الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

«العبادةُ في الهَرْجِ، ‌كهجرةٍ إليَّ».


رواه مسلم برقم: (2948)، من حديث مَعْقِل بن يَسار -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الهَرْجُ»:
«هَرْج» أي: قِتال واختلاط، وقد هرجَ الناسُ يهرِجون هرْجًا، إذا اختلطوا...، وأصلُ الهرْج: الكثرةُ في الشيء والاتِّساع. النهاية، لابن الأثير (5/ 257).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
الهرْجُ: الفتنةُ في آخر الزمان، والهرج: شدَّة القتلِ وكثرتُه. لسان العرب (2/ 389).


شرح الحديث


قوله: «العِبَادَةُ في الهَرْجِ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «العبادةُ في الهَرْجِ» أي: في احتدام الفتنة، واختلاط أمر الناس، فيُحمل أنه في آخر الزمان، الذي أنذر به في الحديث بقوله: «ويكثرُ الهرجُ» ويُحتمل أنه عمومًا في كل وقت، وفَضُلَ الانعزال حينئذٍ لعبادة الله. إكمال المعلم (8/ 509).
وقال القاضي عياض -رحمه الله- أيضًا:
«الهَرْج» بفتح الهاء، وسكون الراء، فسَّره في الحديث: «القتل» وقوله: في بعض الروايات: «الهرج: القتل بلغة الحبشة» وهمٌ من قول بعض الرواة، وإلا فهي عربية صحيحة، والهرج أيضًا: الاختلاط، ومنه قوله: «فلن يزال الهرْج إلى يوم القيامة» ومنه: «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ». مشارق الأنوار (2/ 583).
وقال ابن حجر -رحمه الله-: مُعلِّقًا:
رواية جرير بن عبد الحميد عن الأعمش: «والهرْج بلسان الحبشة: القتل» ونسب التفسير في رواية واصل لأبي موسى، وأصل الهرْج في اللغة العربية: الاختلاط، يقال: هرَج الناس: اختلطوا واختلفوا، وهرج القوم في الحديث إذا كثروا وخلطوا، وأخطأ مَن قال: "نسبة تفسير الهرج بالقتل للسان الحبشة وهمٌ من بعض الرواة، وإلا فهي عربية صحيحة"، ووجه الخطأ: أنها لا تُستعمل في اللغة العربية بمعنى: القتل إلا على طريق المجاز؛ لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرًا إلى القتل، وكثيرًا ما يسمَّى الشيء باسم ما يؤول إليه، واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبش، وكيف يُدَّعَى على مثل أبي موسى الأشعري الوهم في تفسير لفظة لغوية؟! بل الصواب معه، واستعمال العرب الهرْج بمعنى القتل، لا يمنع كونها لغة الحبشة، وإن ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف، كحديث معقل بن يسار رفعه: «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ» أخرجه مسلم، وذكر صاحب المحكم للهرج معاني أخرى، ومجموعها تسعة: شدة القتل، وكثرة القتل، والاختلاط، والفتنة في آخر الزمان، وكثرة النكاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وما يُرى في النوم غير منضبط، وعدم الإتقان للشيء، وقال الجوهري: أصل الهرج الكثرة في الشيء؛ يعني: حتى لا يتميز. فتح الباري (13/ 18-19).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
الهرج: القتال والاختلاط، وإذا عمَّت الفتن اشتغلت القلوب، وإذا تعبَّد حينئذٍ متعبِّدٌ دلّ على قوة اشتغال قلبه بالله -عز وجل-، فيكثر أجرُه. كشف المشكل (2/ 42).
وقال المنذري -رحمه الله-:
الهَرْج: هو الاختلاف والفتن، وقد فُسّر في بعض الأحاديث بالقتل؛ لأن الفتن والاختلاف من أسبابه، فأقيم المسبَّب مقام السبب. الترغيب والترهيب (4/ 59).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
أصل الهرْج: الاضطراب، وأعظمُها: أنْ يكون بالقتال والقتل، وقد كانت هذه الأمة معصومة منه مدَّة من صدر زمانها، مسدودًا عنها بابه، حتى فتحته بقتل إمامها عثمان -رضي الله عنه-...، وأما النجاة من ذلك، فبالإقبال على عبادة الله، والاعتزال عن المخالفين من خلق الله. عارضة الأحوذي (9/ 52-53).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«العبادة» أي: ثوابها مع الاستقامة والاستدامة عليها «في الهرْج» أي: زمن الفتنة، ووقت المحاربة بين المسلمين. مرقاة المفاتيح (8/ 3387).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
العبادات في مثل هذه الظروف التي يغفل بها الإنسان، مع كونها جالبة للحسنات، هي تكفُّه في مثل هذه الظروف عن كثير من المشاكل والسيئات، فالإنسان إذا كان في وقت الرخاء مأمور بالعبادة، فكيف بالعبادة إذا كانت عبادة من جهة، وصارف وواقي ومانع من الوقوع في المحرمات؟ لا شك أنَّ مثل هذا يتضاعف، وأيضًا في مثل هذه الظروف القلوب تنشغل...، وينشغلون بالقيل والقال، ويستطلعون الأخبار، لكن ماذا عن شخص لم يُلقِ لهذه الأمور بالًا؟ لأنه لا حول له ولا قوة، لا يستطيع أن يقدِّم ولا يؤخر، فمثل هذا إذا التجأ إلى ربه، لجأ إلى الله بصدق، وعبَده حقّ عبادته، مثل هذا لا شك أنه من أفضل الناس في هذه الظروف، اللهم إلا مَن يستطيع أن يؤثر على غيره وينفع، ويساهم بما يكشف هذه الفتن، هذا أعظم من العبادات الخاصة. شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (3/ 7).

قوله: «كهِجرةٍ إليَّ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
فالمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت، والمنقطع إليها المعتزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّه يناسبه من حيث إنَّ المهاجر قد فرَّ بدينه عمَّن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك هو المنقطع للعبادة، فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفرَّ من جميع خلقه. المفهم (7/ 309).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«كالهجرة إليّ» وسبب ذلك: أنَّ الناس في زمن الفتن يتّبعون أهواءهم، ولا يرجعون إلى دين، فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهليَّة، فإذا انفرد من بينهم مَن يتمسّك بدينه، ويعبد ربّه، ويتّبع مراضيه، ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة مَن هاجر من بين أهل الجاهليّة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به، متّبعًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه. لطائف المعارف (ص: 238).
وقال النووي -رحمه الله-:
سبب كثرة فضل العبادة فيه: أنَّ الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد. المنهاج شرح صحيح مسلم (18/ 88-89).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«كالهِجرة إليّ» ووجه تمثيله بالهجرة: أنَّ الزمان الأول كان الناس يفرُّون فيه من دار الكفر وأهله، إلى دار الإيمان وأهله، فإذا وقعت الفتن تعيَّن على المرء أن يفر بدينه إلى العبادة، ويهجر أولئك القوم، وتلك الحالة هو أحد أقسام الهِجرة. عارضة الأحوذي (9/ 53).
وقال الشيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله- مُعلِّقًا:
يعني: إذا لم يكن في استطاعة الإنسان أنْ يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو لم تكن أصلًا هناك دار إسلام، أو لم يستطع أن يهاجر من دار البدعة إلى دار السُّنة، أو من دار الظلم إلى دار العدل، فعليه انتقال نفسي، بأنْ يهجُر المعاصي، ويهجُر المحرَّمات، فينتقل من الفتنة إلى طاعة الله -سبحانه وتعالى-، ويهجر معاصي الله، وهذا أحد أقسام الهجرة التي تجب على كل مسلم. عقيدة الولاء والبراء (3/ 4).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «كهجرة إليّ» لوجود المانع الصارف، فلا تتيسر إلا بخروجه من موطن الطبيعة، وخروجه من بين الناس واجتماعهم. لمعات التنقيح (8/ 603).
وقال الشيخ مقبل الوادعي -رحمه الله-:
إقبالك على عبادة الله في وقت الفتن والقتل والقتال، لك فيه أجرٌ عظيم، كهجرة إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وليس معناه: أنَّ لك مثل أجر مصعب بن عمير، أو عبد الله بن مسعود؛ لأن المشبَّهَ لا يلزم أنْ يكون مثل المشبَّهِ به، لكن لك فضل عظيم إذا أقبلت على العبادة في وقت الفتن. تحفة المجيب (ص: 279).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
إنَّ فضل الهجرة عظيم، فهي خروج من المال والأهل والوطن ابتغاء مرضاة الله، وهي تمسك بالدين أمام الوعيد والتعذيب، ومحاربة الأعداء الأشداء، ثم هي جهاد في سبيل الله، وتعريض للنفس أن تُستشهد في سبيل الله، فهل هناك ما يعدلها في الأجر؟! «إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ» وإنَّ آخر الزمان سيكثر الهرْج والقتل والكذب والخيانة والجهل والفحش والزنا، وسيصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، فما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشبه العبادة والتمسك بالدين، بالعبادة في أول الإسلام، وبالهجرة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرارًا بالدين، ونصرة لله ولرسوله، ومن هنا صدق الحديث الشريف: «العبادة في الهرْج كهجرة إليّ» والمتمسك بدينه في آخر الزمان، كالمتمسك بدينه في أوائل الإسلام...، ووجه الشبّه: كثرة الثواب على العبادة...، من ظواهر آخر الزمان: انشغال الناس بدنياهم، وقلة عبادتهم، وأنَّ أجر العبادة حين يقلُّ العابدون أكبر من أجرها عند كثرة العابدين -والله أعلم-. فتح المنعم (10/ 556).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
هذا خبر لا بد من وقوعه، لكنه لا يُقال: لا بد من إيقاعه، يعني: المسألة كونية لا بد من أنْ يقع، لكن شرعًا؟ لا، هل للمسلم أن يسعى لإيقاع ما أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام- في آخر الزمان؟ لا يجوز له ذلك، لكنه لا بد من وقوعه كونًا، فما الذي على المسلم إذا وجد مثل هذه العلامة من علامات قرب الساعة؟ يلزم العبادة، كما جاء في الحديث الصحيح: «العبادة في الهرْج كهجرة إلي» يترك القيل والقال؛ لأنه قد يكون له يد في مثل هذه الموبقة العظيمة التي هي القتل، يترك القيل والقال، ويُقبل على العبادات الخاصة، والنفع المتعدي بقدر المستطاع. شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (2/ 15).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: فضل العبادة في وقت الفتن، والعبادة في الهرج كهجرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة؛ وذلك لأن الناس يكونون مشغولين عن العبادة في وقت الفتن، كما أنَّ القابض على دينه، والصابر عليه في آخر الزمان في وقت الفتن له أجر خمسين، كما جاء في الحديث: «فإنَّ من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله» وزادني غيره قال: «يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم». توفيق الرب المنعم (8/ 362).
وقال العراقي -رحمه الله-:
عُظِّم قدر العبادة في حالة الفتن، حتى قال -صلى الله عليه وسلم-: «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ». طرح التثريب (4/ 232).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كهجرة إليَّ» والهجرة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أعظم القربات. الكوكب الوهاج (26/ 312).


إبلاغ عن خطأ