السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«‌اللَّهُمَّ ‌أَصْلِحْ ‌لِي ‌دِينِي ‌الَّذِي ‌هُوَ ‌عِصْمَةُ ‌أَمْرِي، ‌وأَصْلِحْ ‌لِي ‌دُنْيَايَ ‌الَّتِي ‌فِيها ‌معاشِي، ‌وَأَصلِحْ ‌لِي ‌آخِرتِي ‌الَّتِي ‌فِيها ‌مَعادِي، ‌واجْعلِ ‌الحياة زيادة ‌لِي ‌فِي ‌كُلِّ ‌خَيْرٍ، ‌واجعلِ ‌الموت ‌راحةً ‌لِي ‌مِنْ ‌كُلِّ ‌شرٍّ».


رواه مسلم برقم: (2720)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌عِصْمة أمري»:
العصمة: ما يَعْتَصِمُ به، أي: يستمسك ويتقوى به في أموره كلها؛ لئلا يدخل عليها الخلل. جامع الأصول، لابن الأثير (4/ 332).

«‌مَعَادي»:
المعاد: إما موضع العود، أو مصدر، والمراد به: ما يعود إليه يوم القيامة. جامع الأصول، لابن الأثير (4/ 332).


شرح الحديث


قوله: «‌اللَّهُمَّ ‌أَصْلِحْ ‌لِي ‌دِينِي ‌الَّذِي ‌هو ‌عِصْمةُ ‌أَمرِي»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «أصلح لي ديني» بدأ بالأهم وهو الدِّين، ثم وصفه بأنه ‌عصمة الأمر في الدنيا من الهلكة، وفي الآخرة من النار. الإفصاح (8/ 81).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«اللهم ‌أصلح لي ديني الذي هو ‌عصمة أمري» فبدأ بالدين «أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري» الذي به يعتصم الإنسان من الشر، ويعتصم من الأعداء؛ لأنه كلما صلح الدِّين اعتصم الإنسان به من كُل شرٍّ، وصلاح الدين يكون بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-. شرح رياض الصالحين (6/ 25).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «أصلح لي ديني» دعاء بالثبات والاستقرار. الأزهار، مخطوط، لوح (244).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«‌عصمة ‌أمري» أي: ‌رباطه وعماده، والأمر بمعنى الشأن، ومعنى هذا: أن الدين إن فسد لم يصلح للإنسان دنيا ولا آخرة، وهذا دعاء عظيم جمع خير الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحقٌّ على كل سامع له أن يحفظه، ويدعو به آناء الليل وآناء النهار؛ لعل الإنسان يوافق ساعة إجابة فيحصل على خير الدنيا والآخرة. المفهم (7/ 48).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌عِصمة أمري» هو من قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} آل عمران: 103، أي: بعهد الله، وهو الدين، وإصلاح المعاد: اللطف والتوفيق على طاعة الله وعبادته. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1924).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم ‌أصلح لي» أي: عن الخطأ «ديني الذي هو ‌عصمة أمري» أي: ما يعتصم به، في الصحاح: العصمة المنع والحفظ، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} آل عمران: 103، أي: بعهده وهو الدين، وقيل: معناه: أن الدين حافظ جميع أموري، فإنَّ مَن فسد دينُه فسدت جميع أموره، وخاب وخسر في غيبته وحضوره، وحزنه وسروره. مرقاة المفاتيح (5/ 1721).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ديني الذي هو ‌عصمة أمري» فإن العصمة في النفس والمال والعِرض إنما تحصل بالدين. لمعات التنقيح (5/ 252).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«اللَّهم ‌أصلح لي ديني الذي هو ‌عصمة أمري» العصمة: المنع، والعاصم: المانع، فمعنى «‌عصمة أمري»: المانع لكل شأن من شأني في الدنيا والآخرة عن خلاف ما ترضاه. التنوير (3/ 152).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«اللهم ‌أصلح لي ديني الذي هو ‌عصمة أمري» فوصف الدِّين بأنَّه ‌عصمة الأمر، وهو عين الحقيقة؛ لأنَّ صلاح الدين هو رأس مال العبد، وغاية ما يطلبه. توضيح الأحكام (7/ 584).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«‌أصلح لي ديني» بأن تُوفِّقني للقيام بآدابه على الوجه الأكمل، «‌عِصمة أمري» العصمة المنع والحفظ، أي: ما أعتصم به في جميع أموري. توضيح الأحكام (7/ 581).
وقال الشيخ عبد الله عبادي اللحجي -رحمه الله-:
«اللهم ‌أصلح لي ديني الذي هو ‌عصمة أمري» مفرد مضاف فيعمّ، أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإنّ من فسد دينُه فسدت جميعُ أموره، وخاب وخسر في الدنيا والآخرة. منتهى السؤل (4/ 460)
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
ومعنى: «‌عصمة أمري» أي: أن أعتصم به من النار، فإنه لا ينجي الإنسان من عذاب الله إلا التمسك بدين الله -عز وجل-، ثم هو أيضًا ‌عصمة الإنسان من الزلل، فإن الإنسان كلما كان أتقى لله، وأقوى دينًا لله كان أقل زللًا؛ ولهذا نجد أنه كلما كان وازع الدين للناس أقوى قلّت فيهم المعاصي، وقلّ فيهم الفساد، وإذا نقص الوازع الديني كثر الفساد وكثر الظلم، إذن «‌عصمة أمري» أي: الذي أعتصم به من النار؛ وأعتصم به من الزلل في الحياة الدنيا. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 512).

قوله: «‌وَأَصلِحْ ‌لي دُنياي ‌الَّتِي ‌فِيها ‌معاشِي»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ثم ذكر بعد ذلك الدنيا، فقال: «وأصلح لي دنياي» والدنيا صفة لموصوف محذوف، والمحذوف هو الحياة، فإذا قلت: الدنيا؛ فمعناه: الحياة الدنيا؛ فلما أضافها -صلى الله عليه وسلم- قال: «دنياي» أضاف الصفة إليه -صلى الله عليه وسلم-.
ثم ذكر العذر في سؤاله إصلاحها؛ بأن قال: «التي فيها ‌معاشي» يعني: التي أعيش فيها لأعبدك، ومن المعاش الكسب والسعي في الأرض لاستجلاب الرزق؛ وذلك قد يكون عبادة لله -عز وجل-. الإفصاح (8/ 81).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأصلح لي دنياي» أضافها إليه؛ لكونه يعيش فيها، ويتمتع بها. ذخيرة العقبى (15/ 377).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي» أي: احفظ من الفساد ما أحتاج إليه في الدنيا من إنبات زرعٍ، وإثمارِ شجرٍ، وإنماءِ مواشٍ، وإنباع مياهٍ، وإنزال مطرٍ. شرح المصابيح (3/ 222).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
إصلاحُ الدنيا: بوصول الكفاف على وجه الحلال؛ ليتم أمر المعيشة، ويحصل به العونُ على الطاعة، والسلامةُ عن الآفات التي تورث خللًا وتشويشًا في الوقت. لمعات التنقيح (5/ 252).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وصف إصلاح الدنيا بأنها مكان معاشه الذي لا بد منه في حياته. تحفة الذاكرين (ص: 427).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأصلح لي دنياي التي فيها ‌معاشي» أي: مكان عيشي، وزمان حياتي بالكفاف فيما يُحتاج إليه، وبأن يكون حلالًا ومعينًا على طاعة الله. الحرز الثمين (3/ 1501).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«وأصلح لي دنياي» أي: من يعينني على العبادة. مرقاة المفاتيح (5/ 1721).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأصلح لي دنياي التي فيها ‌معاشي» حياتي؛ فإنه لا يتم صلاح الدين المطلوب أوّلًا إلا بصلاح الدنيا. التنوير (3/ 152).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وأصلح لي دنياي التي فيها ‌معاشي» الدنيا حقيقة معاش، وليست مقرًّا، وإنما هي متاع يتمتع به الإنسان، ويعيش به من أجل أن يقوم بطاعة الله، واللهُ ما متَّعَنا بالدنيا من أجل أن نبني القصور، ونكنز المال، ولكن لعبادة الله، فهي معاش فقط، عيش يتمتع به الإنسان؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه». فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 512).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«وأصلح لي دنياي التي فيها ‌معاشي» وأما صلاح الدنيا -لأنَّها مكان وموضع معاشه- فحقيقةٌ لا بد منها في حياته، فمن لم تستقم معيشته، لا تتم له آخرته. توضيح الأحكام (7/ 584).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «وأصلح لي دنياي التي فيها ‌معاشي» أي: الدنيا التي فيها معاش الإنسان، وبدأ بالدين لأهميته. توفيق الرب المنعم (7/ 550).

قوله: «وَأَصْلِحْ ‌لِي ‌آخِرَتِي ‌الَّتِي ‌فِيهَا ‌مَعَادِي»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ثم عقَّب ذلك بأن قال: «وأصلح لي آخرتي التي فيها ‌معادي» فرتب -صلى الله عليه وسلم- الآخرة بعد الدنيا، من حيث إنها بعدها زمانًا ووقتًا، ثم ذكرها -صلى الله عليه وسلم-؛ ليكون ذكره لها إيمانًا بها، وإقرارًا بالمعاد إليها. الإفصاح (8/ 81).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي» مصدر ميميٌّ من عاد: إذا رجع، يعني: ارزقني عملًا يقرِّبني في الآخرة إليك. شرح المصابيح (3/ 222).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
إصلاح المعاد: التوفيق لما يهيِّئ النجاة من العذاب، والفوز بالسعادة في الآخرة. لمعات التنقيح (5/ 252).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأصلح لي آخرتي التي فيها ‌معادي» أي: مكان عودي، وزمان إعادتي، باللطف والتوفيق على العبادة، والإخلاص في الطاعة، وحسن الخاتمة. الحرز الثمين (3/ 1501).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«وأصلح لي آخرتي التي فيها ‌معادي» مصدر عاد إذا رجع، أي: وفقني للطاعة التي هي إصلاح ‌معادي. مرقاة المفاتيح (5/ 1721).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي» عَودي إلى لقائك، والمراد من صلاح الدارين: صلاح أمورهما التي بها تطيب الحياة والممات، والتحقيق: أنه إذا صلح الدين فقد صلح حال الدارين. التنوير (3/ 152).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
سأله إصلاح آخرته التي هي المرجع، وحولها يدندن العباد، وقد استلزمها سؤال إصلاح الدين؛ لأنه إذا ‌أصلح الله دِين الرجل فقد ‌أصلح له آخرته التي هي دار معادِهِ. تحفة الذاكرين (ص: 427).
وقال الشيخ عبد الله عبادي اللحجي -رحمه الله-:
«وأصلح لي آخرتي» بأن توفّقني للأعمال الصالحة التي تنفعني في الآخرة. منتهى السول (4/ 460).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«وأصلح لي آخرتي» أي: بالتوفيق للعبادة والإخلاص في الطاعة، وحسن الخاتمة. مرعاة المفاتيح (8/ 247).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«وأصلح لي آخرتي التي إليها ‌معادي» إليها المعاد، أي: المرجع...، وإصلاح الآخرة بشيئين: النجاة من النار، ودخول الجنة، فإن الإنسان إذا حصل له هذان الأمران فهذا إصلاح الآخرة، وقوله: «التي فيها ‌معادي» يعني: المعاد النهائي الذي هو المأوى الأخير، وأما القبور فليس إليها المعاد، القبور عبارة عن زيارة يقوم بها الإنسان حتى يُبعث. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 512).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«وأصلح لي آخرتي التي إليها ‌معادي» أما صلاح آخرته -التي هي المرجع والمصير- فحول ذلك يسعى العباد بفعل الطاعات، وترك المنهيات. توضيح الأحكام (7/ 584).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي» يعني: بَعْثُ الإنسان إلى ربه، ورجوعه إليه مرة أخرى. توفيق الرب المنعم (7/ 550).

قوله: «‌وَاجْعَلِ ‌الْحَيَاةَ ‌زِيَادَةً ‌لِي ‌فِي ‌كُلِّ ‌خَيْرٍ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
ثم طلب -صلى الله عليه وسلم- ليكون ذكره بعد ذلك كله، أن يجعل الله -سبحانه وتعالى- الحياة زيادة له في كل خير؛ لأن الحياة إنما يقصد بها المؤمنون أن يزدادوا من الخير عند ربهم -جل جلاله-. الإفصاح (8/ 81).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«واجعل الحياة زيادة» أي: سبب زيادة «لي في كل خير» يعني: اجعل عمري مصروفًا فيما تحب، وجنّبني عما تكره. شرح المصابيح (3/ 222).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«واجعل الحياة» أي: طول عمري «زيادة لي في كل خير» أي: من إتقان العلم، وإتقان العمل. الحرز الثمين (3/ 1501).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«واجعل الحياة زيادة لي في كل خير» أي: اجعل حياتي زيادة سبب طاعتي. فيض القدير (2/ 137).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
سأله أن يجعل الحياة زيادة له في كل خير؛ لأن من زاده الله خيرًا في حياته، كانت حياته صلاحًا وفلاحًا. تحفة الذاكرين (ص: 427).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«واجعل الحياة زيادة لي في كل خير» أي: اجعل حياتي سببَ زيادةِ الخيرات، من العبادة والطاعة والإخلاص، وقيل: أي: اجعل عمري مصروفًا فيما تحب وترضى، وجنبني عما تكره. مرعاة المفاتيح (8/ 247).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«واجعل الحياة زيادة لي في كل خير» لم يقل الرسول: أطل عمري؛ بل قال: «واجعل الحياة زيادة لي في كل خير» وهذه الحياة حقيقية أن يكتب الإنسان فيها خيرًا ... ولا شك أن المؤمن كلما ازدادت أيامه في طاعة الله، فإنه خير له، كم من إنسان بقي أيامًا بعد غيره، واكتسب بها درجات كبيرة، فاق من سبقه. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 512).

قوله: «‌واجْعلِ ‌المَوتَ ‌راحَةً ‌لِي ‌مِنْ ‌كُلِّ ‌شَرٍّ»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
«واجعل الموت راحة لي من كل شر» فأراد -صلى الله عليه وسلم- أن يجعل الموت راحة له من كل شر، لا من عبادة الله سبحانه وخدمته، فإن العبادة خير. الإفصاح (8/ 81).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
طلب الراحة بالموت إشارة إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أردتَ فتنة قوم فتوفني غير مفتون» هذا هو الذي يقابله الزيادة في القرينة السابقة، وهذا الدعاء من الجوامع. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1924).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«واجعل الموت راحة لي من كل شر» بأن يكون على شهادة واعتقادٍ حسنٍ وتوبةٍ؛ حتى يكون موتي سببَ خلاصي عن مشقة الدنيا، وحصولِ راحتي في الآخرة. شرح المصابيح (3/ 222).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«واجعل الموت راحة لي من كُلِّ شر» اجعله خيرًا من الحياة التي لا تخلو عن شر، فلا يصيبني شر عذاب القبر وفتنته، ولا شر النار، فهذا دعاء جامع لأنواع الخير كلها في الدين والدنيا والآخرة والأولى. التنوير (3/ 152).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
سأله أن يجعل له الموت راحة له من كل شر؛ لأنه إذا كان الموت دافعًا للشرور، قاطعًا لها، ففيه الخير الكثير للعبد، ولكنه ينبغي أن يقول: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كان الموت خيرًا لي» كما علَّمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه يشمل كل أمر، ومعلوم أنَّ مَن لم يكن في حياته إلا الوقوع في الشرور، فالموت خير له من الحياة، وراحة له من مِحَنِهَا. تحفة الذاكرين (ص: 427).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«واجعل الموت راحة لي من كل شر» يعني: إذا أَمَتَّنِيْ فاجعل في موتي مصلحة، وهي الراحة من كل شر، ومن ذلك: الفتن والشبهات التي تعتري القلوب والإرادات، وفي الحديث: «إن أردتَ بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون». فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 512).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال الحرالي: قد جمع في هذه الثلاثة: صلاح الدنيا، والدين، والمعاد، وهي أصول مكارم الأخلاق التي بعث لإتمامها، فاستقى في هذا اللفظ الوجيز صلاح هذه الجوامع الثلاث التي حلت في الأولين بداياتها، وتمت عند غاياتها، فإصلاح الدين: بالتوفيق لإظهار خطاب ربه من جهة أحوال قلبه وأخلاق نفسه، وأعمال بدنه فيما بينه وبين ربه، من غير التفات لغرض النفس في عاجل الدنيا ولا آجلها، وإصلاح الدنيا بتجنُّب الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهر منه، واستعمال الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه؛ لموافقته لتقويمها، وإصلاح المعاد: بخوف الزجر والنهي التي لا تصلح الآخرة إلا بالتطهر منه؛ لبعده عن حسناها، وخوف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه لتقاضيه لحسناها، والمقصود بالزجر والنهي: الردع عما يضر في المعاد، إلا أن الردع على وجهين: خطاب لِمُعْرِض، ويسمى زجرًا، كما يسمى في حق البهائم، وخطاب لِمُقْبِلْ على التفهم، ويسمى نَهيًا، فكأنَّ الزجر يزيع الطبع، والنهي يزيع العقل، انتهى. فيض القدير (2/ 137).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لشموله لصلاح الدين والدنيا، ووصف إصلاح الدين بأنه ‌عصمة أمره؛ لأن صلاح الدين هو رأس مال العبد وغاية ما يطلبه. تحفة الذاكرين (ص: 427).
وقال المغربي -رحمه الله-:
تضمن هذا الحديث الدعاء بخير الدنيا والآخرة.
وفيه: دلالة على أنه يجوز الدعاء بالموت إذا خاف على نفسه الفتنة، وظاهره: ولو كانت الفتنة في الدنيا بوقوع المضارِّ، ولكنه معارض بحديث: «لا يتمنَّيَنَّ أحدكم الموت لِضُرٍّ نزل به» ويحمل هذا على أن المراد بالشر: ما كان من الشرور المتعلقة بالدين -والله أعلم-. البدر التمام (10/ 477).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
تضمن الدعاء بخير الدارين، وليس فيه دلالة على جواز الدعاء بالموت، بل إنما دلَّ على سؤال أن يجعل الموت في قضائه عليه، ونزوله به، راحة من شرور الدنيا، ومن شرور القبر؛ لعموم كل شر، أي: من كل شر قبله وبعده. سبل السلام (8/ 321).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
هذا من الأدعية الجوامع؛ فإن الله تعالى إذا وفّق العبد للقيام بآداب الدين، ورزقه من الحلال كفافًا، ووفقه للإخلاص، وحسن الخاتمة، وأطال عمره على طاعته، ووقاه من الفتن؛ فقد حصل له سعادة الدنيا والآخرة. تطريز رياض الصالحين (ص: 809).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يُفيده الحديث:
1. استحباب الدعاء بهذه الصيغة.
2. رَدُّ الأمر إلى اللَّه -عز وجل- في جميع الشؤون. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (10/ 359).


إبلاغ عن خطأ