الأحد 24 صفر 1448 | 2026-08-09

A a

«أنَّ زيدَ بنَ أَرْقَمَ رأى قومًا يُصَلُّونَ مِن الضُّحى، فقال: أمَا لقدْ عَلِمُوا أنَّ الصَّلاةَ في غيرِ هذه السَّاعةِ أفضلُ، إنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-قال: صلاةُ الأَوَّابِينَ حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ».


رواه مسلم برقم: (748) من حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «خرجَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- على أهلِ قُبَاءَ وهم يُصَلُّونَ، فقال: صلاةُ الأَوَّابِينَ إذا رَمِضَتِ الفِصَالُ».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«الأَوَّابِينَ»:
جمْعُ: أوَّاب، وهو الكثيرُ الرُّجوعِ إلى اللَّهِ تعالى بالتَّوبةِ، وقيل: هو الْمُطِيعُ، وقيل: الْمُسَبّحُ. النهاية، لابن الأثير (1/ 79).

«تَرْمَضُ»:
الرَّمض: حرُّ الحِجارة من الشمس، والاسم الرَّمضاء، ورمضت الفِصال: أصابها حَرُّ الرَّمضاء في أخفافها. غريب الحديث لإبراهيم الحربي (3/ 1098).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
(فمعنى) تَرْمَضُ: أي: تحترق أخفافها مِن حرِّ الرَّمْضَاء، والرَّمْضَاءُ: الرمل إذا استحرَّت الشمس عليه، وبه سُمِّي رمضان لموافقته حين سُمِّي هذا الزمان، وقيل: لحرِّ جوف الصائم من الجوع والعطش. مطالع الأنوار(3/ 155-156).

«الفِصَالُ»:
جمع فَصِيل، وهي: صغار الإبل. مطالع الأنوار، لابن قرقول (5/ 252).
وقال الركبي -رحمه الله-:
سُمِّي الفَصِيلُ فصِيلًا؛ لأنَّه يُفْصَلُ عنْ أُمِّهِ، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، كما يُقالُ: خَضِيبٌ بِمعنى مَخْضُوبٍ. النظم المستعذب(1/ 144).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «أنَّ زيدَ بنَ أَرْقَمَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ زيد بن أرقم» بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي الكوفي، الصحابي المشهور -رضي الله عنه-. الكوكب الوهاج (9/ 403)

قوله: «رأى قومًا يُصَلُّونَ مِن الضُّحى»:
قال العراقي -رحمه الله-:
الضحى: اسم لأول النهار، وأُضيفت هذه الصلاة لذلك الوقت؛ لأنَّه وقتها، فوقت صلاة الضحى النصف الأول من النهار...، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عمر: «اضحوا عباد الله بصلاة الضحى» وعن علي: «أنَّه رآهم يصلون الضحى عند طلوع الشمس، فقال: هلا تركوها حتى إذا كانت الشمس قيد رمح أو رمحين صلوها؟ فذلك صلاة الأوابين» وفي رواية: «ما لهم نحروها (أي: صلَّوها في أول وقتها مِن نَحْر الشهر وهو أوله) نحرهم الله (قيل: لم يرد حقيقة الدعاء عليهم بالنَّحْر)؟ فهلَّا تركوها حتى إذا كانت بالجبين صلوا، فتلك صلاة الأوابين» وعن شعبة مولى ابن عباس قال: «كان ابن عباس يقول لي: سقط الفيء؟ فإذا قلتُ: نعم، قام فسبَّح» وعن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنَّه كان لا يصلي الضحى حتى تميل الشمس. طرح التثريب (3/ 72).
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«رأى قومًا يصلون مِن الضُّحى» أي: عند ارتفاع الشمس شيئًا يسيرًا. مرقاة المفاتيح (3/ 979).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«رأى قومًا يصلون مِن» صلاة «الضحى» في أول وقتها، وهو مِن ارتفاع الشمس قدر رُمْح. الكوكب الوهاج (9/ 403).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يصلون مِن الضحى» «مِن» زائدة، أي: يصلون صلاة الضحى، ويجوز أنْ تكون تبعيضية، وعليه ينطبق قوله: «لقد علموا» فإنَّه جواب قسم محذوف، أنكر عليهم إيقاع صلاتهم في بعض وقت الضحى، أي: أوله، ولم يصبروا حتى يدخل وقتها المختار، أي: كيف يصلون في هذا الوقت مع علمهم أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضل؟ وعلى هذا المعنى: يجوز أنْ يُجعَل «مِن» ابتدائية، ويكون الإنكار واقعًا على إنشاء صلاة الضحى أول وقته، ويجوز أنْ تكون بيانية، والمبيَّن مُقدَّر، يدل عليه حديث أبي ذر: «ركعتان يركعهما مِن الضحى» أي: من صلاة الضحى. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1240-1241).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «رأى قومًا يصلون» أي: في مسجد قباء، كما في رواية البيهقي «مِن الضحى» أي: بعد طلوع الشمس، وارتفاعها شيئًا يسيرًا، وفي رواية للبيهقي: «رأى ناسًا جلوسًا إلى قاصٍّ، فلما طلعت الشمس ابتدروا السواري يصلون». مرعاة المفاتيح (4/ 351).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«يصلون مِن» «مِن» تبعيضية، ودعوى زيادتها هنا لا حاجة إليها...، أو بيانية لمقدَّر، أي: صلاة هي الضحى، أو ابتدائية، أي: صلاة مبتدأة مِن أول الوقت «الضحى» في غير وقتها الفاضل، فأنكر عليهم برفقٍ، كما هو السُّنة لكل مَن رأى مَن يفعل خلاف الأفضل، أو السُّنة. فتح الإله (5/153).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
جوَّز ابن حجر أنْ تكون (مِن) بيانية لمقدَّر، أي: صلاة هي الضحى، وعندي: أنَّ الابتدائية أظهر، ويؤيده قوله: «إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» بكسر الهمزة، استئناف بيان، ويجوز فتحها للعلة. مرقاة المفاتيح (3/ 979).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ومن هذا (أي: حديث «ومَن خرج إلى تسبيح الضحى...») أخذ أئمتنا قولهم: السُّنة في الضحى فعلها في المسجد، ويكون مِن جملة المستثنيات مِن خبر: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». فتح الإله (3/239).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وفيه: أنَّه على فرض صحة حديث المتن يدلُّ على جوازه، لا على أفضليته، أو يحمل على مَن يكون له مسكن، أو في مسكنه شاغل ونحوه على أنه ليس للمسجد ذكر في الحديث أصلًا، فالمعنى: مَن خرج من بيته أو سوقه أو شغله متوجهًا إلى صلاة الضحى، تاركًا أشغال الدنيا. مرقاة المفاتيح (2/ 612).
وقال العظيم أبادي -رحمه الله-:
ما قاله ابن حجر المكي هو ليس بجيد، والقول ما قال علي القاري -رحمه الله-. عون المعبود (2/ 185).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الشافعية) وغيرهم من العلماء: فعْل ما لا تُسن له الجماعة من التطوع في بيته أفضل منه في المسجد وغيره، سواء في ذلك تطوع الليل والنهار، وسواء الرواتب مع الفرائض وغيرها، وعجيب من المصنف (الشيرازي) في تخصيصه بتطوع النهار، وكان ينبغي أنْ يقول: وفعل التطوع في البيت أفضل، كما قاله في التنبيه، وكما قاله الأصحاب، وسائر العلماء. المجموع(4/ 48).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
أما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: «هي بدعة» فمحمولٌ على أنَّ صلاتها في المسجد، والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة لا أنَّ أصلها في البيوت ونحوها مذموم، أو يقال: قوله: «بدعة» أي: المواظبة عليها؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يواظب عليها؛ خشية أنْ تُفرض، وهذا في حقه -صلى الله عليه وسلم-، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقنا، بحديث أبي الدرداء وأبي ذر، أو يقال: إنَّ ابن عمر لم يبلغه فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الضحى، وأمره بها، وكيف كان فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنَّما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود وابن عمر -والله أعلم-. المنهاج شرح مسلم (5/ 230).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال عياض وغيره: إنَّما أنكر ابن عمر ملازمتها وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة، لا أنَّها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: «أنَّه رأى قومًا يصلونها، فأنكر عليهم، وقال: إنْ كان ولا بد ففي بيوتكم». فتح الباري (3/ 53).

قوله: «فقال: أَمَا لقدْ عَلِمُوا أنَّ الصَّلاةَ في غيرِ هذه السَّاعةِ أفضلُ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«أَمَا» بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: أداة استفتاح وتنبيه، كـ "أَلَا". البحر المحيط الثجاج (15/ 565).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «فقال: أَمَا» بتخفيف الميم، وفتح الهمزة: حرف استفتاح، أَتَى به لتنبيه السامع لما بعده؛ لتأكده؛ ولذا أقسم عليه، كما تُؤذِن به اللام المؤذنة بالقسم في قوله: «لقد علموا أنَّ الصلاة» أي: المعهودة، وهي صلاة الضحى «في غير هذه الساعة» من ساعاته «أفضل». دليل الفالحين (6/ 611-612).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقال» زيدٌ: «أَمَا» بفتح الهمزة والميم المخففة: حرف تنبيه، أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم، والله «لقد علموا» أي: لقد علم هؤلاء المصلون في هذا الوقت «أنَّ الصلاة» أي: أنَّ صلاة الضحى «في غير هذه الساعة» التي هي أول وقتها «أفضل» أي: أكثر أجرًا. الكوكب الوهاج (9/ 403).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
فقال: «لقد» جواب قسم محذوف «علموا أنَّ الصلاة» المذكورة التي هي صلاة الضحى «في غير هذه الساعة أفضل، إنَّ» يجوز فتحها، وكسرها. فتح الإله (5/153-154).

قوله: «إنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: صلاةُ الأَوَّابِينَ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
ثم قال على سبيل الاستئناف البياني أو النحوي: «أنَّ رسول الله، قال: صلاة الأوابين» بفتح الهمزة، وتشديد الواو، ثم موحدة، أي: الرجَّاعين من الغفلة إلى الحضور، ومن الذنب إلى التوبة. دليل الفالحين (6/ 612).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الأوَّابون: جمع أوَّاب؛ وهو مبالغة آيب، وهو مِن: آب إلى كذا؛ أي: رجع، ومنه: قول تَأَبَّط شرًّا:
فأُبتُ إلى فَهمٍ وما كدتُ آيبا.
أي: رجعتُ، فمعنى: الأوَّابين هنا، وفي قوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} الإسراء: 25، أي: الراجعين من الإساءة إلى الإحسان؛ على ما قاله قتادة، وقال مجاهد: التائبون، وابن عمر: المستغفرون، وقال ابن عباس: المسبِّحون، وكل ذلك مُتقارِب. المفهم (2/ 359).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
إنَّما أضاف الصلاة في هذا الوقت إلى الأوَّابين؛ لأنَّ النفس تركن فيه إلى الدعة والاستراحة، فصرفها إلى الطاعة، والاشتغال فيه بالصلاة أَوْبٌ من مراد النفس إلى مرضاة الرب. تحفة الأبرار (1/ 378).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«صلاة الأوابين» الأوَّاب الرجَّاع إلى الله تعالى بترك الذنوب، وفعل الخيرات. سبل السلام (1/ 356).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
الأوَّابون: المطيعون، والأوَّابون: المسبِّحون، وقيل: هذا في قوله: {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} ص: 19، وفي قوله: {أَوِّبِي مَعَهُ} سبأ: 10، وقيل الأوّاب: الرّاحم. إكمال المعلم (3/ 99).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «الأوابين» جمع أوَّاب، صيغة مبالغة، والأوَّاب: الرجَّاع إلى الله تعالى بفعل المأمور، واجتناب المحظور. منحة العلام (ص: 273).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«صلاة الأوابين» وسُمِّيت بذلك؛ للخبر الصحيح: «لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أوَّاب، وهي صلاة الأوابين» (وهو حسن، كما في صحيح الجامع برقم: 7628). مرقاة المفاتيح (3/ 979).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد: أنَّ صلاة الأوابين أفضل مِن صلاة الضحى، ولم يذكر هنا عددها، ولعلها الأربع التي ورد فيها حديث: «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم، تُفْتَحُ لهن أبواب السماء» (هكذا جعلها الصنعاني غير صلاة الضحى، وهو ما ذهب إليه المغربي في النقل التالي). التحبير (6/ 36).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في هذا: إثبات لشرعية النافلة في الوقت المذكور، ولا يلزم منه نفي صلاة الضحى، كما يدل عليه أول الحديث، وهو أنَّه رأى قومًا يصلون من الضحى، فقال: «لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إنَّ رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال...» الحديث؛ لأنَّه إنَّما أراد أنَّ الأفضل أنْ لا يبادر بها بعد ارتفاع الشمس، وإنما يؤخر حتى ترتفع الشمس ويزداد حرها. البدر التمام (3/ 277-278).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث يدل على أنَّ المستحب فعل الضحى في ذلك الوقت، وقد تُوهِّم أنَّ قول زيد بن أرقم: «إنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضل» كما في رواية مسلم، يدلُّ على نفي الضحى، وليس الأمر كذلك، بل مراده أنَّ تأخير الضحى إلى ذلك الوقت أفضل. نيل الأوطار (3/ 81).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قصةُ هذا الحديث: أنَّ رسولَ الله -عليه السلام- دخلَ مسجدَ قُبَاء عند ارتفاعِ الشمسِ ارتفاعًا كثيرًا، فرأى أهلَ المسجدِ يُصَلُّون صلاةَ الضُّحَى، فقال رسول الله -عليه السلام- هذا الحديث، وإنَّما مدَحهم بأنْ يُصَلُّوا صلاةَ الضُّحَى في هذا الوقت؛ لأنَّ هذا الوقتَ وقتُ القيلولةِ والاستراحةِ، فتركُوا الاستراحةَ، واشتغلوا بالصلاةِ، فاستحقُّوا المَدْحَ. المفاتيح (2/ 299).

قوله: «حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ»:
قال النووي -رحمه الله-:
«حينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ» هو بفتح التاء والميم، يُقال: رَمِضَ يَرْمَضُ، كعلم يعلم، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس أي: حين تحترق أخفاف الفصال -وهي الصغار من أولاد الإبل جمع: فَصِيل- من شِدة حَرِّ الرَّمل. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 30).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«حين ترمض» بفتح التاء والميم «الفصال»...، أي: وقتها الأفضل حين يبرك الفصال من شدة حرِّ الرمضاء...، وهي عند مُضِي رُبْع النهار؛ وذلك لأنَّ النفوس تميل فيه إلى الدعة، ويُتَهَيَّأُ فيه للخلوة والنوم، فأشبه جوف الليل، ومِن ثمَّ فُسِّر الشفع والوتر في الآية بهذه الصلاة في هذا الوقت، والوتر في جوف الليل؛، فلذا عظم فضل إحياء هذين الوقتين؛ فطمًا للنفس عن مألوفاتها، وتأنُّسًا بالوقوف بين يدي الحق، ومناجاته.
وأخذ أئمتنا من ذلك: أنَّ هذا وقتها المختار؛ لئلا يخلو كل رُبْع من النهار عن الصلاة، وأما وقت جوازها فيستمر إلى الاستواء (كذا قال، والصواب: إلى قريبٍ منه). فتح الإله (5/153-154).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
أما الفصال والفصلان: جمع فصيل، وهو الذي يفطم عن الرضاعة من الإبل، وأما الرمضاء: شدة الحرّ في الأرض.
وخُصَّ الفصلان هنا بالذكر؛ لأنَّها هي التي ترمض قبل انتهاء شدة الحرّ التي ترمض بها أمهاتها؛ لقلة جلدها؛ وذلك يكون في الضحى، أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها. المفهم (2/ 359).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
«إذا رمضت الفصال» وهو أنْ ينام الفصيل في ظل أمه عند حر الشمس، وهذا هو وقت الضحى (يعني: المختار والأفضل). إتحاف السادة المتقين (5/ 140).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الشافعية): وقت الضحى من طلوع الشمس، ويُستحب تأخيرها إلى ارتفاعها، قال الماوردي: ووقتها المختار إذا مَضَى رُبْع النهار. روضة الطالبين (1/ 332).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
فيه: إشارة إلى مدح الأوابين بصلاة الضحى في الوقت الموصوف؛ لأنَّ الحرَّ إذا اشتدَّ عند ارتفاع الشمس تميل النفوس إلى الاستراحة، فيأنس الأوَّابون بذكر اللَّه، وينقطعون عن كل مطلوب سواه، وعبَّر عن ذلك بقوله: «ترمض الفصال» لأنَّها لرقَّة جلود أخفافها تنفصل عن أمهاتها عند ابتداء شدَّة الحرِّ، فتتركها، وتبرك، وكأنه يشير إلى أنَّ صلاة الضحى عند ارتفاع النهار، وشدَّة الحرِّ أفضل. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (2/ 77-78).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
(فيه) الإشارة إلى الاقتداء بداود في قوله: {إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} ص: 17، 18، فنبَّه على أنَّ صلاته كانت إذا أشرقت الشمس، وأثَّر حرُّها في الأرض، حتى تجدها الفصال حارة، ولا تبرك عليها، بخلاف ما تصنع الغَفَلَة اليوم بصلاتها عند طلوع الشمس، بل يزيد الجاهلون بجهلهم، فيصلونها وهي لم تطلع قدر رمح، ولا رمحين، يعتمدون بجهلهم وقت النهي بالإجماع. عارضة الأحوذي (1/220).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
استُدِلَّ به على فضل تأخير الضحى إلى شدة الحر، وإنَّما أضاف الصلاة في هذا الوقت للأوابين؛ لأنَّ النفوس تميل فيه إلى الدعة والسكون والاستراحة، فصرفها إلى الطاعة، والاشتغال فيه بالصلاة، أدبُ مَن يرد النفس إلى مرضاة الرب. التنوير (7/ 22).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
الأحاديث الواردة في الضحى تتضمن صلاتين:
إحداهما: ما يُفعل بعد طلوع الشمس إذا خرج وقت الكراهة، ويسمونها صلاة الإشراق، وصلاة الضحوة الصغرى أيضًا.
والأخرى: قبيل نصف النهار عند شدة الحر، وتُسمَّى صلاة الضحوة الكبرى، وهذه هي المرادة في هذا الحديث، وجاء في الأحاديث اسم الضحى شاملًا لكل من الصلاتين. مرعاة المفاتيح (4/ 351-352).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: فضيلة الصلاة هذا الوقت، قال أصحابنا (الشافعية): هو أفضل وقت صلاة الضحى، وإنْ كانت تجوز من طلوع الشمس إلى الزوال. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 30).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
الحديث دليل على أنَّ أفضل وقت لصلاة الضحى هو وقت اشتداد حرارة الشمس، وأنَّ هذه صلاة الأوابين، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّهم آبوا ورجعوا إلى طاعة الله وعبادته، حينما اشتغل الناس بأمور دنياهم، من زراعة وتجارة ونحوهما، وأخلد آخرون إلى الراحة، فيقوم هؤلاء يصلون، ويذكرون الله تعالى.
وأما بداية وقت صلاة الضحى فهو من ارتفاع الشمس بعد طلوعها؛ لحديث عمرو بن عبسة الطويل، وفيه: أنَّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال له: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم اقعد عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع...» والله تعالى أعلم. منحة العلام (ص: 274).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان استحباب صلاة الضحى.
2. ومنها: بيان فضيلة صلاة الضحى عند اشتداد الحر...
3. ومنها: بيان جواز صلاة النافلة في المسجد؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى أهل قباء يتنفلون في المسجد، فما أنكر عليهم ذلك، وإنَّما أرشدهم إلى أنَّ الأولى أنْ يصلوه حين ترمض الفصال، ولا تعارض بين هذا وبين حديث: «أيها الناس صلوا في بيوتكم؛ فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» متفق عليه؛ لأنَّ هذا محمول على الأفضلية، وقد تقدَّم البحث فيه، فلا تكن من الغافلين -والله تعالى أعلم بالصواب-. البحر المحيط الثجاج (15/ 567).


إبلاغ عن خطأ