الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

«قيلَ: يا رسولَ اللهِ، ادْعُ على المشرِكِين، قال: إنِّي لم أُبْعَثْ لَعَّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رحمةً».


رواه مسلم برقم: (2599)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.


مختصر شرح الحديث


.


غريب الحديث


«لَعَّانًا»:
أصل اللعن: الطَّرد والإبعاد من الله، ومن الخَلْقِ بالسَّب والدُّعاء. النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير (4/ 255).
وقال الراغب -رحمه الله-:
اللَّعْنُ: الطَّرد والإبعاد على سبيل السَّخط؛ وذلك مِن الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدُّنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومِن الإنسان دعاء على غيره، قال تعالى: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} هود: 18. المفردات (ص: 741).

«بُعِثْتُ»:
بعثت: أي: أُرْسِلْتُ. فيض القدير، للمناوي (2/ 572).
وقال الراغب -رحمه الله-:
أصل البَعْث: إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بَعَثْتُهُ فَانْبَعَثَ، ويختلف البَعْث بحسب اختلاف ما عُلِّق به، فَبَعَثْتُ البعير: أثرته وسيَّرته، وقوله -عز وجل-: {وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} الأنعام: 36، أي: يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة. المفردات (ص: 132-133).


شرح الحديث


قوله: «قيلَ: يا رسولَ اللهِ، ادْعُ على المشرِكِين»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال: قِيلَ» لم يُعرف القائل، «يا رسولَ اللهِ، ادْعُ» بالهلاك «على المشرِكِين» المراد بهم: بنو عامر، فقد أخرج الطبرانيُّ في المعجم الكبير عن كَرِيز بن سامة، وقد كان وَفَد إلى النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، قال: قيل: يا رسول الله، ادعُ على بني عامر، فقال: «إني لم أُبعث لعَّانًا» وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، ولفظه: عن كَرِز بن سامة، قال: «وكان وَفدَ إلى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «اللَّهُمَّ اهدِ بني عامر، اللَّهُمَّ اهدِ بني عامر» ثلاثًا، وقيل للنبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «ادعُ على بني عامر، فقال: «إني لم أُبعثُ لعَّانًا» وأنَّ النبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عقد راية بني سليم حمراء. انتهى. البحر المحيط الثجاج (40/ 682-683).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
لا خلاف في جواز لعن الكفرة، والدعاء عليهم، واختلفوا في جواز الدعاء على أهل المعاصي؛ فأجازه قومٌ، ومنعه آخرون، وقالوا: يُدعَى لهم بالتوبة، لا عليهم.
وقيل: إنَّما يُدعى على أهل الانتهاك في حين فعلهم ذلك، وأما في إدبارهم فيُدعى لهم بالتوبة. المفهم (2/ 304).
وقال العراقي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: أمَّا الدُّعاءُ على أهلِ المعاصي ولَعْنهم مِن غيرِ تَعيينٍ، فلا خلافَ في جوازِهِ؛ لقوله: «لَعنَ اللَّهُ السارقَ يسرِقُ البَيْضةَ»، «لَعنَ اللَّهُ مَن غيَّرَ منارَ الأرضِ» ونحو ذلك، وأمَّا مع التَّعيينِ فوقع كثيرًا في الأحاديثِ، كقوله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-: «اللَّهُمَّ لا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمِ بنِ جثَّامةَ»...، أمَّا لَعْنُ الكافِرِ المعيَّنِ فلا شكَّ أنَّه -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- كان يَفْعَلُهُ، ولكنْ هل لنا أنْ نتعاطَى ذلك، فمنعَ منه أبو حامدٍ الغزاليُّ، إلَّا أنْ يُقيِّدَ ذلك بأنْ يموتَ على كُفْرِهِ -واللَّهُ أعلم-. طرح التثريب (2/ 292).

قوله: «قال: إنِّي لم أُبْعَثْ لَعَّانًا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «إِنِّي لم أُبْعَثْ» بالبناء للمفعول، حال كوني «لَعَّانًا». البحر المحيط الثجاج (40/ 683).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إني لم أُبعثْ لعَّانًا...» كان هذا منه -صلى الله عليه وسلم- بعد دعائه على رِعْلٍ وذَكْوَان وعُصيَّة، الذين قتلوا أصحابه ببئر مَعُونة، فأقام النبي -صلى الله عليه وسلم- شهرًا يدعو عليهم، ويلعنهم في آخر كل صلاة من الصلوات الخمس، يقنت بذلك، حتى نزل عليه جبريل، فقال: إنَّ الله تعالى لم يبعثك لعَّانًا، ولا سبَّابًا، وإنَّما بعثك رحمةً، ولم يبعثك عذابًا، ثم أنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} آل عمران: 128، على ما خرَّجه أبو داود في مراسيله، من حديث خالد بن أبي عمران، وفي الصحيحين ما يُؤيِّد ذلك، ويشهد بصحته. المفهم (6/ 582).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قوله: «لم أُبعثْ لعَّانًا» يعني: أنَّ تكثير اللعن ليس من دأبي وسُنَّتي، أما دعوته على رِعْلٍ وذَكْوَان حين قتلوا أصحاب بئر مَعُونة، فإما أنْ يكون قبل هذا الحديث، وصار هذا الحديث كالنَّاسخ له، وإليه مال القرطبي...، وإمَّا أنْ يكون في أسباب مخصوصة مستثناة من عموم هذا الحديث -والله سبحانه أعلم-. الكوكب الوهاج (24/ 393-394).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إِنِّي لم أبْعثْ لعَّانًا» بالتَّشْدِيدِ، أي: مُبالغًا في اللَّعْن، أي: الإبعاد عن الرَّحمة، والمراد هنا: نفي أصل الفِعْل وذا قاله لما قيل له: ادْعُ على الْمُشْركين، أي: لو دَعَوْت عليهم لبعدوا عن الرَّحمة، مع كوني لم أبْعثْ بهذا. التيسير (1/ 366).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إني لم أبعثْ لعَّانًا» أي: ولو على جماعة مخصوصة من الكافرين؛ لقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوب عَلَيْهِم أَوْ يُعَذِّبهم} آل عمران: 128. مرقاة المفاتيح (9/ 3714).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«إني لم أبعثْ لعَّانًا» يعني: لو كنتُ أدعو عليهم لبَعُدوا عن رحمة الله؛ ولصرتُ قاطعًا عن الخير، فإني ما بُعثت لهذا. شرح المصابيح (6/ 235).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إني لم أبعثْ لعَّانًا»...ولعن الكَافِر الْمُعَيَّنِ قبل موته لا يجوز. التيسير (1/ 367).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «لم أُبعثْ لعَّانًا» أي: لم أُبعث لأُهْلِكَ الخَلْق؛ لأنَّ اللعنة إذا وقعت منه -صلى الله عليه وسلم- أهلكت. الإفصاح (8/ 139).

قوله: «وإنَّما بُعِثْتُ رحمةً»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وإنَّما بعثتُ رحمةً»، «إنَّما» للحصر؛ يعني: ما بعثتُ إلا رحمة للعالمين، أما كونه -صلى الله عليه وسلم- رحمة للمؤمنين فظاهر، وكونه رحمة للكافر؛ فلا يعجل الله في عقوبته في الدنيا؛ لوجوده -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} الأنفال: 33. المفاتيح (6/ 144).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وإنَّما بعثتُ رحمةً» أي: للناس عامة، وللمؤمنين خاصة، متخلِّقًا بوصْفَيِ الرحمن الرحيم؛ ولقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالمَينَ} الأنبياء: 107. مرقاة المفاتيح (9/ 3714).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «وإنَّما بعثتُ رحمةً» أي: إنَّما بعثتُ لأقرِّب الناسَ إلى الله تعالى، وإلى رحمته، وما بعثتُ لأبعدهم عنها، فاللعن منافٍ لحالي، فكيف ألعن؟! الكاشف عن حقائق السنن (12/ 3705).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإنَّما بعثتُ رحمةً» أُخرِج العباد من الكفر إلى الإيمان، (و) أدعو العباد إلى ذلك، فإنْ أجابوا أفلحوا، وإنْ أَبَوْ خسروا، ولا أدعو عليهم بالإبعاد من رحمة الله. التنوير (4/ 213).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنَّما بعثتُ رحمةً» هذا كقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء: 107، أي: بالرسالة العامة، والإرشاد للهداية، والاجتهاد في التبليغ، والمبالغة في النُّصْح، والحرص على إيمان الجميع، وبالصبر على جفائهم، وترك الدعاء عليهم؛ إذ لو دعا عليهم لهلكوا، وهذه الرحمة يشترك فيها المؤمن والكافر، أما رحمته الخاصة فلمن هداه الله تعالى، ونوَّر قلبه بالإيمان، وزيَّن جوارحه بالطاعة، كما قال تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ} التوبة: 128، فهذا هو المغمور برحمة الله، المعدود في زمرة الكائنين معه في مستقر كرامته، جعلنا الله منهم، ولا حال بيننا وبينهم. المفهم (6/ 582-583).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وإنَّما بعثتُ رحمةً» أي: ما بعثتُ إلا رحمةً للعالمين، أما للمؤمنين فظاهرٌ، وأما للكافرين فلأنَّ العذاب رُفع عنهم في الدُّنيا بسببه. شرح المصابيح (6/ 235).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أقولُ: بل عذاب الاستئصال مرتفعٌ عنهم ببركة وجوده إلى يوم القيامة. مرقاة المفاتيح (9/ 3714).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
اتساعُ خُلُقه العظيم في الحلم والعفو مع القدرة، وصبره -صلى الله عليه وسلم- على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه -عليه السّلام- عن الكافرين به، المقاتلين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجِراح، بحيث كسرت رباعيته، وشُجَّ وجهه يوم أُحُد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شق ذلك على أصحابه شديدًا، وقالوا: لو دعوتَ عليهم، فقال: «إني لم أُبعث لعَّانًا، ولكني بعثتُ داعيًا ورحمةً، اللهم اغفر لقومي، أو اهدِ قومي، فإنهم لا يعلمون». المواهب اللَّدُنِّيَّة (2/ 105).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: بيان أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- لم يبعثه الله تعالى لعَّانًا لعباده، وإنَّما بعثه رحمةً لهم، فهو -صلَّى الله عليه وسلَّم- رحيم بعباد الله كلّهم، فهو كما قال الله -عزَّ وجلَّ- في تحقيق وصفه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ} التوبة: 128، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال:
رَحْمَة كُلُّهُ وَحَزْمٌ وَعَزْمٌ *** وَعِصْمَةٌ وَوَقَارٌ وَحَيَاءُ.
ومنها: ما قاله بعضهم (في حديث آخر): «وإنَّما أنا رحمةٌ» أي: ذو رحمة، أو مبالغ في الرَّحمة، حتى كأني عَيْنها؛ لأنَّ الرحمة ما يترتب عليه النفع ونحوه، وذاته كذلك، وإذا كانت ذاته رحمة، فصفاته التابعة لذاته كذلك...، ولا يُشْكِل على الحصر وقوع الغضب منه -صلَّى الله عليه وسلَّم- كثيرًا؛ لأنَّ الغضب لم يُقْصَد مِن بَعْثه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، بل القصد بالذات الرحمة، والغضب بالتبعية، بل في حكم العدم، فانحصر فيها مبالغة، أو المعنى: أنه رحمة على الكلّ، لا غضبٌ على الكلّ، أو أنَّه رحمة في الجملة، فلا ينافي الغضب في الجملة أنَّه رحمة في الجملة، ويكفي في المطلب إثبات الرحمة. انتهى (فيض القدير: 2/ 572).
ومنها: أنَّ هذا الحديث بمعنى قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء: 107، قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: يُخبر تعالى أنَّ الله جعل محمدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- رحمةً للعالمين؛ أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمَن قَبِل هذه الرحمة، وشكر هذه النعمة سَعِد في الدنيا والآخرة، ومن ردّها، وجحدها خسر الدنيا والآخرة. البحر المحيط الثجاج (40/ 685-686).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ لعن المشركين، والدعاء عليهم بالهلاك وإنْ كان جائزًا، فتركه أفضل. الأزهار، مخطوط، لوح (474).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه:
• أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سُئل أنْ يدعو لم يفعل، وأراه لو سُئل أنْ يدعو لهم بالهداية لما امتنع.
• وأنَّ بقاء المشركين من رحمة الله للمؤمنين؛ ليتخذ منهم شُهداء بأيديهم؛ وليستمر بقاء الجهاد في سبيل الله؛ لاستمرار بقائهم. الإفصاح (8/ 139).

وأما ما وقع منه -صلى الله عليه وسلم- من سبٍّ أو شتمٍ أو لعنٍ...كما في قوله: «فإنما ‌أَنا ‌بشرٌ ‌فأيُّ ‌المؤمنين ‌آذيتُه، ‌شَتَمْتُهُ، ‌لعنتُهُ، ‌جلدتُهُ ‌فاجعلها ‌له ‌صلاة، ‌وزكاة، ‌وقُربة ‌تُقَرِّبُهُ ‌بها ‌إليك ‌يوم ‌القيامة»، فقد تأوله العلماء وفصلوا في شرحه (هنا


إبلاغ عن خطأ