«لَأنْ يجلسَ أحدُكُم على جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثيابَهُ، فَتَخْلُصَ إلى جِلْدِهِ، خيرٌ له مِن أنْ يجلسَ على قَبْرٍ».
رواه مسلم برقم: (971)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وجاء عند أحمد برقم: (9048) ولفظه: «خيرٌ له من أن يَطَأ على قبر رجلٍ مُسلم».
مختصر شرح الحديث
.
شرح الحديث
قوله: «لَأَنْ يجلسَ أَحدُكُم على جَمرةٍ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لَأَنْ يجلس» في محل رفع على الابتداء، و«أنْ» مصدرية، والتقدير: لَجُلُوسُ أحدكم، وخبره قوله: «خَيرٌ». نخب الأفكار (7/ 472).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لَأَنْ» بفتح الهمزة «يَجْلِسَ»... هو الجلوس المعروف. شرح سنن أبي داود (13/ 543).
وقال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«على جَمْرَة» أي: من النار. عون المعبود (9/ 35).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«لَأَنْ يجلس» بفتح اللام الْمُوَطِّئَةِ للقسم، و«أنْ» مصدرية أُوِّلَتْ ما بعدها بمصدر مبتدأ، خبره «خير» والمراد بالجلوس: القعود عليه، ولو لغير قضاء الحاجة. المنهل العذب المورود (9/ 83، 84).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لَأَنْ يجلس» ... أراد: القعود لقضاء الحاجة، أو الإحداد والحزن، بأن يُلازمه لا يرجع عنه، أو أراد احترام الميت، وتهويل الأمر في القعود عليه تهاونًا بالميت والموت. كفاية الحاجة (1/ 474).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«على جَمْرة» بفتح، فسكون: القطعة الملتهبة من النار، والجمع: جَمْر، مثل: تَمْرَة. البحر المحيط الثجاج (18/ 576).
قوله: «فَتُحْرِقَ ثِيابَهُ»:
قال العظيم آبادي -رحمه الله-:
«فَتُحرِق» بضم التاء، وكسر الراء. عون المعبود (9/ 35).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فَتَحْتَرِقَ ثيابه» وفي نسخة: «فَتُحْرِق». شرح سنن أبي داود (13/ 543).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فَتُحرِق ثيابه» فَتُتْلِف ماله. التنوير (9/ 21).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فَتُحْرِق» بضم أوله، وكسر ثالثه: من الإحراق رباعيًّا، يُقال: أَحْرَقَتْه النار إحراقًا، ويتعدَّى بالحرف، فيقال: أَحْرَقْتُهُ بالنار، فهو مُحْرَق، وَحَرِيق...، ويحتمل أنْ يكون من التحريق، والضمير للجمرة «ثيابه» بالنصب على المفعولية. البحر المحيط الثجاج (18/ 576).
قوله: «فَتَخْلُصَ إِلى جِلْدِهِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«تخلُص» بضم اللام، النار «إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر». شرح سنن أبي داود (13/ 543).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فَتَخْلُص» أي: فتصل الجمرة «إلى جلده» فتحرق جلده. المفاتيح (2/ 448).
قوله: «خَيْرٌ لهُ مِنْ أَنْ يجلس على قَبْرٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«خير له» أي: أحسن له وأهون «من أن يجلس على قبر» الظاهر عمومه (أي: يَعُمُّ قبر المسلم وغيره). مرقاة المفاتيح (3/ 1217).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«خير له من أن يجلس على قبر» فإنه يصيبه من عذاب ذلك أكثر مما ضَرَّ ماله وبدنه. التنوير (9/ 21).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«خير له من أن يجلس على قبر» نكَّرَ القبر؛ ليعم قبر المسلم وغيره من أهل الذمة، ولا ينافيه ما في رواية ابن ماجه من قوله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-: «لَأَنْ أَطَأَ على جمرة أو سيف، أحب إليَّ مِن أنْ أَطَأَ على قبر مسلم» لأن التقييد فيه بقبر المسلم لشرفه؛ ولأنَّه الأصل في الاحترام. المنهل العذب المورود (9/ 83، 84).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
يعني بِذِكْر الجمرة: أنَّها لو أَحْرَقت ثوب هذا الرجل، وخلُصت إلى جلده، فَأَحَسَّ بوقعها، نَفَرَ أن يجلس عليها، وأَنَّ جلوسه على القبر لا يخلُص إليه فيه أَلَمٌ يحس به ويزعجه عن مَقَرِّه ذلك؛ بل هو أَلَمٌ معقول يُكْسِبُهُ عند الله مَذَمَّةً، وسوء حالة، فكانت الجَمْرة أهون من هذا. الإفصاح (8/ 102).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
ذُكِر لأحمد أنَّ مالكًا يتأول حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنَّه نَهَى أن يُجْلَس على القبور» أي: للخلاء، فقال: ليس هذا بشيء، ولم يُعْجِبْه رأي مالك. المغني (2/ 379).
وقال النووي الشافعي -رحمه الله-:
القعود عليه (أي: القبر) حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 27).
وقال زكريا الأنصاري الشافعي -رحمه الله-:
القول بكراهة التنزيه في الجلوس على القبر هو ما عليه الشيخان (الرافعي، والنووي) حتَّى قال (النووي) في (كتابه) المجموع: إنَّ الشَّافعي وجمهور الأصحاب أرادوا بالكراهة كراهة التنزيه، وَصَرَّح به كثيرون منهم، لكنَّه (أي: النووي) خالف في شرح مسلم، فقال: إنَّها كراهة تحريم، وعزَاهُ للأصحاب...، والقول بذلك أقوى دليلًا، لكنَّ الفتوى على الأول. فتح العلام (ص: 311، 312).
وقال ابن قدامة الحنبلي -رحمه الله-:
يُكره الجلوس عليها (أي: القبور) والاتكاء عليها؛ لما رَوَى أبو مَرْثَد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها» ورَوَى أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَأَن يجلس أحدكم على جمرة، تحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر». المغني (2/ 421).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
تحريم الجلوس على القبر؛ لِأَن القبر فيه إنسان مسلم محترم، وجلوسك عليه إهانة له؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: «لأن يجلس أحدكم على جمرة...» الحديث، وهذا يدل على التحريم، وأنه لا يجوز للإنسان أن يجلس على قبر المسلم، وإذا أراد أن يجلس، فليجلس من وراء القبر، يجعل القبر خلف ظهره، أو عن يمينه، أو عن شماله، وأما أن يجلس عليه فهذا حرام. شرح رياض الصالحين (6/ 521).
وقال المغربي -رحمه الله-:
هذا (الجلوس المذكور في الحديث) ظاهرٌ في الجلوس، ولا يُكَنَّى بالجلوس عن قضاء الحاجة، كما يُكَنَّى بالقعود، ويُقاس على الجلوس الاستناد إليه، والاتكاء عليه؛ والعِلَّة في ذلك هو احترام قبر المسلم. البدر التمام (4/ 231).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
أخذ النخعي ومكحول والحسن وابن سيرين بهذه الأحاديث (التي تنهى عن مطلق الجلوس على القبر) وجعلوها على العموم، وكرهوا المشي على القبور، والقعود عليها، وأجاز مالك والكوفيون الجلوس على القبور، وقالوا: إنما نَهَى (الرسول -صلى الله عليه وسلم-) عن القعود عليها؛ للمذاهب... -يريد حاجة الإنسان-، وَاحْتَجَّ بعضهم بأنَّ عليَّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان يتوسد القبور، ويضطجع عليها، وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، أنَّ زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «هَلُمَّ يا ابن أختي، أخبرك، إنَّما نَهَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الجلوس على القبر؛ لِحَدَثِ بولٍ أو غائط» فَبَيَّن زيد -رضي الله عنه- في هذا الحديث الجلوس المنهي عنه في الآثار الأُوَل ما هو؟ وَرُوِي مثله عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، ذكره ابن وهب في مُوَطَّئِه، قال الطحاوي: فَعَلِمْنا أن المقصود بالنَّهي هو الجلوس للبول والغائط، لا ما سواهما. شرح صحيح البخاري (3/ 347، 348).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا الجلوس يُحتمل أنْ يكون لحاجةِ الإنسان، كما قال مالك، ومَن تبعه على ذلك...، وعن الحسن وابن سيرين ومكحول كراهية المشي على القبور والقعود عليها، وقال مالك -رحمه الله-: إنَّما نُهِي عن القعود على القبور فيما نرى للمذاهب -يريد حاجة الإنسان-، وَحُجَّتُه: أنَّ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان يتوسد القبور، ويضطجع عليها، وإذا جاز ذلك جاز المشي والقعود، فلم يبقَ إلا أنَّ ذلك لحاجة الإنسان -والله أعلم-، وهو قول زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وعلى ذلك حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: «ما أبالي قَضَيتُ حاجتي على القبور أو في السوق والناس ينظرون» (يريد) لأنَّ الموتى يجب الاستحياء منهم، كما يجب من الأحياء -والله أعلم-. الاستذكار (3/ 63، 64).
وقال الباجي -رحمه الله- مؤكدًا:
معنى ذلك: أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان يتوسد على القبور، ويضطجع عليها، وهذا أكثر من الجلوس الذي تضمَّنَهُ ظاهر الحديث الذي تعلَّق به ابن مسعود -رضي الله عنه- وعطاء في منع الجلوس على القبور، وهو ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَأَنْ يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر» فَتَأَوَّل مالك -رحمه الله- على أنَّ النهي عن الجلوس على القبور إنما تناول الجلوس عليها لقضاء الحاجة، وقد قال مثل قول مالك زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وهو الأظهر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد زار القبور وأباح زيارتها، ولا خلاف بين المسلمين في جواز الجلوس عليها عند الدفن؛ فيحمل الحديث على ذلك، ويُجمع بينه وبين ما رُوِي من قول علي -رضي الله عنه- وفعله. المنتقى شرح الموطأ (2/ 24).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
اختُلِفَ في معناه (أي: حديث النهي عن القعود على القبر) فمنهم مَن حَمَلَه على ظاهره من الجلوس، ورأى أنَّ القبر يُحترم كما يُحترم المسلم المدفون فيه؛ فيعامل بالأدب، وبالتسليم عليه، وبغير ذلك، ومنهم من تأوَّله على أنه كناية عن إلقاء الحدث في القبور -وهو تأويل مالك-، ولا شك في أنَّ التخلي على القبور وبينها ممنوع؛ إما بهذا الحديث وإما بغيره؛ لحديث المَلَاعِن الثلاث، فإنه مجلس الزائر للقبر، فهو في معنى التخلِّي في الظِّلال والطرق والشجر المثمر، وغير ذلك؛ ولأَنَّ ذلك استهانة بالميت المسلم، وأذىً لأوليائه الأحياء -والله أعلم-. [المفهم (2/ 627).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
حَمَلَهُ (أي: النهي عن القعود على القبر) الأكثرون على ما يقتضيه الظاهر...، وحمله جماعة على الجلوس على القبر لقضاء الحاجة؛ وروي هذا المعنى عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وهو قوله: «إنما نَهَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن الجلوس على القبر؛ لحدث أو غائط أو بول» ورووا أيضًا عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن جلس على قبر يبول عليه، أو يتغوَّط، فكأنما جلس على جمرة نار».
قيل لهم: النهي عن الجلوس عليه في حديث زيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- (الجلوس لقضاء الحاجة) لا ينافي حديث جابر وأبي مرثد -رضي الله عنهما- في النهي عن الجلوس عليه من غير حاجة.
فقالوا: رددنا الْمُجْمل إلى الْمُفَسَّر، مع أنَّا وَجَدنا النقل عن علي -رضي الله عنه- أنَّه كان يتوسد القبر، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يجلس على القبور...
ولكل فئة من الفئتين طريق مستقيم فيما ذهب إليه.
ورأى الأَشْبه وَالأَمثل في بيان هذه الأحاديث: أن يُحْمَل ما فيه التغليظ، على الجلوس لِلْحَدَث؛ فإنه استخفاف بحق المسلم، وهو مُحَرَّم عليه، وما لا تغليظ فيه فإنه يُحمَل على الجلوس عليه؛ نَهى عنه كرامة للمؤمن. الميسر (2/ 397).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُعلِّقًا:
قال بعض العلماء: الْأَوْلى أن يُحمل مِن هذه الأحاديث ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث فإنه يحرم، وما لا تغليظ فيه على الجلوس المطلق فإنه مكروه، وهذا تفصيل حسن، والاتكاء والاستناد كالجلوس المطلق. مرقاة المفاتيح (3/ 1218).
قال ابن حزم -رحمه الله-:
لا يَحِل لأحد أنْ يجلس على قبر، فإنْ لم يجد أين يجلس، فليقف حتى يقضي حاجته...، فقال قائلون بإباحة ذلك، وحملوا الجلوس المتوعد عليه إنما هو للغائط خاصة، وهذا باطل بَحْت؛ لوجوهٍ:
أولها: أنَّه دعوى بلا برهان، وَصْرفٌ لكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن وجهه، وهذا عظيم جدًّا.
وثانيها: أنَّ لفظ الخبر مانع من ذلك قطعًا، بقوله -عليه السلام-: «لَأَنْ يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده: خير له من أن يجلس على قبر» وبالضرورة يَدري كلُّ ذي حس سليم أنَّ القعود للغائط لا يكون هكذا ألبتة، وما عهدنا قط أحدًا يقعد على ثيابه للغائط، إلا مَن لا صحة لدماغه.
وثالثها: أنَّ الرواة لهذا الخبر لم يتعدوا به وجهه من الجلوس المعهود، وما علمنا قط في اللغة (جلس فلان) بمعنى: تَغَوَّط؛ فظهر فساد هذا القول -ولله تعالى الحمد-. المحلى (3/ 358، 359).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عندي أنَّ ما ذهب إليه الجمهور من تحريم الجلوس على القبور هو الصواب؛ للأحاديث الصحاح...، وأمَّا ما احتج به الذين قالوا: إنَّ المراد بالجلوس: قضاء الحاجة عليها، كما نُقِل عن مالك وغيره من الآثار التي رُوِيت عن علي وابن عمر وزيد بن ثابت وأبي هريرة -رضي الله عنهم-، فالجواب عنها أن نقول: أمَّا أثر علي -رضي الله عنه- فضعيف؛ لأنَّ في سنده مولى لآل علي -رضي الله عنه-، وَلَمْ يُسَمَّ، وأما أثر ابن عمر -وإن كان صحيحًا- فلا يعارض الثابت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل يُحمل على أنه لم يبلغه النهي.
وأما أثر زيد بن ثابت -وإن كان صحيحًا- فلا يعارض الأحاديث الصحاح الصريحة بالنهي عن الجلوس، بل هو حديث آخر، سمعه زيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ينهى عن الجلوس لقضاء الحاجة، كما سمعه الآخرون ينهى عن مطلق الجلوس، فهذا هو وجه العمل بالحديثين، وَإنْ سَلَكْنا مسلك الترجيح، فالأحاديث الأخرى تُرَجَّح عليه؛ لكونها أقوى منه، فقد أخرجها مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ومن حديث أبي مرثد الغنوي -رضي الله عنه-، ومن حديث جابر -رضي الله عنه-، وورد أيضًا من حديث عمرو بن حزم -رضي الله عنه- عند النسائي، وفي سنده ضَعْفٌ، لكن يتقوى بالأحاديث المذكورة، فهذه الأحاديث أَرْجَح من حديث زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وأقوى، فَتُرجَّح عليه، لكنَّ الجمع أولى، كما أسلفناه آنفًا.
وأما أثر أبي هريرة -رضي الله عنه- فضعيف؛ لِأَنَّ في سنده محمد بن أبي حميد الأنصاري الزرقي المدني، لَقَّبَهُ حماد (ضعيف)؛ فالصحيح من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- المرفوع، وهو النهي عن الجلوس.
فَتَبَيَّن بهذا: أنَّ الصواب هو ما عليه الجمهور من المَنع عن الجلوس على القبور مطلقًا، وأنَّ النهي فيه للتحريم. البحر المحيط الثجاج (18/579، 580).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا (الحديث) يدل على تحريم الجلوس على القبور؛ لأن فيه امتهانًا لها، والمسلم مُحْتَرَم في حياته، وبعد وفاته، ويدخل في النهي عن الجلوس على القبور القيام والوقوف عليها، وأما قبر الكافر فليس له حرمة.
وتفسير القعود بأنه لقضاء الحاجة تفسير بعيد، وإذا وُجِدَ (الجلوس لقضاء الحاجة) فهو أسوأ، ولكن المقصود: ما هو أعم من ذلك، وهو مجرد الجلوس، ومعلوم أنَّ الإنسان في حالة الجلوس لقضاء الحاجة يجلس على رجليه وجسده، وثيابه لا تمس الأرض، وأما الجلوس على القبر والقعود عليه فهو الذي تَلِي فيه الثياب القبر، فهذا هو الجلوس المقصود من الحديث، وليس الجلوس لقضاء الحاجة. شرح سنن أبي داود (17/371).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
إنَّما ورد التهديد في ذلك؛ لما فيه من الاستخفاف بحق أخيه وحرمته، وفي هذا المعنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كسر عظام الميت ككسره حيًّا». الميسر (2/ 397).