«فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بِيَدَيَّ، ثم أَشْعَرها وقلَّدَها، ثم بَعَثَ بها إلى البيتِ، وأَقامَ بالمدينةِ، فما حَرُمَ عليه شيءٌ كان له حِلًّا».
رواه البخاري برقم: (1696) ومسلم برقم: (1321) واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (1321): «لا يَعْتَزِلُ شيئًا ولا يَتْرُكُهُ».
مختصر شرح الحديث
.
غريب الحديث
«فَتَلْتُ»:
يُقال: فَتلْتُ الحَبل وغيره وفَتَلَ الشّيءَ يَفْتِله فَتْلًا، فهو مَفْتُول وفَتِيل، وفَتَلَه: لَواه. لسان العرب، لابن منظور (11/ 514).
«قلائِد»:
جمع قلادة، وهو ما يُجعل في العُنُق مِن خيطٍ أو سَير. المفهم، للقرطبي (3/ 421).
قال الأزهري -رحمه الله-:
القِلادة: ما جُعل في العُنُق، جامعٌ للإنسان والبَدَنة والكلْب. تهذيب اللغة (9/ 47).
«بُدْنِ»:
البُدن جمع بَدَنة، سُمِّيت بدَنة؛ لعِظَمِها وضخامتها، يريد الإبل الصحاح الأجسام، والبقر، ولا تسمَّى الغنم بدنةً؛ لصغرها. لباب التأويل، للخازن (3/ 258).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
البَدَنَة: تَقَعُ على الجمل والنَّاقة والبقرة، وهي بالإبل أَشْبَه، وسُمِّيت بدَنةً لِعِظَمِها وسِمنِها. النهاية (1/ 108).
«أَشْعرهَا»:
الإشْعار: هو أنْ تشقَّ في إحدى صَفْحَتَيْ سنام البعير، حتى يسيل الدم، وسُمِّيَ إشعارًا؛ لأنه علامة على وجوب حكم الهَدْي في الْمَشْعَر. اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه، للقرطبي (2/ 149).
وقال اليفرني -رحمه الله-:
الإشعار: أنْ يطعن الهدي في أَصل سِنامه؛ ليكون علامة أنه هدي، وقال بعضهم: إشعارها: تقليدها، وكلا التفسيرين مُحتمل. الاقتضاب (1/ 425).
«قَلَّدَهَا»:
تقليدُ البَدَنة: أنْ يُعَلَّق في عُنُقها عُروَةُ مَزادةٍ، أو خَلقُ نعْلٍ، فيُعْلَمَ أنَّها هَدْيٌ. تهذيب اللغة، للأزهري (9/ 47).
شرح الحديث
قولها: «فَتَلْتُ قلائد بُدْنِ رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بِيَدَيَّ»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فتلتُ» أي: لويتُ «قلائد» جمع قلادة، وهي ما يُعلَّق في العُنق «بُدْن» جمع بدنة. بذل المجهود (7/ 69).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
يريد بـ«البُدْن» البُدْنَ التي أهداها، وبعث بها مع أبي بكر في العام السابق على العام الذي حج بنفسه، ويدل عليه سياق الحديث. تحفة الأبرار (2/ 162).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قولها: «بيدي» فيه إعانة الحاج ومساعدته في أعمال الحج، وكذا إعانة المجاهد والمرابط، ومَن كان في طاعة، فإنه من المعاونة على البر والتقوى. شرح سنن أبي داود (8/ 263).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
(وفي لفظ) «مِن عِهْنٍ كان عندي» فيه ردٌّ على مَن كره القلائد من الأوبار، واختار أنْ تكون من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك، وقال ابن التين: لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف والله أعلم. فتح الباري (3/ 548).
قولها: «ثم أَشْعَرَهَا وقَلَّدَهَا»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثم أَشعرها» أي: البُدْن «وقلَّدها» هو -عليه الصلاة والسلام-. إرشاد الساري (3/ 219).
وقال العيني -رحمه الله-:
التقليد: هو أنْ يُجعَل في عنق الهدي قلادة مِن نعل أو قطعة مزادة.
والإِشعار: أنْ يُطعن في شق سنامه الأيمن بالشفرة. نخب الأفكار (9/ 148).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
الإشعار: أنْ تطعن في سنام البدنة حتى يسيل منه دم، وقد أنكر الإشعار بعض أهل العلم، ورآه من جملة الْمُثلة المنهي عنها، وليس الإشعار من المثلة في شيء، وقد أشعر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بُدنَه في آخر أيام حياته، وكان نهيه عن المثلة أول مَقدَمِه المدينةَ، وإنَّما الإشعار علامة يُعلم بها أنها بدنة؛ لتتميز بها عن الأموال المملوكة، كالوسم بالحديد المحمي بالنار، لتتميز به الأملاك، ولا تختلط الأموال، فالإشعار باب، والمثلة باب آخر. أعلام الحديث (2/ 895).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«ثم أشعرها...» فيه: مشروعية الإشعار، وهو أنْ يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يَسْلُتَهُ، فيكون ذلك علامة على كونها هديًا، وبذلك قال الجمهور من السلف والخلف، وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه للاتباع، حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد، فقالا: هو حسن، قال: وقال مالك: يختص الإشعار بمن لها سنام، قال الطحاوي: ثبت عن عائشة وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه، فدل على أنه ليس بنُسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال الخطابي وغيره: اعتلال مَن كره الإشعار بأنه من الْمُثلة مردود، بل هو باب آخر كالكيِّ وشَقِّ أذن الحيوان ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم، وكالختان والحجامة، وشفقة الإنسان على المال عادة فلا يخشى ما توهَّموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيد الذي كرهه به، كأنْ يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تَهلك البدنة مكروه، فكان قريبًا، وقد كثر تشنيع المتقدمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار، وانتصر له الطحاوي في المعاني، فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يفعل على وجهٍ يخاف منه هلاك البُدن كسراية الجرح، لا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سد الباب عن العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسُّنة في ذلك فلا، وفي هذا تعقب على الخطابي، حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإشعار إلا أبا حنيفة، وخالفه صاحباه فقالا بقول الجماعة، انتهى وروي عن إبراهيم النخعي أيضًا أنه كَرِهَ الإشعار، ذكر ذلك الترمذي قال: سمعتُ أبا السائب يقول: كنا عند وكيع فقال له رجل روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مُثلة، فقال له وكيع: أقولُ لك أَشْعَرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتقول: قال: إبراهيم؟! ما أحقك بأن تحبس، انتهى.
وفيه تعقب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف، وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعين الرجوع إلى ما قال الطحاوي، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه.
تنبيه: اتفق مَن قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أنَّ الغنم لا تُشعر لضعفها، ولكون صُوفها أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نُقل عن مالك فلكونها ليست ذات أسنمة، والله أعلم. فتح الباري (3/ 544-545).
وقال العراقي -رحمه الله-:
«وقلَّدها...» فيه: استحباب تقليد الهدي، وهو أنْ يُجعل في عنقه ما يُستدل به على أنه هدي، وهو متفق عليه في الإبل والبقر، واختلفوا في استحباب تقليد الغنم، فقال به الشافعي وأحمد والجمهور (وقد سبق بيانه في حديث تقليد الغنم)...
(و) لم يتبيَّن في هذه الرواية جنس القلائد المفتولة، وفي الصحيحين من رواية ابن عون عن القاسم عن عائشة قالت: «فتلتُ قلائدها من عِهْن كان عندي» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «أنا فتلتُ تلك القلائد من عِهْن كان عندي»، وقد اختلف في العِهْنِ بكسر العين المهملة، وإسكان الهاء، فقيل: هو الصوف، وقيل: الصوف المصبوغ ألوانًا، وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنَّ التقليد بالخيوط المفتولة يكون في الغنم، فيقلِّدها، إما بذلك، وإما بخُرب القِرَب، بضم الخاء المعجمة، وهي عُراها وآذانها، وأما الإبل والبقر فقالوا: يُستحب تقليدها نعلين من هذه النعال التي تُلبس في الرِّجْلين في الإحرام، ويُستحب أنْ يكون لها قيمة، ويتصدق بهما عند ذبح الهدي، قال المالكية: ولو اقتصر على التقليد نعل واحد جاز، والأول أفضل، وقال أصحابنا: إنه لا تُقلد الغنم النعل؛ لثقله عليها، بخلاف الإبل والبقر، ولم أرهم قالوا: إنه لا تقلد الإبل والبقر بالخُرب والخيوط، بل استحبوا أنْ يكون بالنعال، وسكتوا عن نفي ما عداها، وهذا الحديث صريح في تقليد الإبل بالخيوط، ولا سيما الرواية المتقدمة: «فتلتُ قلائد بُدْن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم أَشْعَرَها وقلدها»، ومن المعلوم أن الإشعار لا يكون في الغنم، وتناوُل لفظ البُدْن للإبل متفق عليه، وإنما الخلاف في إطلاقه على غيرها، كما تقدم، والله أعلم.
وقال بعض المالكية بكراهة تقليد النعال والوبار، وقال ابن حبيب: احْبُلُ القلائد من مسد (أي: ليف). طرح التثريب (5/ 150-152).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
هذا الذي ذكرناه مِن استحباب تقليد الهدي، إنَّما رأيتُ أصحابنا الشافعية ذكروه في الهدي المتطوَّع به والمنذور، وقسَّم المالكية دماء الحج إلى هدي ونسك، وقالوا: إنَّ الهدي جزاء الصيد وما وجب لنقص في حج أو عمرة كدمِ القِران والتمتع والفساد والفوات وغيرها، وقالوا: إنَّ النسك ما وجب لإلقاء التَّفَثِ وطلب الرفاهية من المحظور المنجبر، وجعلوا التقليد من سُنة الهدي.
وقال الحنفية: إنَّ التقليد إنما يكون في هدي المتعة والتطوع والقران دون دم الإحصار والجماع والجنايات، وفرَّقوا بينها بأنَّ الأول دم نسك، وفي التقليد إظهاره وتشهيره، فيليق به.
وأما الثاني: فإنَّ سببه الجناية والستر أليق بها، قالوا: ودم الإحصار جائز، فأُلحق بها، وذكر ابن حزم الظاهري هذا التفصيل عن أبي حنيفة، ثم قال: وقال مالك والشافعي: يُقلَّد كل هدي ويُشْعَر، قال: وهذا هو الصواب؛ لعموم فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، انتهى.
وفيما ذكره نظر؛ فإنه لا عموم في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، والهدي الذي ساقه إنما كان متطوعًا به، ولم يكن عن شيء من الدماء الواجبة المذكورة، والدماء الواجبة لا تُساق مع الحاج من الأول؛ لأنه لا يدري هل يحصل له ما يوجبها أم لا، ولم أرَ أصحابنا تعرَّضوا لذلك، كما تقدم، فينبغي تحقيقه، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 152).
وقال النووي -رحمه الله-:
«ثم أشعرها وقلَّدها...» فيه: دليل على استحباب الجمع بين الإشعار والتقليد في البُدْن، وكذلك البقر.
وفيه: أنه إذا أرسل هديهُ أشعره وقلَّده من بلده، ولو أخذه معه أخَّر التقليد والإشعار إلى حين يحرم من الميقات، أو من غيره. شرح النووي على مسلم (9/ 71).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الذي يظهر لي أنَّ التقليد والإشعار إنَّما نُقلا في هدي التطوع والقران والتمتع، وأما الجنايات فلم يُنقَلْ فيها ذلك، فما قاله الحنفيّة أظهر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (24/ 298).
قولها: « ثم بَعَثَ بها إلى البيتِ»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«ثم بعث» -عليه الصلاة والسلام- «بها» أي: بالبُدْنِ، مع أبي بكر الصديق...، «إلى البيت» الحرام. إرشاد الساري (3/ 219).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قولها: «ثم بعث بها إلى البيت» فيه استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وإنْ لم يسافر معه مُرْسِله، ولا أحرم في تلك السَّنة.
فإنْ قلتَ: قولها -رضي الله عنها- من رواية مسروق عنها: «فتلتُ لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني: القلائد- قبل أنْ يحرم» يقتضي أنه أحرم بعد ذلك، وهذا اللفظ في صحيح البخاري.
قلتُ: يحتمل أنَّ مرادها قبل السَّنة التي أحرم فيها، ويحتمل: أنَّها أخبرت في هذه الرواية عن حاله في سَنة إحرامه، وفي الرواية الأخرى عن حاله في سَنة أخرى، ويُصرِّح بأنه فعل ذلك في السَّنة التي لم يحرم فيها قولها -رضي الله عنها- من رواية عمرة عنها: «ثم بعث بها مع أبي» وهو في الصحيحين، والمراد أنه بعث بها مع أبيها أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في حجَّته سنة تسع، وفي الصحيح أيضًا: «ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة» وهي صريحة فيما ذكرناه، والله أعلم. طرح التثريب (5/ 150).
وقال العراقي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «ثم يبعث بها» أي: مُقلَّدة، كما هو مُصرَّح به في الصحيحين من رواية أفلح عن القاسم عن عائشة قالت: «فتلتُ قلائد بُدْن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي، ثم أشعرها وقلدها، ثم بعث بها إلى البيت» الحديث، وفيه: أنه إذا أرسل هديه أشعره وقلده من بلده، ولو أَخَذَه معه أخَّر التقليد والإشعار إلى حين يُحرم من الميقات أو غيره. طرح التثريب (5/ 152-153).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «ثم بعث بها إلى البيت» المهدي له حالان:
إما أنْ يقصد النسك، ويسوق الهدي معه، فيكون التقليد والإشعار عند الإحرام.
وإما أنْ يبعث بها ويقيم فيكونان عند البعث بها من المكان الذي هو مقيم به، كما في هذا الحديث، ولا يحرم عليه بعد البعث بها ما يحرم على المحرم؛ لقولها: «فما حرم عليه شيء كان له حلًّا». نيل الأوطار (5/ 118).
قولها: «وأَقام بالمدينةِ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«وأقام بالمدينة» أي: حلالًا. تحفة الباري (4/ 178).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وأقام بالمدينة» أي: وما ذهب إلى البيت للحج والعمرة. بذل المجهود (7/ 69).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأقام بالمدينة» فيه استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب، سواء كان قادرًا على الذهاب معه أم لا، وكذلك مَن لم يذهب إلى بيت المقدس، فليبعث إليه بزيت يُسرج في قناديله. شرح سنن أبي داود (8/ 263).
قولها: «فما حَرُمَ عليه شيءٌ كان له حِلًّا» وفي لفظ: «ثم لا يَعْتَزِلُ شيئًا ولا يَتْرُكُهُ»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فما حرم عليه شيءٌ» أي: من محظورات الإحرام. تحفة الباري (4/ 178).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«فما حَرُم عليه شيء» لأجل بعْثِ الهدي «كان له حلًّا» قبل البعث، حاصله: أنه لم يُحْرِم. بذل المجهود (7/ 69).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قولها: «فما حَرُم عليه شيءٌ كان أُحِلَّ له» إنَّما قالته ردًّا لِمَا بلغها من فُتيا ابن عباس فيمن بعث هديًا إلى مكة أنه يَحْرُم عليه ما يحرم على المحرم، حتى يبلغ الهدي محله، ويُنحر. تحفة الأبرار (2/ 162).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يعتزل» ولا يبتعد «شيئًا» مما يعتزله المحرم مِن لبس المخيط، واستعمال الطِّيب، وملامسة النساء مثلًا، «ولا يتركه» عطف تفسيري للاعتزال. الكوكب الوهاج (14/ 364).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قولها: «ثم لا يعتزل شيئًا» أي: مما يعتزله الحاج، مِن لبس المخيط، واستعمال الطيب، وملامسة النساء. منة المنعم (2/ 319).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: أنَّ مَن أرسل هديًا إلى الكعبة، لا يصير مُحْرمًا بمجرد ذلك، ولا يجري عليه حُكْم الإحرام، ولا يلزمه أنْ يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وسواء قلَّد هديه أم لم يقلده، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وقال ابن المنذر: كان ابن عمر يقول: إنْ قلَّد هديه فقد أحرم، وبه قال النخعي والشعبي، وقال عطاء: سمعنا ذلك، وقال الثوري وأحمد وإسحاق: إذا قلَّد هديه فقد أَحرم، وبه قال النخعي والشعبي، وقال عطاء: وجب عليه، وبه قال أصحاب الرأي، انتهى. طرح التثريب (5/ 153-155).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
الحاصل: أنَّه قد ثبت أنَّ التقليد مع عدم التوجه معها لا يُوجِب الإحرام، وأما ما تقدَّم من الآثار مطلقة في إثبات الإحرام فقيدناها به حملًا لها على ما إذا كان متوجهًا، جمعًا بين الأدلة، وشرطنا النية مع ذلك؛ لأنه لا عبادة إلا بالنية بالنص، فكل شيء رُوي من التقليد مع عدم الإحرام، فما كان محله إلا في حال عدم التوجه والنية، فلا يعارض المذكور شيء منها. فتح القدير (2/ 516).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
(فيه) دليل على ما قدمناه أنَّ مَن بعث بهديه، ولم يخرج بنفسه حاجًّا ولا معتمرًا، أنه يفعل ذلك في موضعه، بخلاف مَن خرج فيفعله من ميقاته، وأنه لا يكون حرامًا بتقليده وإشعاره حتى ينوي الحج، وهو قول كافة العلماء والسلف وفقهاء الأمصار، وإنَّما فيه خلاف عن ابن عباس وابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وحكاه الخطابي عن أصحاب الرأي، وأنه إذا أشعر أو قلَّد فقد لزمه الإحرام، واختلف هؤلاء: هل التحليل كالتقليد والإشعار أم لا؟ إكمال المعلم (4/407- 408).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
المذهب القوي هو أنَّ باعث الهدي لا يصير مُحْرِمًا؛ لثبوته عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأسانيد صحيحة، وما ذهب إليه ابن عباس وغيره لم يثبت عنه بسند صحيح، والله تعالى أعلم. تحفة الأحوذي (3/ 559).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وهذا الحديث يرد ما روي عن أمِّ سلمة عن النبيَّ أنه قال: «مَن رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره أو أظفاره حتى يَضحي». وأخذ بظاهر حديث أُمِّ سلمة سعيد بن المسيب، وأحمد، وإسحاق. وقال الليث: قد جاء هذا الحديث، وأكثر الناس على خلافه.شرح صحيح البخاري(6/٢٨).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استدل الداودي بقولها: «هديه» على أنَّ الحديث الذي روته ميمونة (الصواب أم سلمة) مرفوعًا: «إذا دخل عشر ذي الحجة، فمَن أراد أنْ يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره» يكون منسوخًا بحديث عائشة، أو ناسخًا، قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك؛ لأن عائشة إنَّما أنكرت أنْ يصير مَن يبعث هديه محرمًا بمجرد بعثه، ولم تتعرَّض على ما يُستحب في العشر خاصة من اجتناب إزالة الشعر والظفر، ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة، قال: والحديث المذكور أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، قلتُ: هو من حديث أم سلمة لا من حديث ميمونة، فوهِمَ الداودي في النقل، وفي الاحتجاج أيضًا، فإنه لا يلزم من دلالته على عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحي أنه لا يُستحب فعل ما ورد به الخبر المذكور لغير المحرم، والله أعلم. فتح الباري (10/ 23).
وقال النووي -رحمه الله-:
مذهبنا: أنَّ إزالة الشعر والظفر في العشر لمن أراد التضحية مكروه كراهة تنزيه حتى يضحي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يُكره، وقال سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود: يحرم، وعن مالك أنه يكره، وحكى عنه الدارمي: يحرم في التطوع، ولا يحرم في الواجب.
واحتج القائلون بالتحريم بحديث أم سلمة: «إذا دخلتِ العشرُ وأرادَ أحدُكُم أَنْ يُضحِّيَ فلا يَمَسَّ مِنْ شعرِهِ وبَشَرِهِ شيئًا»، واحتج الشافعي والأصحاب عليهم بحديث عائشة أنها قالت: «كنتُ أفتل قلائد هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يقلده، ويبعث به، ولا يُحْرَم عليه شيء أحلَّه الله له حتى ينحر هديه»، رواه البخاري ومسلم، قال الشافعي: البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك، والله أعلم. المجموع (8/ 392).
وقال العيني-رحمه الله-:
(وهذا) يَردُّ حديث أُمِّ سلمة ويدفعه، ومما يؤيِّد وهنه وضعفه أن مالكًا روى عن عمارة بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب قال: «لا بأس الاطِّلاء بالنَّورة في عشر ذي الحجة»، فتَرْكُ سعيد لاستعماله هذا الحديث وهو راويه دليل على أنه عنده غير ثابت أو منسوخ.
وقد أجمع العلماء على أن الجِمَاع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحِّي، فما دونه أحرى أن يكون مباحًا، ومذهب سائر الفقهاء بالمدينة والكوفة أنه لا بأس بحلق الرأس وتقليم الأظفار وقصِّ الشَّارب في عشر ذي الحِجَّة. 10/ 293 ـــ 294
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
أما حديث عائشة فهو إنَّما يدلُّ على أنَّ مَن بعث بهديه وأقام في أهله فإنه يقيم حلالًا، ولا يكون مُحْرمًا بإرسال الهدي، ردًّا على مَن قال من السلف: يكون بذلك مُحْرِمًا؛ ولهذا روت عائشة لما حكي لها هذا الحديث، وحديث أُم سلمة يدل على أنَّ مَن أراد أنْ يُضحي أمسك في العشر عن أخذ شعره وظفره خاصة، فأي منافاة بينهما؟ ولهذا كان أحمد وغيره يعمل بكِلَا الحديثين، هذا في موضعه، وهذا في موضعه، وقد سأل الإمام أحمد أو غيره عبد الرحمن بن مهدي عن هذين الحديثين فقال: هذا له وجه، وهذا له وجه، ولو قُدِّر بطريق الفرض تعارضهما لكان حديث أم سلمة خاصًّا، وحديث عائشة عامًّا، ويجب تنزيل العام على ما عدا مدلول الخاص؛ توفيقًا بين الأدلة، ويجب حمل حديث عائشة على ما عدا ما دل عليه حديث أم سلمة؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن ليفعل ما نهى عنه، وإنْ كان مكروهًا. تهذيب سنن أبي داود (2/ 48-49).
وقال الشيخ الشنقيطي-رحمه الله-:
وأظهر شيء في محل النزاع وأصرحه وأخصه فيه: حديث أُمِّ سلمة، وظاهره التحريم. أضواء البيان(5/٦٩٨).
وقال العراقي -رحمه الله-:
فيه: استحباب فتل القلائد للهدي، واستخدام الإنسان أهله في مثل هذا. طرح التثريب (5/ 152).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: من الأحكام:
تقليد الهدي وإشعارها.
ومنه: مباشرة التقليد والإشعار بيده، وهو أفضل من الاستنابة كذبح الأضحية، واختلف مالك وابن شهاب في المرأة، فقال ابن شهاب: تلي ذلك بنفسها، وأنكره مالك، وقال: لا تفعل ذلك إلا أنْ لا تجد مَن يلي ذلك؛ لأنه لا يفعله إلا من ينحره. عمدة القاري (10/ 38).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
وفي الحديث أحكامٌ:
منها: استحباب فَتْلِ القلائد للهدي، ويكون من جلود أو خيوط، ونحوهما.
ومنها: استحباب الإشعار والتقليد، أما التقليد: فتقدَّم تفاصيل محله من الإبل والبقر والغنم، وأما الإشعار: فاتفق العلماء على أنَّ الغنم لا تُشْعَر؛ لضعفها عن الجرح، ولأنه يُستر بالصوف، وأما البقر: فيستحب إشعاره كالإبل.
ومنها: استحباب بعث الهدي من البلاد، وانْ لم يكن معه صاحبه.
ومنها: استحباب إشعاره عند بعثه، بخلاف ما إذا سافر صاحبه؛ فإنه لا يُستحب إشعاره إلا عند الإحرام.
ومنها: أنَّه لا يحرم على مَن بعث الهدي شيء من محظورات الإحرام، ونقل فيه خلاف عن بعض المتقدمين، وهو مشهور عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
ومنها: استحباب إعانة أهل الطاعات بما أمكن من المعونات، والله أعلم. العدة في شرح العمدة (2/ 1030-1031).
وللاستفادة ينظر حديث أُم سلمة -رضي الله عنها- في حكم من أراد الأضحية هل يجب عليه الامتناع من الأخذ من شعره وأظفاره وخلاف العلماء (هنا)
وينظر حديث عائشة الآخر والخلاف بين العلماء فيمن بعث هديًا إلى مكة، هل يصير محرمًا؟ (هنا)