ لأنه أَلِفَ الحياة، وجرب الانتفاع بالمال، أو لأنه قد قارب فقدهما، فكأنه صار كالممنوع منهما، وطبع الإنسان على الحرص على ما منع منه -والله تعالى أعلم-. حاشيته على مسند أحمد (2/583).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «‌قلب ‌الشيخ ‌شابٌّ» تعبيرٌ بليغٌ، شبَّه قوة حبه للعيش والمال بقوة الشباب، ولا يخفى ما فيه من الإشارة إلى ذَمِّهِ على ذلك، وأنَّه مخالف لما عليه حاله من إقباله على الآخرة، وإدباره عن الدنيا. منة المنعم (2/ 120).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«‌قلبُ ‌الشيخ ‌شابٌّ» أي: قويٌّ نشطٌ «على حب اثنتين» إنما أنَّثه مع قوله: «حب العيش والمال» بتأويه بخصلتين؛ أي: كائن على حب خصلتين، والمراد: استمراره على ذلك، ودوامه عليه، وأنَّ حبه لهاتين الخصلتين لم ينقطع عنه بشيخوخته. البحر المحيط الثجاج (20/ 35).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«الشيخ يضعف جسمه، وقلبه شاب» (لفظ الجامع الصغير وهو عن أبي هريرة أيضًا) أي: له همة الشباب، وقوة شهوته، أو يكمل شباب قلبه عند ضعف جسمه، فيكون أبلغ من قلوب الشباب وأحرص. التنوير (6/ 564).

قوله: «حُبِّ العيشِ والمالِ» وفي رواية: «طُولُ الحياةِ، وحُبُّ الْمَالِ» وفي رواية: «طُولِ الحياةِ، وكثرةِ المالِ»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«حُبَّ العيش» وهو الحياة هنا؛ لأنه يأتي بمعنى الطعام، «والمال» لأن به طيب الحياة، والحديث إخبار في معنى التحذير من ذلك؛ لأنَّ مَن أحب الحياة والمال نسي المعاد والمآل، وأهمل صالح الأعمال...
«طول الحياة» يجوز الجر والرفع فيه، وفي «كثرة المال» والحديث من التوسيع (ويُقال له: التوشيع، وهو فنٌّ من فنون البديع، وسيأتي معناه) كما سلف نظائره. التنوير (8/ 86-87).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «حب العيش، والمال» يجوز فيه الجرّ على البَدَلِيَّة، والرفع على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هو العيش والمال، والنصب مفعولًا لفعل مقدر؛ أي: أعني حب العيش والمال.
وقوله: «حب العيش» هو بمعنى قوله في الرواية التالية: «طول الحياة» أي: طول العمر، وقوله: «والمال» هو بمعنى قوله في الرواية التالية أيضًا: «وحب المال» يعني: أنه يحب جمعه، ومنعه. البحر المحيط الثجاج (20/ 35).
وقال المناوي -رحمه الله-:
و«حبَّ الدنيا» هو «كثرة المال» و«طول الأمل» هو «طول الحياة» وفيه من أنواع البديع التوشيح، وهو الإتيان بمثنى وتعقيبه بمفردين، أخذ بعضهم هذا فنظمه، فقال:
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب *** إنَّ الحريص على الدنيا لفي تعبِ
لو كان يصدقني ذهني وفكرته *** ما اشتد حرصي على الدنيا ولا نصبي
أسعى وأكدح فيما لست أدركه *** والموت يكدح في زندي وفي عصبي.
فيض القدير (4/ 524).
وقال السندي -رحمه الله-:
هذا يعم غالب الشيوخ؛ لأن الصالح منهم قد جرب نفع الحياة في الآخرة فهو يريدها لذلك، وغيره لا يريد فراق الدنيا بعد أنْ استأنس بها مُدَّة مديدة، «وكثرة المال» هذا لغير الزاهدين، فإنَّ الشيخ منهم مُجَرِّب منافع المال في أوقات الحاجة، وأيضًا يصير في معرض الحاجة إليه؛ لأنه يحتاج إلى الخدمة، ولا تتيسر في العادة إلا بالمال؛ فلذلك يحبه حبًّا شديدًا. كفاية الحاجة (2/ 558).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنَّ أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه، فما تزال محبته لها تقوى، خصوصًا إذا أيقن بقرب الرحيل، ثم إنه يحب ما هو سبب قوامها وهو المال، لموضع محبته إياها. كشف المشكل (3/ 332).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أحاديث هذا الباب كلها متواردة على الإخبار عما جُبِلَ الإنسان عليه؛ من حب المال، والحرص على البقاء في الدنيا، وعلى أنَّ ذينك ليسا بمحمودين؛ بل مذمومين، ويحقق الذم في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ويتوب الله على من تاب»، وقد نص الله تعالى على ذم ذلك في قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} البقرة: 96؛ وغيره مما في معناه. المفهم (3/ 92).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال غيره (أي القرطبي): الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أنَّ أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها، فأحب لذلك طول العمر، وأحب المال؛ لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبًا طول العمر، فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتدَّ حبه له، ورغبته في دوامه. فتح الباري (11/ 241).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قيل: دخل رجل على أبي رجاء العطاردي فقال: كيف تجدك؟ قال: حف جلدي على عظمي، وهذا أمل جديد بين عيني، فما خرجنا من عنده حتى مات.
وقال أبو عثمان النهدي: بلغت نحوًا من مائة وثلاثين سنة، وما من شيء إلا وقد عرفت النقص فيه إلا أملي فإنه كما هو... فيض القدير (4/ 524).
وقال المازري -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى أنَّ الإرادة في القلب خلافًا لمن رأى أنَّ ذلك في غيره من الأعضاء. المعلم (2/ 29).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: ذم طول الأمل، والحرص على جمع المال؛ وذلك يقتضي فضل الصدقة للغني، والتعفف للفقير، وهما المبَوَّب عليهما (أي: في متن التقريب، حيث بوَّب: باب فضل الصدقة والتعفف). طرح التثريب (4/ 82).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
والإعلام منه -صلى الله عليه وسلم- بهذا تحذيرًا عن طاعة شباب القلب، ومتابعة هواه، فإنَّ الشباب شعبة من الجنون، فمن أطاع قلبه في شبابه، فقد أطاع الجنون، وجعله قائده إلى كل ما لا تحمد عقباه عند ملاقاته المنون. التنوير (6/ 564).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان ما جُبِلَ عليه الإنسان، وهو حب العيش والمال.
ومنها: بيان ذم طول الأمل، والحرص على جمع المال؛ وذلك يقتضي فضل الصدقة للغني، والتعفف للفقير، قاله ولي الدين -رحمه الله-.
منها: بيان فضل الزهد في الدنيا. البحر المحيط الثجاج (20/ 37).


إبلاغ عن خطأ