الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«لا يجتمع كافر وقاتله ‌في ‌النار ‌أبدًا».


رواه مسلم برقم: (1891)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وفي لفظ له: «لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضرُّ أَحدهما الآخر، قيل: مَنْ هُم يا رسول الله؟ قال: مؤمن قتل كافرًا، ثم سَدَّد».


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«سَدَّد»:
سدَّد: من السَّدَادِ، وهو القصد. الفائق في غريب الحديث، للزمخشري (2/ 168).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
السَّدَاد بالفتح: الصواب من القول والفعل. المصباح المنير (1/ 270).


شرح الحديث


قوله: «لا يجتمع كافر»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يجتمع كافر» قُتِلَ على كُفره. الكوكب الوهاج (20/ 209).
وقال العيني -رحمه الله-:
المقصود بالكافر هنا: الحربي، لا المستأمن، أو الذمي، فإن هؤلاء لا يقاتلون. شرح سنن أبي داود (292/ 3).

قوله: «وقاتِله ‌في ‌النار ‌أبدًا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وقاتله» أراد به: المؤمن الذي قتله لإعلاء كلمة الله. شرح المصابيح (4/ 308).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وقاتله» المسلم الذي واظب على الإسلام، وإن دخل النار لكبيرة عليه. الكوكب الوهاج(20/ 209).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قيل: معناه: إذا كان الكافر في النار لا يكون قاتله في النار كما لا تتراءى ناراهما في الدنيا. شرح سنن أبي داود (11/ 53).
وقال العيني -رحمه الله-:
يعني: أن قاتل الكافر يكون في الجنة، لكن إن كان الذي قتل الكافر عليه ذنوب لم يغفرها الله -عزَّ وجلَّ- وعذبه بها في النار فالمعنى: أنه لا يجتمع مع الكافر في الخلود والبقاء، ولا يمنع ذلك من كونه يدخل النار ولكنه يخرج. شرح سنن أبي داود (292/ 3).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا» يعني: إذا كان الكافر في النار لا يكون قاتله في النار. المفاتيح في شرح المصابيح (4/ 338).

قوله: «‌في ‌النار ‌أبدًا»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أبدًا» بمعنى: قَطُّ في الماضي، وعوض في المستقبل تنزيلًا للمستقبل منزلة الماضي. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2628).
وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-:
إنما لم يجمع الله بين الكافر وقاتله في النار من جهة أنه مَحَا كفره من الأرض، ولا فرق بين أن يقتله مغررًا (أي: معرضًا نفسه للهلاك) أو غير مغرر، فلو رماه من بُعْدٍ مع أمنه منه لم يجتمع معه في النار، إلا أنَّ أجر الْمُغرَّر أتمُّ؛ لأن الأجر على قدر النصب. أحكام الجهاد وفضائله (ص:73).

قوله: «لا يجتمعان في النار اجتماعًا يَضُرُّ أحدهما الآخر»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
المعنى: أنه إن دخل المؤمن النار بمعاصيه أُخْرِجَ، فلا يتساوى مُكْثُه ومُكْثُ الكافر، ولا يجتمع معه فيما هو فيه. كشف المشكل (3/ 568).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «اجتماعًا يضُرُّ أَحدهما الآخر» وذلك بأن لا يدخل المؤمن في النار إطلاقًا، أو يدخلها ولكن في مكان لا يراه الكافر حتى يُعَيِّرَه بأنه لم ينفعه إيمانه وجهاده. منة المنعم (3/ 283).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «اجتماعًا يَضرُّ أحدهما الآخر» يدل على أن اجتماعهما ممكن، ولكن هذا اجتماع لا يضر به أحدهما الآخر، بأن يُعَيِّر الكافر المؤمن بأنه لم ينفعك قتلي، وذلك بأن يختلف زمان دخول كل منهما أو مكانه.
واستشكل بعض الناس بعموم الرواية الأولى بأنها تدل على أنهما لا يجتمعان أبدًا، وأجاب عنه العلماء بأن الرواية الأولى المطلقة محمولة على هذه المقيدة. الكوكب الوهاج (20/ 210).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «اجتماعًا يضرُّ أحدهما الآخر» كذا روي في الحديث، ولعله ينظر أحدهما الآخر؛ فإن كان للمؤمن خطيئته أوجبت له دخول النار بعد ذلك المقام، فإنه يكون في مكان لا ينظر إليه الكافر؛ لئلا يشمت به، ولو حملناه على ما روي كان الضرر أن يشمت به ويُعَيِّره ويفسره قوله: «لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا» فإن كان ولا بد من دخول القاتل النار، كان في مكان لا يراه الكفار، إلا أن هذا الحديث مما يدل على أن المؤمن لا ينبغي له أن يجبن عن قتل الكافر؛ لأن الله سبحانه قال: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} التوبة: 111، وتنبيهًا بذلك أن قتل المؤمن الكافر متقدم على أن يقتل الكافر المؤمن. الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 120).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله في الطريق الآخر: «لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضر أحدهما الآخر» مخالف للرواية الأولى، فإن ظاهر تلك: نفي الاجتماع مطلقًا، وظاهر هذه: نفي اجتماع مخصوص، فتعارض الظاهران، ووجه الجمع: حمل المطلق على المقيد، بمعنى: أن من قَتَل كافرًا ثم مات مرتكب كبيرة غير تائب منها فأمره إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه وأدخله النار، ثم إن دخل النار فإنما يدخل حيث يدخل المؤمنون المذنبون، لا حيث يدخل الكافرون، فلا يجتمع ذلك المؤمن مع مقتوله الكافر أبدًا، ولا يلقاه حتى يخاصمه، كما قد جاء: أن بعض الكفار يجتمع ببعض المؤمنين في النار، فيقولون لهم: ما أغنى عنكم إيمانكم ولا عبادتكم إذ أنتم معنا، فيضج المؤمنون إلى الله تعالى حتى يخرجوا، فإذا خرجوا، وتفقدهم الكافرون، فلم يروهم، قال بعضهم لبعض: {وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ} ص: 62-63، وقيل: في الآية غير هذا -والله تعالى أعلم-. المفهم (3/ 725-726).

قوله: «قيل: مَن هُم يا رسول الله؟»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«قيل: مَن هُم يا رسول الله؟» كان حقه أن يقول: من هُما يا رسول الله؟ فيحتمل: أنه جمع باعتبار تعدد صاحبي هذه الحالة. فتح المنعم (7/ 536).

قوله: «ثم سَدَّد»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ثم سدَّد» أي: استقام على الطريقة الحميدة المثلى في دينه، بأن تاب توبة نصوحًا، وآمن وعمل عملًا صالحًا بقية حياته. فتح المنعم (7/ 537).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ثم سَدَّد» أي: عاش على السَّداد، أي: على الاستقامة في الدِّين، ومعلوم أن هذا النوع من المجاهدين لا يدخل النار حتى يتضرر بالاجتماع مع مَقْتُولِه الكافر، وهو نوع واحد من المجاهدين، وهو الأكثر، واكتفى به عن النوع الثاني -وهو من يدخل النار لسوءِ عمله بعد الجهاد-؛ لأنه الأقل النادر، ولأنه مفهوم من السياق، ولا يليق الجهر به في موضع البشارة. منة المنعم (3/ 283).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «ثم سَدَّد وقارب» يفيد أنه مشروط بعدم الانحراف بعد ذلك. حاشية السندي على سنن النسائي (6/ 13).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يحتمل: أن هذا مختص بمن قتل كافرًا في مجاهدة العدو، وأنَّ ذلك تكفير لذنوبه حتى لا يعاقب عليها، أو تكون بنية مخصوصة وحاله -والله أعلم- بها.
ويحتمل: أن تكون عقابه إن عوقب بغير النار في الأعراف، كالحبس عن دخوله الجنة، فلا يدخل النار، أو يكون إن عوقب بها لا يكون حيث يعاقب الكفار، ولا يجتمع معهم في إدراكها.
وقوله في الحديث الآخر: «اجتماعًا يضر أحدهما الآخر» يدل أنه اجتماع مخصوص، وهو مشكل المعنى، وأوجه ما فيه: أن يكون يحتمل ما أشرنا إليه ألا يجتمع معه في وقت إن استحقَّ للعقاب فيُعَيِّره بدخوله معه، وأن إيمانه وقتله إياه لم يُغْنِه، وقد جاء مثل هذا في بعض الآثار، ولكن قوله في هذا الحديث: «مؤمن قتل كافرًا ثم سدد» رادٌّ إشكالًا؛ لأن المؤمن إذا سَدَّد، ومعناه: استقام على الطريقة ولم يخلط ولا راع.
والسداد والسدد: الفضل، لم يدخل النار جملة، قتل كافرًا أو لم يقتله، ووجهه عندي: أن يرجع قوله: «ثم سدد» على الكافر القاتل، ويكون بمعنى الحديث المتقدم: «يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا فيستشهد فيدخل الجنة، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد»، وقد ذكر البخاري هذه الترجمة على نحو ما ذكرناه: باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد، لكن لم يدخل هذا الحديث المشكل، وأدخل حديث الضحك بنصه، فلعله لم يدخله لإشكاله، أو لأنه رأى فيه فهمًا، وأن صوابه: مؤمن قتله كافر ثم سدد، فهذا يطابق ترجمته لو جاءت به رواية، ولكن الأحاديث الأُخر جاءت بمثل هذا، ويكون معنى قوله في هذا الحديث: «لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضر أحدهما الآخر» أي: لا يدخلانها للعقاب، ويكون هذا تخصيصًا واستثناء من اجتماع الورود، وتخاصم العباد على حبس جهنم، كما جاءت به الآثار، والله أعلم بمراد نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأن ذلك من تجاذبهما ومطالبة المقتول للقاتل لا تضره ولا تدركه تبعاته؛ لأنه إنما قتله في الله وفي سبيل الله. إكمال المعلم (6/ 313-314).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد استشكل بعض الرواة هذا اللفظ (أي: «سدد»)، وجهة الإشكال: أن مآل السداد هو الاستقامة على الطريقة من غير زَيْغ، ومن كان هذا حاله لا يدخل النار؛ قتل كافرًا أو لم يقتله، وسلك في الانفصال عن هذا الإشكال أن حمل «سدد» على أسلم، بمعنى: أن القاتل كان كافرًا ثم أسلم، وصرفه للحديث الآخر الذي قال فيه: «يضحك الله لرجلين».
قلتُ: وهذا الإشكال إنما وقع لهذا القائل من حيث فسَّر السداد بما ذكر، والذي يظهر لي: أنه ليس المراد بالسداد هنا ما ذُكِر، بل بعض ما ذُكِرَ، وهو أن يسدد حاله في التخلص من حقوق الآدميين التي تقدم الكلام عليها في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين»، فإذا لم تكفر الشهادة الدين كان أبعد أن يكفره قتل الكافر.
ويحتمل: أن يقال: سدد بدوام الإسلام حتى الموت، أو باجتناب الموبقات التي لا تغفر إلا بالتوبة، كما تقدم في الطهارة -والله تعالى أعلم-. المفهم (3/ 725).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
واستُشْكِل هذا بمن قتل كافرًا وارتكب الكبائر، فالظاهر: أنه يعاقب على ما ارتكب من الكبائر، وأجاب عنه بعض العلماء بأن من قتل كافرًا لمرضاة ربه سبحانه فإنه يكفِّر عنه جميع ذنوبه حتى الكبائر، فلا يدخل النار أبدًا. الكوكب الوهاج (20/ 209).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
يلزم أن لا يدخل المجاهد النار أبدًا، فإنه لو دخلها لساواه، ويؤيده قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة في الفصل الثاني: «ولا يجتمع على عبد غُبَار في سبيل الله ودخان جهنم» وفي رواية: «في مِنْخَري مسلم». الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2628).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
قلت: وعندي أن مقصود الحديث: الأخبار بأن هذا الفعل يكفر ما مضى من ذنوبه كلها كبائرها وصغائرها دون ما يستقبل منها، فإن مات عن قرب أو بعد مدة وقد سدد في تلك المدة لم يعذب، وإن لم يعذب أخذ بما جناه بعد ذلك لا بما قبله؛ لأنه قد كفر عنه. السراج المنير شرح الجامع الصغير (4/431).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
النار دركات، يحتل الكافر المقتول دركًا منها، فـ(أل) في «النار» للعهد، فإن كان قاتله مؤمنًا في معركة الإسلام فواضح أنه لا يجتمع معه في ناره، وإن كان قاتله مؤمنًا في غير معركة الإسلام فناره -إن عوقب- غير نار الكافر المقتول، فلا يجتمع معه في ناره، وإن كان قاتله كافرًا مات على كفره كانت له للقتل نار أخرى ودَرَك آخر، غير نار الكفر من غير قتل، فلا يجتمع كافر وقاتله في نار معيَّنة أبدًا، بخلاف اجتماع المقتول وقاتله في جنة واحدة. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (7/ 536).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
ظاهر هذا: أن المسلم إذا قتل الكافر لم يدخل النار بوجه من الوجوه، ولم يُقَيِّده في هذا الطريق بقيد، لكن قال في الرواية الأخرى: «ثم سدد». المفهم (3/ 724).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
المنفي اجتماع خاص، اجتماع يُعَيِّر فيه المقتول الكافر قاتله المؤمن بأنه لم ينفعه إيمانه، إذ اجتمعا في النار، ولا يمنع هذا اجتماعهما في النار اجتماعًا آخر لا تَعْيير فيه. فتح المنعم(7/ 536).


إبلاغ عن خطأ