الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«لن ‌يبرحَ ‌هذَا ‌الدينُ ‌قائمًا يقاتلُ عليهِ عِصابةٌ من المسلمين حتى تقوم الساعةُ».


رواه مسلم برقم: (1922)، من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«‌يبرحَ»:
الباء والراء والحاء أصلان يتفرع عنهما فروع كثيرة؛ فالأول: الزوال والبروز والانكشاف. والثاني: الشدة والعظم وما أشبههما. مقاييس اللغة، لابن فارس (1/ 238).

«عصابةٌ»
العصابة: ما يعصب به الرأس، والعصابة: الجماعة من الناس والخيل والطير، والجميع: العصائب. شمس العلوم، نشوان الحميري (7/ 4572).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«عِصابة» بكسر العين، أي: جماعة. شرح المصابيح (4/ 312).


شرح الحديث


قوله: «لن ‌يبرحَ ‌هذَا ‌الدينُ ‌قائمًا»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لن يبرح هذا الدين» يعني: لن يزال هذا الدين يجاهد عليه جماعة من المسلمين إلى يوم القيامة؛ يعني: لا يخلو وجه الأرض من الجهاد إن لم يكن في ناحية يكون في ناحية أخرى. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 341).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
«لن يبرح» قال الراغب: ‌برح: ‌ثبت ‌في ‌البراح، وهو المحل المتسع الظاهر، ومنه قولك: "لا أبرح"، وخص بالإثبات؛ لأن برح وزال اقتضيا معنى النفي، ولا للنفي، والنفيان يحصل منهما الإثبات. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 527-528).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لن يبرح هذا الدين» الذي بعث الله به خاتم رسله «قائمًا» مستقيمًا في الجملة وإن وقع فيه ابتداع. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 120).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«هذا الدين» الإسلامي «قائمًا» أي: ثابتًا على حاله بلا تحريف ولا تبديل. الكوكب الوهاج(20/ 285).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
«لن يَبرَح» بفتح أوله وثالثه، يقال: برح الشيء يبرح، من باب تعب، براحًا: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البارحة، والعرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلة كذا؛ لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحة، قاله الفيومي.
«هذا الدين» الإسلامي «قائمًا» أي: ثابتًا غير متزحزح، ولا متأثر بعواصف هوى أعدائه، وما يبيتونه من حقد وبغض ومكر وخديعة. البحر المحيط الثجاج (33/ 26).

قوله: «يقاتلُ عليهِ عصابةٌ من المسلمين»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يقاتل عليه» جملة مستأنفة بيانًا للجملة الأولي، وعداه بـ"على" لتضمينه معنى تظاهر، أي: يظاهرون بالمقاتلة على أعداء الدين، يعني: أن هذا الدين لم يزل قائمًا بسبب مقاتلة هذه الطائفة، وما أظن هذه العصابة إلا الفئة المنصورة بالشام والمغرب. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2632).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقد اختلف العلماء في هذه الطائفة من هم؟ فذهب طائفة من العلماء إلى أنَّهم أئمة الحديث، وذهبت طائفة أخرى إلى أنَّ المراد بهم: أهل الإجماع وهم العلماء المجتهدون...
والحق ما قاله جماعة من العلماء: أنَّ المراد بهم: المجاهدون في سبيل الله؛ لتصريح الأحاديث بقوله: «يقاتلون» و«ينصرون» ونحوه، وما أطلق فهو محمول على ما قُيِّدَ، كيف وقد صرح بأنَّه ينزل عيسى -عليه السلام- وهؤلاء الذين ينزل فيهم هم الذين يقاتلون الدجال، وهو واضح من لفظ الأحاديث في غير موضع. الإنصاف في حقيقة الأولياء(ص: 53-54).
وقال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«يقاتل عليه» أي: لأجل الدين لا لأمر آخر، وهذه ميزة اتصفت بها طائفة أهل الحديث، فهم مع اشتغالهم بالعلم والتفقه في الدين والدعوة إليه لم يزالوا أبطال الوغى ومقاديم الحروب؛ كلما مست الحاجة للقيام بالجهاد لحفظ الدين وكسر أعدائه، فإذا وقعت الفتنة فيما بين المسلمين جانبوها وابتعدوا عنها -ولله الحمد-. منة المنعم(3/ 297).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يقاتل عليه عصابة من المسلمين»...يعني: لم يزل هذا الدين قائمًا بسبب مقاتلة هذه العصابة... لعل دوام هذه الغلبة على جميع الأمم بالحجة وهو ظاهر -والله أعلم-. الكوكب الوهاج(20/ 285).

قوله: «حتى تقوم الساعةُ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«حتى تقوم الساعة» يعني: لا يخلو وجه الأرض من الجهاد إن لم يكن في ناحية يكون في ناحية أخرى. شرح المصابيح (4/ 312).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى تقوم الساعة»: يقرب قيامها... وفي نسخه زيادة «بالمغرب» قلت: والأغلب في هذا الزمان بالروم نصرهم الله وخذل أعداءهم... قيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك. قلت: فيه بحث؛ فإن أهل المغرب أيضًا وغيرهم يحاربون الكفار أيدهم الله تعالى.
فالتحقيق: أن المراد بالطائفة: الجماعة المجاهدة لا على التعيين، فإن فيما وراء النهر أيضًا طائفة يقاتلون الكفرة قوَّاهم الله تعالى، وجزى المجاهدين عنا خيرًا؛ حيث قاموا بفرض الكفاية، وأعطوا التوفيق والعناية... وهو لا ينافي أن يكون خبرًا معناه الأمر، كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9، فإنا مأمورون وجوبًا أن نحفظ القرآن بالقراءات المتواترة على سبيل الكفاية...
وفي معناه: حديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» رواه الشيخان عن المغيرة، وحديث: «لا تزال طائفة من أمتي قوَّامة على أمر الله، لا يضرها من خالفها» رواه ابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، وحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» رواه الحاكم عن عمر، نعم هذه الأحاديث شاملة للعلماء أيضًا؛ حتى قيل: المراد بهم: علماء الحديث -والله أعلم-. مرقاة المفاتيح (6/ 2462).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى تقوم الساعة» فلا تغلب الأمة على انتزاع دينها منها. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 120).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وقد يشكل بحديث عبد الله بن عمرو الآتي: أن القيامة لا تقوم إلا على شرار الخلق، ولكن وجه الجمع بينهما مذكور في حديث عبد الله بن عمرو نفسه كما سيأتي وهو «أن هذه الطائفة لا تزال ظاهرة حتى يبعث الله ريحًا كريح المسك لا تترك نفسًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة» فكأن المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث الباب: «حتى يأتي أمر الله» هبوب الريح المذكورة، وأما حديث جابر بن سمرة: «‌لن ‌يبرح ‌هذا ‌الدين ‌قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» فالمراد منه: الزمان القريب من قيام الساعة؛ لأن هبوب تلك الريح قريب من يوم القيامة، وهذا الجمع رجحه الحافظ في الفتح. الكوكب الوهاج(20/ 283).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
«حتى تقوم الساعة» وإنما لا يبرح قائمًا غير معوج؛ لأنه يقاتل لأجل إقامته جماعة من المسلمين إلى قرب قيام الساعة. الكوكب الوهاج(20/ 285).
وقال الشيخ محمد بن علي الأثيوبي -رحمه الله-:
«من المسلمين، حتى تقوم الساعة» تقدم أن المراد به: مجيء علامته، وهي الريح اللَّيِّنة التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة. البحر المحيط(33/ 26).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: ‌معجزة ‌ظاهرة؛ ‌فإن ‌هذا ‌الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث، وفيه: دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما استدل به له من الحديث، وأما حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» فضعيف -والله أعلم-. المنهاج شرح صحيح مسلم (13/ 67).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه: بشارة بظهور هذه الأمة على جميع الأمم إلى قرب الساعة. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 303).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
فهم ظاهرون في الناس، وعلى الناس، منكشفون في مواقفهم ومواقعهم، مجاهدون بإيمانهم ومبادئهم.
ويمكن أن تتصف الطائفة الواحدة بهذه المعاني الثلاثة: بأن تكون متمكنة من الحق، متمسكة به، مدافعة عنه، غالبة أعداءهم، منكشفين للناس في مواقعهم ومواقفهم. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 596).


إبلاغ عن خطأ