الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«كنَّا جلوسًا مع عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ؛ إذ جاءَهُ قَهْرَمانٌ له فدَخَلَ، فقال: أعطيتَ الرقيقَ قوتَهُمْ؟ قال: لا، قال: فانطلقْ فأعطِهِمْ، قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يحبِسَ عمَّن يملِكُ قُوتَهُ».


رواه مسلم برقم: (996)، من حديث خَيْثَمَة عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لأحمد برقم: (6828)، وأبي داود برقم: (1692): «كَفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يَقُوتُ».  


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«قَهْرَمانٌ»:
بفتح القاف، وإسكان الهاء، وفتح الراء، وهو: الخازن القائم بحوائج الإنسان، وهو بمعنى: الوكيل، وهو بلسان الفُرْس. شرح مسلم، للنووي (7/ 82).
وقال ابن عباد -رحمه الله-:
القَهْرَمان: المسيطر على مَن تحت يديه، الحفيظ. المحيط في اللغة(1/ 327).

«الرَّقيقَ»:
المَمْلُوكُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وقد يُطْلق على الجماعة كالرَّفِيقِ. النهاية، لابن الأثير (2/ 251).
وقال أبو بكر الأنباري -رحمه الله-:
إنَّما سُمِّي العبيد رقيقًا؛ لأنَّهم يَرِقُّون لمالكهم، ويَخْضَعونَ له، ويذِلُّون. الزاهر في معاني كلمات الناس (1/ 448).

«قُوتَهُ»:
هو ما يقومُ به بَدَنُ الإنسانِ مِن الطَّعَامِ. النظم المستعذب، لبطال (1/ 255).


شرح الحديث


قوله: «كنَّا جلوسًا مع عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو؛ إذ جاءَهُ قَهْرَمانٌ له فدَخَلَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«كنَّا جلوسًا» بالضم: جمع جالس «مع عبد الله بن عمرو» بن العاص -رضي الله عنهما- «إذ جاءه» فجائية؛ أي: فاجأه مجيء «قَهْرَمَان له» -بفتح القاف، وإسكان الهاء، وفتح الراء-: هو الخازن القائم بحوائج الإنسان، وهو بمعنى الوكيل، وهو بلسان الفُرْس، «فدخل» أي: القهرمان. البحر المحيط الثجاج (19/ 253).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وجاءه ‌قهرمان له...» إلى آخره، «القَهْرَمان» الوكيل، كأنه مُعَرَّبٌ، أو مأخوذ من القهر؛ لأن الوكيل مقهور الأمر بالنسبة إلى موكله. المفاتيح (4/ 138).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «إذ ‌جاءه ‌قَهْرمان له»:...ويسمى عند بعض التجار وبعض الأمراء: وزيرًا. توفيق الرب المنعم (3/ 127).

قوله: «فقال: أعطيتَ الرقيقَ قوتَهُمْ؟ قال: لا، قال: فانطلقْ فأعطِهِمْ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» أي: عبد الله له: «أعطيتَ الرقيق» أي: المماليك «قوتهم؟» بحذف حرف الاستفهام «قال: لا، قال: فانطلق» أي: اذهب «فأعطهم». مرقاة المفاتيح (6/ 2193).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» له عبد الله: هل «أعطيتَ الرقيق» أي: المماليك بحذف همزة الاستفهام «قوتهم» أي: غذاءهم؟ «قال» القهرمان: «لا» أي: ما أعطيتهم الغذاء، «قال» عبد الله: «فانطلقْ» أي: فاذهب إليهم «فأعطهم» أي: فأعطهم الغذاء. الكوكب الوهاج (11/ 385).

قوله: «قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يحبِسَ عمَّن يملِكُ قُوتَهُ» وفي رواية أبي داود: «أنْ يُضيِّعَ مَن يَقُوتُ»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «كفى بالمرء إثمًا» أي: إثمًا مهلكًا. الأزهار، مخطوط، لوح (316).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «كفى إثمًا أنْ تحبس عمَّن تملك قوته»، «كفى» فعل ماضٍ، وفاعله فيه مضمر فسره، «إثمًا» أي: كفى الإثم إثمًا حبسك الطعام، و«أنْ» مع ما بعده: مبتدأ، و«كفى» خبر مقدم، مثل: بئس رجلًا زيد، أو خبر مبتدأ محذوف، أو «أنْ» فاعل «كفى»، و«إثمًا» نُصِب على الحال أو التمييز؛ يعني: لو لم يكن لك إثم إلا إثم منع القوت عن المماليك والعيال، أو تأخير قوتهم، لكان يكفيك ذلك الإثم؛ أي: لكان ذلك الإثم عظيمًا. المفاتيح (4/ 138-139).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: كفى بالرجل إثمًا أنْ يحبس» أي: يمنع «عمَّن يملك» وفي معناه: ما يملك، «قوته» مفعول، «يحبس» وفي رواية: «كفى بالمرء إثمًا أنْ يضيِّع» بتشديد الياء وتخفيفها من التضييع أو الإضاعة، «مَن يقوت» أي: قوت مَن يلزمه قوته من أهله وعياله وعبيده، مِن قاته يقوته: إذا أعطاه قوته، ويقال: أقاته يُقِيْتُهُ، ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} النساء: 85. مرقاة المفاتيح (6/ 2193).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«كفى بالمرء إثمًا أنْ يُضَيِّع مَن يقوته» أي: يعطي قوته، والمراد: مَن يلزمه نفقته، وهذا يدل على أنه لا يتصدق بما لا يفضل عن قوت الأهل يلتمس به الثواب؛ لأنه ينقلب إثمًا، ويحتمل أنْ يراد به: أنْ يضيع أمر مَن يقوته وهو الباري تعالى الذي يقوت الخلائق، وفي رواية: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمَّن يملك قوته» نصب بـ«يحبس» والضمير فيه لـ«مَن» معناه: لو لم يكن له إثم إلا إثم منع القوت عن المماليك والعيال أو تأخير قوتهم عن وقت حاجتهم لكفاه ذلك الإثم. شرح المصابيح (4/ 64-65).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «مَن يقوت» يريد مَن يلزمه قوته، والمعنى: كأنَّه قال للمتصدِّق: لا تتصدَّق بما لا فضل فيه عن قوت أهلك، تطلب به الأجر، فينقلب ذلك إثمًا إذا أنت ضيَّعتهم. معالم السنن (2/ 82).
وقال محمد الأُبي -رحمه الله-:
وهو (أي: الحديث) يدل على أنَّ المراد بالنفقة: النفقة في الضروريات؛ لأنها التي تجب، وأما النفقة في التوسعة عليهم فإنها مندوبة، والذي يظهر أنَّ الصدقة أفضل منها، كما لو كان لرجل ديناران دينار يكفي ضروراتهم، وآخر يوسع عليهم به، لكانت الصدقة به أفضل...، وعن بعض أصحاب أيوب السختياني قال: كنتُ مع أيوب على جبل كذا، فأدركني عطش فشكوتُ إليه، فقال: إنْ سترتني أسقيك، فقلتُ: سأستر، فقال: لا، حتى تُقسم لي، فأقسمتُ، فضرب برجله صخرةً وقال: اسقنا ماءً بإذن الله، فانفجرت عينًا، قال: وما كنتُ أعلم له كبير عبادة إلا حسن النفقة على العيال. إكمال إكمال المعلم (3/ 450-451).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنه لا يتصدق إلا بما يفضل عن قوت الأهل والعيال، قيل: ويحتمل أنْ يكون المراد: أنْ يُضَيِّعَ أمر مَن يقوته، أي: يرزقه، وهو اللَّه تعالى، وحينئذٍ يكون المستكن لـ«مَن» والمحذوف للمرء، والمعنى الأول أظهر وأنسب. لمعات التنقيح (6/ 197).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: أنه يجب على مالك الرقيق أنْ ينفق عليهم، وأنه إذا حبس النفقة عنهم يكون آثمًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كفى بالمرء إثمًا أنْ يحبس عمَّن يملك قوته». توفيق الرب المنعم (3/ 127).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
في الحديث: دليل على عظم مسؤولية الإنسان عمَّن تلزمه نفقته، من زوجة وأولاد وأقارب ومماليك وحيوان، وأنَّ تضييع الإنسان وإهماله لمن تحت يده ببخله وإمساكه النفقة عنه من أكبر أسباب الإثم، فالواجب على الإنسان أنْ يتقي الله تعالى، ويبذل النفقة لمن هي لهم، سواء أكان من بني آدم أم من الحيوان، ولا يجوز له أنْ يُقصِّر فيها أو يظلم، أو يحبسها عنهم بغير حق، وعليه أنْ يبدأ بمن يعول -والله تعالى أعلم-. منحة العلام (8/ 172).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. وجوب نفقة المماليك على مالكهم.
2. عِظَمُ مسئولية الإِنسان عمن تحت يده.
3. تضييع الإِنسان لمن تحت يده من أكبر المعاصي. فقه الإسلام (8/ 104).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
1. منها: بيان وجوب النفقة على العبيد.
2. ومنها: بيان كون التقصير في نفقة العبيد إثمًا...
3. ومنها: عناية الشريعة بحقوق جميع الناس، حتى العبيد والبهائم، حيث أوجبت على مُلَّاكها الإنفاق عليهم، والقيام بحقوقهم، فما أكمل الشريعة وأشملها وأقومها وأعدلها وأوفاها {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل: 90. البحر المحيط الثجاج (19/ 255).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: وجوب نفقة المماليك، ومنع ذلك إثم مُهْلِك، وذِكْر القوت وحده للاهتمام به، وللتنبيه على سائر الواجبات من الإدام والكسوة، وغيرهما. الأزهار، مخطوط، لوح (316).


إبلاغ عن خطأ